قضيتنا مع موقف السيارة والطابو

قضيتنا مع موقف السيارة والطابو

سهيل كيوان

إحدى المشكلات الكبيرة التي يواجهها مجتمعنا العربي، ويبدو أنها تتأزم عامًا بعد عام، هي موقف السّيارة.

للوهلة الأولى تبدو كأنها مشكلة صغيرة وسطحية، ولكنّها، في الواقع، تجرُّ إلى مشاكل كبيرة، وانتهت في بعض الأمكنة بمأساة، وهذا حدث أكثر من مرة.

جعلني أكتب عن هذا الآن، هو خبر قرأته قبل يومين، عن طعن أحدهم لجاره بسبب خلاف على موقف سيارة، وذلك في إحدى قرى الشمال. وعن حادثة شخصية جرت معي قبل أيام عندما أوقفت سيارتي ودخلت إلى بيت صديق، ولم يلبث أن جاء أحدهم صارخا: "لمن هذه السيارة". وتبيّن أن بين صديقي وجاره خلافًا على مكان وقوف السيارات.

إنها ليست المرة الأولى التي يجري فيها عنف متبادل بين الجيران نتيجة لهذا السبب، وأعتقد أن لبعضنا تجربة شخصية مع هذه الحالة.

الخلاف ممكن أن يحدث بين الأخوة، الذين يسكنون إلى جانب بعضهم، أو في نفس العمارة فوق بعضهم البعض.

كل طرف يدّعي أنه ملتزم أكثر من غيره بنظام الوقوف، أو بأنه أحق من غيره في المكان، أو أنه صاحب الأسبقية في الوقوف، وإلى آخره من الحجج والبراهين، هذه التراكمات الصغيرة تصبح مع مرور الزمن ضغائن حاملة لمشاكل كبيرة.

السبب الأساسي لوجود خلافات على موقف السيارة، هو إما الأحياء القديمة الضيّقة، التي بنيت قبل ثورة ملكية السيارات، أو غياب التخطيط السليم في البناء من أصله، علما أن الموقف إلزامي للحصول على الرخصة، والمشكلة، الآن، هي في قلّة الأرض المعدّة للبناء، ومن يملك 400 متر من الأرض، يبني عليها كلها مستغلا كل سنتمتر منها، ولا يبقي موقفا، لا لسيارته ولا لسيارة زوجته أو ابنه أو ضيفه، ويوقف سيارته في الملك العام، الذي يفترض أن يكون متاحًا للجميع.

أزمة المواقف، سبب من أسباب العنف في أكثر من مرة، وغالبا تكون القشة التي تكسر ظهر البعير.

المحلات التجارية تضع يافطات "موقف لزبائن المحل فقط"، علما بأنّ الطريق عام، في هذه الحالة، قد يأتي أحدهم، لم يجد موقفا، فيوقف سيارته في هذا المكان، لأنه يعتبره من الحق العام، فما العمل عندما لا يكون مكان لوقوف السيارة؟ ولكن في الوقت ذاته هو باب رزق وحرام أن تغلقه بسيارتك، وهنا تكمن مشكلة.

إضافة للضيق الذي تعانيه مدننا وقرانا، فإن بعض العمّال يحضرون معهم شاحنات أو حافلات لشركات يعملون فيها كسائقين، يُدخلونها للمبيت أمام بيوتهم، فإن لم يجدوا أمام بيوتهم مكانا، أوقفوها أمام بيت جارهم، أو أمام بيت إنسان بعيد يُفاجأ بشاحنة تقف في المكان الذي يوقف سيارته فيه، وهذا قد يتحمل الوضع بضع مرات، ولكنّه، في النهاية، يطلب من السائق أن لا يوقفها أمام بيته، وهنا، أيضًا، قد تنشأ مشكلة. أصحاب العمل يوفّرون على أنفسهم أجرة موقف يومي لشاحناتهم، ويحمّلون العاملين عليها مسؤولية العثور على موقف، وهذا يزيد من ازدحام قرانا ومدننا.

واجب كل مقبل على البناء، أن يدرك بأن في أرضه نسبة للحق العام، ويجب أن يشمل التخطيط موقف سيارات وليس سيارة واحدة فقط، وليس على الخارطة فقط، بل في الواقع والتنفيذ، أيضًا، فهو الذي سيربح ويريح رأسه في نهاية المطاف، وهو الذي سيستفيد من هذه المساحة العامة التي يتنازل عنها من أرضه، ولو فعل الجميع هذا، لكان وضعنا أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم. طبعًا، في نهاية المطاف، اختناق مدننا وقرانا لا يمكن فصله عن السياسة العنصرية العامة، وعلينا أن نوجّه سهام غضبنا إلى العنوان الصحيح الذي يحرم قرانا ومدننا من التخطيط والخرائط الهيكلية ومن القسائم ومن مشاريع البناء لتغطية احتياجات الأزواج الشابة.

طوّبوا أرضكم...

عندما تقبل لعمل رخصة بناء، أو إضافة طابق على بيتك، تذهب إلى خطّط ما، يطلب منك تواقيع كل من له اسم في القسيمة أو القسيمتين التي ستبني فيها، وتُفاجَأ من أعداد الأسماء الموجودة فيها، وبعدما كنت تظن أن جيرانك أربعة أو خمسة، يتضح أن عددهم يتجاوز العشرين وأكثر.

فالجيران لم يطوّبوا الأرض على أسمائهم، وما زالت بأسماء أجدادهم، وستجد أسماء كل من أنجبه الأجداد والجدات في القسيمة، وهذا يعني عملا مضنيًا، فأنت تضطر حسب القانون لجمع تواقيعهم رغم أن نصفهم صار في الدار الأخرى، وأما ورثتهم فلم يحصروا الإرث بعد، أو حصروه ولم يطوّبوه، وتضطر لإرسال مكاتيب عاجلة ومضمونة لكل اسم يظهر في القسيمة -هكذا القانون-.

في عدم تطويب الأرض، هو في بقائها على اسم من لم يعد مالكًا لها في الواقع، وقد يخرج من بين هؤلاء رجل شرّير يدعي ملكيته لحصة من الميراث ما زالت باسمه، وقد يبيعها دون دراية أحد، وحينئذ تنشأ مشكلة جدّية تصل إلى قاعات المحاكم، أو إلى العنف المباشر، وقد يكون أحد هذه الأسماء مدينًا إلى جهة رسمية، فتضع يدها على حصته من القسيمة، وهي، عمليًا، ليست أملاكه، إلا أن وجود اسمه من بين أصحاب الأرض يخوّل جهات دائنة له بمصادرتها، مثل البنك وسلطة الإجراء والتنفيذ، وذلك لصالح جهات لها ديون ضريبية أو قروض بنكية عجز عن تسديدها، وهذا حدث كثيرًا، ولهذا فإن تطويب الأرض التي نرثها أو نشتريها، ضروري جدًا، وفورًا، لضمان أقل ما يمكن من المشاكل في المستقبل لكم ولأبنائكم ولأحفادكم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018