التيار الثالث: ألم يحن أوانه في الداخل؟

التيار الثالث: ألم يحن أوانه في الداخل؟

عوض عبد الفتاح

ربما آن الأوان لبدء الحديث والعمل على استيلاد تيار وطني ديمقراطي ثالث داخل فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨، وذلك بعد أن عرَّت الأحداث المتلاحقة عجز وإفلاس الأطر التمثيلية العربية القائمة. 

إنّ نكوص الآمال التي عُلّقت قبل ثلاثة أعوام على لجنة المتابعة العليا، بعد إجراء منافسة داخلية على رئاستها لأول مرة، وكذلك الآمال التي عُلّقت أيضا على القائمة المشتركة، التي تشكلت على الرغم من مقاومة أوساط متنفذة في قيادة الجبهة، وعلى الرغم من محاولات التخريب التي قام بها الطيبي.

إن نكوص الآمال هذه، تطرح أسئلة جدية إزاء قدرة هذه الأطر الوحدوية على مواجهة المشاريع والمخططات والقوانين الإسرائيلية العدوانية، والتي أطّرها البرلمان الصهيوني مؤخرًا في القانون العنصري الاستعماري، المعروف بـ"قانون القومية".

إنّ الآمال التي انتعشت بين فلسطينيي ٤٨ في أعقاب هذا الجديد بخصوص المتابعة والمشتركة، الذي بدا واعدًا، وانتشار الفرحة في أوساط الفلسطينيين، في كل مكان، تلاشت بعد فترة قصيرة، وتكشّفت ركاكة وهشاشة الذهنية التي تحكم هذه الأطر التمثيلية؛ لجنة المتابعة، اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية، والقائمة المشتركة. أما لجنة الوفاق فحدث ولا حرج.

ولم تتوقف تجليات العجز عند الفشل في النهوض والارتقاء بهذه الأطر التمثيلية الهامة، ولا في هبوط مستوى خطابها السياسي - الوطني، ولا في اختفاء النضال الشعبي فحسب، وفي توجيه ضربة للسياسة، بل وصل حضيضها إلى أدنى من ذلك الى أنماط سلوكية انتهازية ومشينة، تمثلت أبشعها سرقة المقاعد لشريك أساسي في هذه الأطر.

في ظل هذا كله، يطرح السؤال: هل هذه الأطر قادرة ومؤهلة وراغبة في إجراء مراجعة جدية، والتصدي لمخاطر المرحلة الجديدة القديمة؟! ألا تبدو وكأنه تقادم عليها الزمن، وبالتالي على شخوصها، أو معظمهم؟ هل لديها ما تطرحه، وهل فاقد الشيء يعطيه؟ 

ليس جلدا للذات، بل هذه دعوة للتواضع والتفكر والمراجعة، والتأمل الصادق في أنفسنا، والتعالي على ذواتنا، لأن ذلك يساعد على التغلب على الحالة السيكولوجية التي تتشكل مع طول الزمن الذي يستقر فيه الفرد القائد، على مقعده، فيصبح معجبا بنفسه، ونرجسيا، وفتاكا لفكرة التغيير، وغير قادر ٍعلى التجديد والابتكار. ربما هذا ظلم لقلة قليلة، حافظت على بعض ماء الوجه، ولكن على هذه القلة القليلة واجب رفع صوتها أعلى، والقيام بخطوات جريئة أو أن تترجل .

حتى فترة قريبة، كنّا نقارن أوضاعنا بواقع إخواننا في الضفة وغزة، وبحالة الانقسام الكارثي هناك، ويحسدوننا إخواننا هناك أننا غير منقسمين، ولكن يتبين أنه ليس بالضرورة أن يكون الانقسام عموديا شديدا، حتى تكون الحالة سيئة. إذ يمكن أن تكون الوحدة زائفة، وداخلها عفنٌ، الذي إن تُرك دون علاج أو استئصال، يُتلف الكل، أو على الأقل يعطّل التجديد وروح المبادرة ويحول دون استيعاب الطاقات الجديدة، وبالتالي يُسهل فتح المجال الواسع والمريح لمرور مخططات الهدم والنهب والحصار والإفقار، بلا أي مقاومة.

