كفر قاسم: لماذا لا يماط اللثام عن تفاصيل المجزرة؟

كفر قاسم: لماذا لا يماط اللثام عن تفاصيل المجزرة؟

سليمان أبو إرشيد

بعد 62 عاما على المجزرة الرهيبة، يمثل أبناء وأحفاد شهداء كفر قاسم أمام المحكمة العسكرية الإسرائيلية، للمطالبة بإماطة اللثام عن حقائق وحيثيات وأسرار، ما زالت تطويها الوثائق السرية للأرشيف العسكري، رغم تجاوز المدة القانونية للحظر وهي 50 عاما.

وكان المؤرخ الإسرائيلي آدم راز، الذي يبحث في قضية المحاكمة الخاصة بمرتكبي مجزرة كفر قاسم، التي عقدت جلساتها في العام 1957 ونشأ عنها المصطلح المعروف بـ"الأمر العسكري الذي ترفرف فوقه راية سوداء"، قد توجه منذ سنة ونصف لمحكمة الاستئناف العسكرية، مطالبا بالسماح له بالاطلاع على الملفات السرية الخاصة بالقضية، والمحفوظة في أرشيف الجيش الإسرائيلي.

وبغض النظر فيما إذا كان التماس راز سيلقى المصير ذاته لالتماس الفنانة الإسرائيلية، نيطع شوشاني، المتعلق بالإفراج عن صور مذبحة دير ياسين، والذي رفضته المحكمة العليا في حينه، أم لا، فإن خيط الدم الذي يربط بين المجزرتين لا يقتصر على بشاعة الجريمة وقذارة السلاح، التي تحاول إسرائيل حجب حقيقتهما عن العالم فقط، بل يتعداه إلى ما يجمعهما من مخططات تهجير تحققت عام 1948 وفشلت عام 1956.

ويبتغي راز من وراء تحرير الوثائق إلى الكشف عن تقرير سري ينطوي على مخطط سياسي لتهجير سكان المثلث الجنوبي، يحمل اسم "الخلد"، هو ما يقف من وراء ارتكاب المجزرة، التي أريد لها أن تكون واحدة من سلسلة مجازر غايتها دب الرعب والهلع في نفوس الأهالي ودفعهم إلى النزوح عن ديارهم، كما حدث عام 1948.

وكانت "خطة الخلد السرية" التي سبق وألقت صحيفة "هآرتس" عليها بعض الضوء من خلال مقابلات مع ضباط وجنود وحدات وسرايا كتيبة حرس الحدود، التي نفذت المجزرة في كفر قاسم، كانت تقضي بإخلاء السكان العرب من بيوتهم بالمثلث الصغير من كفر قاسم في الجنوب وحتى قلنسوة في الشمال، قبل ساعات من انطلاق العدوان الثلاثي على مصر.

الضباط والجنود الآخرون اعترفوا بأن التعليمات صدرت لهم بارتكاب مجازر في كافة قرى المثلث الجنوبي، إلا أنهم لم يقوموا لأسباب مختلفة، بتنفيذ التعليمات كما نفذها ضابط وحدة كفر قاسم، غبرئيل دهان.

وقضت الخطة بأن يتم تقديم موعد حظر التجول في تلك القرى من التاسعة مساءً إلى الخامسة بعد الظهر، وهو وقت عودة المزارعين إلى قراهم، وإطلاق النار على كل من يتجول خارج منزله بعد تلك الساعة، دون التمييز بين رجل أو طفل أو امرأة أو مسن.

وكان الصحافي الإسرائيلي روبيك روزنطال قد قام في كتابه "كفر قاسم أحداث وأسطورة" بإلقاء الضوء أيضا على بعض التفاصيل الخطة العسكرية الإسرائيلية، التي هدفت الى تهجير أهالي المثلث الجنوبي، إذ أشار إلى أن التعليمات صدرت بارتكاب المجازر في كفر قاسم والطيرة وجلجولية وكفر برا والطيبة وقلنسوة وبير السكة وإبطن، لتهجير سكانها تحت ستار العدوان الثلاثي على مصر.

وكشف أنه وبأمر من وزير الأمن حينها، موشي ديان، أعد الجيش خطة سرية (الخلد) تنفذ في الوقت المناسب، لإخلاء السكان العرب من بيوتهم بالمثلث الصغير من كفر قاسم في الجنوب حتى قلنسوة في الشمال، وتجميعهم في معسكر اعتقال. وتردد في حرس الحدود، في حينه، أنه سيتم وقت الحاجة غغلاق المعابر من القرى إلى داخل إسرائيل، ويتم توجيه السكان إلى الشرق، إلى الضفة الغربية التي كانت تقع تحت سيطرة الأردن.

وفي الساعة الواحدة والنصف من ظهر يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1956، وقبل ساعات من نقل كتيبة مظليين إلى ممر "المتلى" غربي سيناء، جمع قائد كتيبة حرس الحدود المكلفة بتنفيذ المجازر، شموئيل ملينكي، ضباط الوحدات والسرايا لإبلاغهم بتعليمات القيادة، وأوضح أن "الحرب على الأبواب"، وأن الكتيبة ضُمت إلى لواء في الجيش بقيادة عميد الاحتياط يسسخار شيدمي، وستكون مهمتها فرض حظر التجول في ثماني قرى عربية ابتداء من الساعة الخامسة بعد الظهر، وإطلاق النار على كل من يتواجد خارج بيته في ساعات حظر التجول.

وبالرغم من عدم اكتمال حلقات المخطط الذي كان يستهدف القرى الثماني، حيث قام فرانكينتال، قائد السرية المسؤولة عن الطيبة وقلنسوة وبير السكة وإبطن وكفر برا، بتخفيف التعليمات على عاتقه ومنع بذلك توسع المجازر، فيما لم يشدد قائد السرية الأخرى، حاييم ليفي، على التنفيذ وترك القرار لضباط الوحدات فتجنبوا التنفيذ بحذافيره، بالرغم من ذلك، فإن السبب الرئيس في فشل مخطط التهجير الجديد هو صمود الأهالي في بيوتهم رغم المجزرة الرهيبة، وهو صمود تغذى أساسا من تجربة 1948 وما تركته من أثار في النفس الفلسطينية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018