مجزرة المنازل وأزمة القيادة

مجزرة المنازل وأزمة القيادة

عوض عبد الفتاح

حين يتحول رد الفعل على هدم المنازل العربية في الداخل إلى فولكلور، ويتحول سلوك المستعمر المتمثل في التدمير والهدم إلى سلوكٍ روتيني عادي، ويجري تنفيذ هذه الجرائم بأريحية. وحين يتطوع الذين يمسكون بدفة الأمور باسم مليون ونصف من الفلسطينيين في الداخل (لجنة المتابعة العليا والقائمة المشتركة)، إلى الهجوم على كل من ينادي بتطوير نوع الرد واعتماد المبادرة والتخطيط النضالي، فلا عجب أن يتحول الهدم المتفرق إلى هدم بالجملة، بل إلى أشبه بمجزرة للمنازل العربية.

بات من المفروغ منه التذكير أن عمليات هدم المنازل الفلسطينية ليست مسألة إدارية أو مخالفة قانون ترخيص البناء، بل استمرارية لمشروع تهويدي استعماري مركب مخطط له سلفًا على حساب وجودنا، وعلى هذا الأساس يجب فهمه والتصرف بما يرقى إلى هذا الفهم.

لقد مرّ على صيحات التهديد والوعيد، التي أطلقها البعض في اجتماع لجنة المتابعة العليا الذي عقد في بلدية قلنسوة أكثر من عام ونصف، بعد تدمير ١١ منزلاً ، ودون أن يترجم ذلك إلى أيّ خطوة جدية. هكذا يجري وأد كل محاولة تجديدية، تشبثًا بالاسترخاء الذي يتحول إلى حالة سيكولوجية تتشكل عادةً مع امتداد فترة الجلوس على كرسي القيادة بصورة غير معقولة.

قبل أكثر من شهر فقط، تعرض الحراك الشبابي الذي التحم مع مسيرة العودة الغزاوية في شوارع حيفا، إلى هجوم وحملات تشويه ممن يفضلون "الكزدرة" والاصطفاف الفولكلوري في مقدمة المظاهرة أو المسيرة، أو ممن أدمنوا على نهج سياسي هابط، بل لا سياسي (سياسة الواسطة مع الوزراء بدل النضال الشعبي والتخطيط السليم).

وعندما التقى توجّه قيادات التجمع الوطني الديمقراطي وكوادره التي تجندت بالكامل في هذه المعركة، مع الحراك الشبابي في ضرورة الانتقال من المظاهرات المرخصة الهادئة (ولا أقلل من أهميتها التحضيرية والتعبوية آنذاك) إلى التواجد في الشوارع ومن دون طلب ترخيص لضمان التأثير الفعليّ للمظاهرات، تعرضنا كما تعرض الشباب أيضاً لهجوم مشابه. وفقط بعد أن بدأ هذا التوجه بالتحول إلى نهج، وتعرض قيادات أحزاب إلى نقد من شباب حزبها، بدأت بالانضمام إلى مظاهرات إغلاق الشوارع، وتمت هذه المشاركة في مرحلة متأخرة.

وقد انخرست أصوات النقد فقط بعد أن اضطر الوزير الإسرائيلي السابق، بيني بيغين، الذي كان مخولاً بتمرير مخطط برافر من خلال فرضه على أهالي النقب بالتهديد والوعيد، إلى إعلان التراجع وتعليق المخطط في اجتماع خاص في الكنيست، مبرراً ذلك ليس فقط برفض فلسطينيي النقب للمخطط، بل بما سماه بتحريض قيادات الأحزاب، وذكر على نحو خاص قيادات التجمع. ولا تُنسى تلك المواجهات التي دارت في حورة النقب وفي وحيفا ويافا ووادي عارة وسخنين وغيرها.