منذ سنوات، وبعد أن تبدت صعوبة وعدم قرب تحقيق مصالحة وطنية بين فتح وحماس، يتحدث الكثيرون في المناطق المحتلة عام ١٩٦٧، وفي الشتات من النشطاء والمناضلين المستقلين، والأكاديميين النقديين، عن ضرورة نشوء تيار وطني ثالث وحدوي، ويضطلع بدور نضالي ضد الاحتلال، ويبلور رؤية وطنية شاملة وجامعة، تجمع كل الشعب الفلسطيني. ويشارك في هذه المحاولات أو المبادرات أيضا فلسطينيون من داخل الخط الأخضر. وكنا أسوة بالآخرين، نعبر عن إحباطاتنا لعدم تبلو ر هذا التيار الثالث، الذي يمكن أن يشكل ضغطا حقيقيا على طرفي الانقسام، فضلا عن دوره في بلورة وتجديد الرؤية الوطنية الجامعة. 

ولكن للحقيقة، فإن هذا التيار غير المنظم بعد، يشتغل على الأرض من خلال لجان المقاومة الشعبية، ولجنة مقاومة الجدار العنصري، لجنة المقاطعة، لجان العودة، حراكات الأكاديميين والشباب وانتفاضات القدس المتوالية.

في المقابل، في داخل الخط الاخضر، لم ينشأ حديث أو جهود لتشكيل تيار ثالث، لأنه جرى التسليم بأن الأطر التمثيلية القائمة وأحزابها أفضل حالا من الأطر القائمة في الضفة والقطاع والشتات. وحصل تطور في اتجاه لافت وهام، خلال المعركة ضد مخطط برافر، خاصة في النصف الثاني من عام ٢٠١٣، تجلى في دخول الحراك الشبابي بقوة على الخط، بعد أن عجزت المظاهرات السلمية المرخصة التي نظمتها لجنة المتابعة في إحداث نقلة نوعية في عملية الضغط على نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وقد تمكن التجمع الوطني الديمقراطي من استصدار قرار من قيادة لجنة المتابعة (كان آنذاك رئيسها محمد زيدان) بضرورة اللجوء إلى اغلاق الشوارع، وأن يكتب بالبيان الصادر بهذا الخصوص، وكانت المرة الأولى التي يصدر في بيان رسمي دعوة صريحة لإغلاق الشوارع. وهكذا غاب التوتر بين المتابعة والحراك الشبابي، والسبب يعود إلى حدٍ كبير، إلى قيام أحد أهم مركبات المتابعة، ألا وهو التجمع، بزج كامل قوته، قيادات وكوادر، في هذه المعركة، منفذا قراره في المؤتمر السادس عام ٢٠١١، بجعل معركة مقاومة برافر وكأنها معركته الخاصة. كان التجمع حريصا على العمل تحت مظلة المتابعة، لأن هذا ما تطلبته تلك المعركة الوطنية الهامة.

نطرح هذه التجربة للتدليل على ما يمكن عمله، وما يجب القيام به، عندما تكون المخططات خطيرة للغاية. ومنذ إسقاط برافر، لم تخض الأطر القائمة أي معركة ضد المخططات العدوانية المستمرة والمتصاعدة، ضدنا وضد شعبنا. والمواجهات التي شهدتها السنوات الأخيرة، على خلفية التضامن مع الأسرى الفلسطينيين، كانت في الإساس بمبادرة الحراك الشبابي، الذي جزء كبير منه إن لم يكن غالبه غير مؤطر في أي حزب سياسي.

إنّ واقع الأطر التمثيلية العربية في داخل بات شبيها بواقع منظمة التحرير الفلسطينية، من حيث انحسار وزنها التمثيلي وفقدان شرعيتها الثورية، ومن حيث سيطرة الجمود الكامل عليها، ناهيك عن تبعيتها لسلطة أوسلو التي تحولت إلى حارس للاستعمار. وقد مرّ على المطالبة بإصلاحها أكثر من ثلاثة عقود ودون جدوى. وتخضع الآن، هي والسلطة، لأهواء شخص واحد هو محمود عباس، دون حسيبٍ أو رقيب، رغم فشل مراهناته على الأميركان وما نتج عن ذلك من كوارث سياسية، ووطنية ومعنوية وثقافية.

من أين نبدأ؟

من المفروض أن تجتمع الأطر التنظيمية العربية، لجنة المتابعة والقائمة المشتركة واللجنة القطرية، للتداول في تداعيات القانون الاستعماري الجديد، وأن تضع الخطوات التي تعتقد إنها ضرورية. ونظرًا لحال هذه الأطر الهشة، فإنه لم يعد جائزا التعويل عليها وحدها، لأن من شأن ذلك تكريس الفشل، وتسهيل ترسيخ تداعيات وإفرازات المشروع الاستعماري الممتد على عشرات السنين.

