في ذكرى إحسان عباس

في ذكرى إحسان عباس

أنطوان شلحت

تحيل الذكرى الـ 15 لرحيل إحسان عباس، يوم 1 أغسطس/ آب المقبل، إلى أكثر من قيمة ثقافية له. وإحداها ما لا ينفكّ كثيرون عن التوقف عندها، وهي التميّز بوعي مزدوج، أولًا إزاء ما ينطوي عليه الماضي من دلالات، وثانيًا إزاء المواكبة، وما تتطلبه من تغيّر وتطوّر في امتلاك الحاضر وأكثر في اقتحام المستقبل. 
وانسحب هذا الوعي على معظم إرثه، لا سيما كتابه "تاريخ النقد الأدبي عند العرب" (1971). وفيه قدّم صورة عن النقد الأدبي عند العرب منذ أواخر القرن الثاني الهجري حتى القرن الثامن، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه. واتبع فيه "منهج التدرّج الزماني"، لأنه برأيه "يعين على تمثّل النقد في صورة حركةٍ متطورةٍ، بين مدٍّ وجزر أو ارتفاع وهبوط على مرّ السنين". وكان همّه منصرفًا "إلى إقامة كيان للنقد الأدبي عند العرب"، من خلال الاحتكام إلى أساسٍ شموليٍّ في النظرة الكلية إلى ذلك الكيان. ولهذا السبب، لم يقصر الرؤية على من عرفوا بالنقد التطبيقي، مثل الآمدي والقاضي الجرجاني وابن الأثير، بل درس من كان لهم نشاط نظري في النقد، مثل الفارابي وابن سينا وابن خلدون، محاولًا في كل خطوة أن يوجد، حتى عند النقاد التطبيقيين، الأسس النظرية الفكرية التي كانت توجّه النقد لدى كل منهم. 
ولا يغني أي عرض، مهما يكن واسعًا وعميقًا، عن الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب. مع ذلك تستوقفنا فيه عدة أفكار: 
أولًا، النقد المنظّم عند العرب تأخر، إلى أواخر القرن الثاني الهجري، إذا ما قايسناه مع ظهور الشعر، حتى "تأثلت قواعد التأليف الذي يهيئ المجال للفحص والتقليب والنظر"، إذ مثل المنهج الذي يستوجبه النقد "لا يمكن أن يتحقق حين يكون أكثر تراث الأمة شفويًا". 
ثانيًا، التأليف يخلق مجالًا صالحًا للنقد، لكنه لا يستطيع أن يخلق وحده نقدًا مُنظّمًا، بل لا بُدَّ من عوامل أخرى. وأهمّ هذه العوامل جميعًا يكمن في "الإحساس بالتغيّر والتطوّر"، ذلك لأن هذا الإحساس هو الذي يلفت الذهن، أو ملكة النقد، إلى حدوث "مفارقةٍ" ما. ولا بد لهذه المفارقة أول الأمر من أن تكون ساطعةً متباعدة الطرفين، حتى تمكّن النظر الذي لم يألفها من قبل من رؤيتها بوضوح. وعندما نتعمّق المواقف النقدية لدى كبار النقاد في تاريخ النقد العربي، نجد أن ذلك الإحساس بالتغير والتطور هو العامل الخفيّ في شحذهم للنقد. 
ثالثًا، النقد الأدبي ولد في حضن الاعتزال (الجاحظ، بشر بن المعتمر، الناشئ الأكبر) والمتأثرين به، سواء أكان ذلك التأثر موجبًا أم سالبيًا (ابن قتيبة، ابن المعتز). وكان الاعتزال حينئذ يعني، في أساسه، الاحتكام إلى العقل، والعقل يهدئ من جموح العاطفة والعصبية، ما أدى منذ البداية إلى أن يسلك النقد طريقًا وسطًا، لا تفضيل فيها لقديم على محدث أو العكس، وإنما هناك، كما يقول العقل الاعتزالي، محض الحُسن والقُبح، وذلك هو أساس النقد الأدبي. 
رابعًا، ظهرت الحاجة إلى "المصطلح النقدي"، حين تحدّد دور الناقد، ومُيّز بحقوق خاصة به، وبمجالٍ لا بدّ له من أن يعمل فيه. 
خامسًا، كل نقد عند أي أمة هو صورة للنماذج الشعرية (أو النثرية) عندها. وإذا لم تتسع آفاق النقاد العرب إلى ما هو أبعد من القضايا التي طرحتها تلك النماذج، فليس هذا ذنبهم. ويمكن أن يقال إن الذين درسوا كتاب "فن الشعر" لأرسطو لم يستطيعوا أن يؤثروا إلا تأثيرًا ضئيلًا في تاريخ النقد عند العرب، لا لأنهم لم يزاولوا النقد بأنفسهم وحسب، بل أيضًا لأن الكتاب الذي اختاروه، على الرغم مما له من قيمة بالغة، كان يتحدث عن نماذج لا يعرفها الشعراء العرب، ولا تعرفها جمهرة النقّاد. 
وإجمالًا، قدّم لنا إحسان عباس، في هذه الدراسة، مرجعًا يتيح سندًا عظيمًا للاستعانة بالماضي، في سيرورة مراكمة المعرفة. والحقّ أنه كان مشغولًا، حتى النخاع، بالأمرين معًا.

(العربي الجديد)