وفي اجتماع على أرض قرية أم الحيران بعدها بفترة قصيرة، وقبل جريمة قتل الشهيد يعقوب أبو القيعان، صعد أحد أعضاء الكنيست إلى منصة الاجتماع واعتذر عن الهجوم الذي كان قد شنه على شباب حراك برافر الذين كانوا يغلقون الشوارع، ووعد بأنه في المرة القادمة سيكون في مقدمة الاحتجاجات وسيسبق الشباب إليها. لقد كان هذا الاعتذار بفضل الانتصار الذي حققه الشباب على مخطط برافر، وكان علي عندما جاء دوري في الحديث أن أثني على جرأته في النقد الذاتي، واستعداده للانتقال ليس بالكلمة فقط بل بالممارسة العملية، غير أن بعد أشهر قليلة فقط، بدأت إسرائيل بعملية هدم أم الحيران، دون أن نرى ترجمة لأقواله، ولا أي رد حقيقي من فلسطينيي النقب، ولا من الهيئات القيادية العربية القطرية.

ستتواصل مجزرة المنازل، وسياسة الإفقار والعنف، طالما لا يوجد اعتراف بجوهر الأزمة. إنها أزمة القيادة، التي ما عادت تمتلك ما تضيفه إلى نضالنا.

هكذا تتفاقم أزمتنا، وينأى الناس عن القيادة، ويفقدون ثقتهم بها، فيذهبون إلى أعمالهم ويصيبهم الاسترخاء أو الاستكانة أو الشعور بالعجز طالما قياداتهم عاجزة أو فاشلة، أو مصابة بمرض التشبث بالمقعد الوثير. ويجري تخدير الناس أو تعويدهم على الاتكالية، من خلال قيام أعضاء الكنيست أو قيادة المتابعة بتوفير وجبات من التصريحات والمُلاسنات مع وزراء اليمين في الكنيست وبيانات التنديد، أو زيارات فولكلورية لمواقع الهدم، وإلقاء الخطب المكررة مثل "إننا باقون ما بقي الزعتر والزيتون" وما شابه، دون أن يتبعه أي برنامج عمل يتسم بالديمومة، وقد بات كل ذلك في ظل غياب التخطيط والفعل المؤثر، أيضا جزءا من المشهد الفولكلوري الذي استسلمنا له.

ليست الموجة الحالية من الهجوم على منازلنا وأرضنا وهويتنا، تجسيدًا للمشروع الاستعماري وانعكاسًا لتوحّش وعدم إنسانية نظام الاستعمار الكولونيالي فحسب، بل أيضًا انعكاسًا لأزمتنا التي نرفض الاعتراف بها. إن من أبشع وجوه هذه الأزمة هو لجوء قيادات مركزية إلى التبخيس والتقليل من قيمة المبادرات الجريئة للأجيال الفلسطينية الشابة في الداخل (والحقيقة أن هذا حصل أيضاً في الضفة وغزة)، وخاصةً طلائعها الواعية، وتثبيط عزائمها بدل احتضانها وتشجيعها على جرأتها وإبداعها، وتوفير كل الفرص لتتمكن من النمو والتطور، والانتقال إلى المواقع القيادية الأمامية، فتساهم بإخراجنا من أزمتنا. وقد تحتاج هذه الطلائع الشبابية أيضا إلى مراجعة تجربتها، وتتصرف على أنها ليست شبيبة بل قيادات فعلية.

لا تدرك تلك القيادات أن هجومها على طلائع هذا الجيل، هو انعكاس لحالة سيكولوجية - نفسية، تجعلها تشعر بالخطر على موقعها، ممن يمكن أن يجددوا، لأن هذه الأجيال وعبر جرأتها ومبادراتها، تكشف ضعف القيادات وأنانية بعضها، وعبادتها لذاتها.

وفي ظل هذه الأزمة ستتواصل مجزرة المنازل، وسياسة الإفقار والعنف، طالما لا يوجد اعتراف بجوهر الأزمة. إنها أزمة القيادة، التي ما عادت تمتلك ما تضيفه إلى نضالنا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018