لذلك، لا بد من حراك إضافي، نوعي ومختلف خارج هذه الأطر، يبادر إليه طلائع الأجيال الأكثر وعيا، والأكاديميون الوطنيون، والمثقفون الملتزمون، والعمال والمعلمون وطلاب الجامعات، نساء ورجالا، للتداول في الأمر، وبلورة الاقتراحات والمبادرات، وذلك عبر التنسيق مع أبناء شعبنا في كل مكان .
ومن المفترض أن تقوم هذه المبادرات على الأسس التالية:

* قانون الدولة اليهودية، يمس مصالح كل الشعب الفلسطيني، إذ يعتبر فلسطين التاريخية ملكا وحقا حصريا لليهود.

* تثبيت تعريف إسرائيل، ووفقا للقانون نفسه، كنظام أبارتهايد استعماري، ينتمي إلى الانظمة الاستعمارية العنصرية غير الشرعية. إذاً النظام الاسرائيلي هو نظام غير شرعي .

* قضية فلسطين، هي قضية تحرر وطني وليست قضية نزاع على حدود؛ تحرر من نظام فصل عنصري كولونيالي.

* الفلسطينيون داخل الخط الأخضر ، هم جزء من الصراع ، وجزء من الحل .

* الحركة الصهيونية لا تمثل كل اليهود، وهم ضحية تضليل و"شطف دماغ"، وهدف نضال شعب فلسطين، تحرير فلسطين من الصهيونية، والعيش المشترك مع اليهود القائم على المساواة والعدالة.

* حركة النضال الفلسطيني هي جزء من حركة النضال العربي والشعبي من أجل التحرر من الهيمنة الإمبريالية العالمية والصهيونية، ومن الاستبداد.

 * حركة النضال الفلسطيني هي جزء نضال شعوب العالم وقواها التحررية، الساعية إلى إقامة نظام عالمي أكثر عدلا، يَضمن الأمن و الحرية والعيش الكريم للإنسان .

خطوات عملية عامة 

أشكال العمل تتحدد كالتالي، من أجل مواجهة إفرازات القانون الاستعماري وصولا إلى إسقاط نظام الأبارتهايد:

* الانخراط المنظم في حملة مقاطعة إسرائيل، وهذا يتطلب حسم أمر المشاركة في برلمان نظام الأبارتهايد (الكنيست).

 * الانخراط في إستراتيجية نضال شعبي، متواصل ومنهجي، وهذا يتطلب تشكيل إطار من أناس مطلعين، نظريا وعمليا ، على تجارب التغيير الاجتماعي والاحتجاج الشعبي.

* بلورة وخوض حملة إعلامية عصرية ومهنية، وهذا يتطلب لجنة من خبراء في هذا المجال.

 * تشكيل هيئة شبابية مهمتها العمل والتحرك بين الأجيال الشابة، وبين طلاب الجامعات، التي تزداد أعدادها ويزداد مستوى تعليمها، ويزداد وعيها باحتياجاتها.

* اقامة صندوق مالي قومي، يُموّل أساسا من شعبنا، من الداخل والخارج.

من أجل وضع أنفسنا على السكة الصحيحة، لا بد أن توضع مهمة إعادة بناء الاطر القائمة، خاصة لجنة المتابعة العليا، فهذه أولوية قصوى لأن مواجهة نظام كولونيالي وعنصري سافر يتطلب مؤسسات قوية وذات مصداقية، حتى تكتسب ثقة الناس والقدرة على الحشد الشعبي حول خطواتها. وهذا يشمل تحديد مهماتنا العينية داخل الخط الأخضر، والمهمات المرتبطة بقضية فلسطين ككل، خاصة وأن القانون الاستعماري ينفي وجود شعب فلسطيني، ويحصر ملكية هذا الوطن لليهود.

لقد أتاحت إسرائيل لشعبنا، دون أن تدري، فرصة كبيرة للمباشرة في توحيد الحركة الوطنية وتجديدها وتعمل على إعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، للسردية التاريخية المشتركة ولوحدة الجغرافية للوطن. 

إسرائيل انضمت عمليا إلى جهود حركة المقاطعة، كونها أعلنت عن نفسها أنها كيان استعماري ونظام ابارتهايد. الطريق طويل وصعب، وينطوي على معاناة كبيرة وتضحيات كبيرة أيضا، لكنه الطريق الذي يَضمن الوصول إلى الأهداف المرحلية وبعيدة المدى.

إنّ شرط تحقق ذلك، هو اعتماد إستراتيجية مقاومة شعبية مدنية، محليا وعالميا، وفِي الوقت ذاته خوض معركة البناء الداخلية، بناء المؤسسات وبناء الإنسان، وبناء ثقافة تحرر بمفهومها الشامل، يكون هدفها الإنسان حريته وكرامته وأمنه الشخصي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018