"روحي على راحتي"

"روحي على راحتي"

أنطوان شلحت

تحمل مشاركة الشاعر الفلسطينيّ، حنا أبو حنا، في أمسية إحياء الذكرى السبعين لاستشهاد الشاعر الفلسطينيّ، عبد الرحيم محمود، التي تقيمها جمعية الثقافة العربيّة في حيفا يوم 15 أغسطس/ آب الحالي، دلالة خاصة ترتبط بجانبين: الأول، الملامح المستمرة للكتابة الشعرية الفلسطينية في تجربتي شاعريْن، تركا بصماتهما فيها عبر انعكاس بُعد الواقع في قصائدهما ما قبل نكبة 1948 وما بعدها. والثاني، الجهد الذي قام به أبو حنا في ثمانينيات القرن العشرين الفائت، وتُوّج بصدور طبعة جديدة منقحة ومزيدة من ديوان محمود يحمل عنوان "روحي على راحتي" (مركز إحياء التراث العربي، الطيبة، 1985).

تميّزت تلك الطبعة بأنها أوفى نسخة (حتى ذلك الوقت) من ديوان هذا الشاعر الشهيد، إذ ضمّت مزيدًا من قصائده، منها ما أُخذ من الصحف التي نشر فيها نتاجه، ولم يُتح للدارسين العثور عليها من قبل. ومنها ما كان فضل العثور عليها عائدًا إلى أقرباء الشاعر الذين كرّسوا جهدا كثيرا في البحث والتنقيب، والاتصال بأصدقاء علموا بوجود قصائد للشاعر لديهم. كما تميّزت بأنها مدقّقة ومشكولة، مع شرح مفردات معينة، وذكر إشارات ظرفية لبعض القصائد. وسبقت هذا الجهد عدة جهود لإصدار نتاج محمود الشعري مدوّنًا في أنحاء متعدّدة من الوطن العربي، كان أولها إصدار ديوان للشاعر في عمّان عام 1958، بادرت إليه لجنة تألفت من توفيق أبو شريف وعادل الزواتي وعيسى الناعوري، اشتمل على قصائد له، وعلى بعض كلمات أول حفل تأبين أقيم في عمّان في سبتمبر/ أيلول 1954. وفي 1974 أصدر الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين "ديوان عبد الرحيم محمود"، جمعه وقدّم له كامل السوافيري، ونُشر في بيروت. وذكر السوافيري أنه أضاف إلى الديوان الصادر في عمّـان مقطوعتين وثلاث لزوميات، وأضاف أبياتا إلى ست قصائد. وفي 1975 أصدرت مكتبة بلدية نابلس العامة كتاب "الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود"، وضمّ قصائد لم تُنشر في الديوانين السابقين، تم الحصول عليها من أقرباء الشاعر ومن الشاعرة فدوى طوقان، وكانت نُشرت في مجلة الأمالي عامي 1938 و1939.

وأشير في تقديم ديوان "روحي على راحتي"، الذي كتبه قريب الشاعر أديب رفيق محمود، إلى أنه ديوان لا يحتوي التراث المتكامل للشاعر، وثبّت قائمة بنتاجات أخرى أبدعها، وشهد أقاربه ورواة ثقاة بالاطلاع عليها، ومنها مسرحية شعرية، ومناظرات مع شعراء عراقيين، وغيرها. وفي 1988 صدرت في دمشق "الأعمال الكاملة لعبد الرحيم محمود، الديوان والمقالات النقدية"، جمعها وحقّقها الشاعر عز الدين المناصرة. وبلغ عدد الأبيات التي تنشر أول مرَّة 1051 بيتًا، وعدد القصائد التي تنشر أول مرَّة 29 قصيدة، وحصل عليها المحقّق من مصادر موثوقة ومتعدّدة. أما قصة اكتشاف المقالات النقدية، فقد سردها في مقدمة الطبعة الثالثة من هذه الأعمال، التي صدرت عام 2009.

وقسّم أبو حنا مقدمته إلى قسمين: "مسيرة على اللهب"، و"من أسرار القيثارة". وتناول في الأول مسيرة الشاعر منذ ولادته في عنبتا "التي تمدّ يدًا إلى نابلس وأخرى إلى طولكرم" عام 1913، حتى استشهاده يوم 13 يوليو/ تموز 1948 في معركة الشجرة في الجليل، ودفنه في الناصرة. وتناول في القسم الثاني المعمار الفنيّ في قصائد للشاعر، مبيّنًا كيف اتخذت القصيدة خلال نموّها أبعادًا ترقى بها من المشهد المحسوس إلى رموز مطلّة على آفاقٍ من الإيحاء، أو سبر أغوار التجربة الإنسانية، وفي هذا المضمار تتجلّى طاقة الخيال الشعريّ الذي تفجّره الموهبة. وكأن أبو حنا يلمح إلى قاسم مشترك بينه وبين عبد الرحيم محمود، حين استخلص أن الشاعر الراحل لم يرض أن يقف عند نهج، بل كان يسعى باحثًا مجدّدًا. وفي سعيه هذا، كان صاحب "روحي على راحتي" ينتقل من المنبرية إلى عمق التأمل الداخلي، سواء في نفسه أو في مجتمعه.

(العربي الجديد)

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018