كي لا يصل لبنان إلى طريق مسدود

كي لا يصل لبنان إلى طريق مسدود

سهيل كيوان

اعتاد الحكام الظالمون عبر الدهور، على اتهام المعارضين بالكفر أو الزندقة أو السحر! في عصرنا لم تعد الزندقة تهمة ذات تأثير إلا نادرًا، وحلّت في مكانها تهمة العمل لصالح جهات أجنبية، ومن هناك تصبح المسافة قريبة جدًا لدمغ المتهم بالخيانة، وهذا يمهّد لتصفيته الجسدية والمعنوية.

تقول إحصاءات نُشِرت في الصحف العالمية إن أموال اللبنانيين في المصارف الأجنبية تبلغ 800 مليار دولار، وهذا سبب إفلاسه، لأنه هذا الرقم يُشكّل عشرة أضعاف ديون لبنان الخارجية، والتي تقدر بـ80 مليار دولار.هذا يعني أنه لولا الفساد والسّرقات التي يشارك فيها أقطاب السلطة الحاليون والسابقون، لما وصل لبنان إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي أخرجت الناس إلى الشوارع شاتمين لاعنين النظام بكل أركانه.

السيد حسن نصر الله، القوة العسكرية الأساسية في المعادلة الطائفية التي تحكم لبنان حاليا، والذي يعتمد على إيران في رواتب موظفيه ومؤسساته كما يُصرح هو بوضوح، شكّك في وجود عناصر خارجية وسفراء دول وراء انتفاضة اللبنانيين، علمًا أنه أعلن عن تفهمه وحتى تأييده للحراك في بدايته، وذلك بهدف امتصاص غضب الناس، إلا أنه وبعكس تعاطفه اللفظي مع المتظاهرين راح يلمّح إلى تدخلات أجنبية وهذا باطل.

يحاول السيد حسن نصر الله أن يُظهر بأن لا تناقض بين الولاء الأعمى لإيران وآية الله خامنئي، وبين مصلحة لبنان والأمة العربية، وهذا غير صحيح، فلدى إيران أطماع هيمنة  تمر عبر العراق وسورية واليمن ولبنان، وهذا يعني تصدير الخمينية إلى دول الجوار، وهذا ليس مطلب الشعوب العربية الطامحة إلى التحرر والوصول إلى الدولة المدنية التي يكون مركزها المواطن، بغض النظر عن مذهبه ومعتقده.   

الحديث عن مقاومة الصهيونية والإمبريالية وعملاء أميركا لا يلغي واقع الفقر في لبنان الذي سبّبه نظام فاسد، والفساد أخطر على كل دولة من أي عدو خارجي، والحصانة والمقاومة الحقيقية للصهيونية والامبريالية وأي عدو خارجي في أي بلد هي العدالة الاجتماعية، التي تُشعِر المواطن بقيمته في وطنه، فتجعله متمسّكا به ومستعدا للدفاع عنه بروحه وأبنائه وماله، وما دون ذلك يبقى شعارات فارغة المضمون.    

لقد وصلت شرائح من الناس في لبنان إلى جوع حقيقي، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وكل اتهام للمتظاهرين من قبل أيٍ كان بأنهم مدفوعون من قوى أجنبية مردودٌ عليه، فكل طفل يدرك أنه لا يمكن لأي قوة أجنبية أن تحرّك مئات الآلاف إلى الشوارع في الليل والنهار وخصوصًا في بلد مقسّم طائفيًا، ما لم تكن هذه النار متأججة بهم هم أنفسهم.

أعطت المظاهرات اللبنانيين شعورًا بقوتهم وبقدرتهم على أخذ مصيرهم بأيديهم، وارتقت بهم فوق الطائفية والمذهبية التي أنهكتهم وأنهكت بلدهم.

ثورة أكتوبر اللبنانية بلورت لدى الناس الشخصية الوطنية اللبنانية وأعادتها إلى الواجهة بعدما سرقها زعماء الطوائف، بل بلورت إنسانيتهم التي تشوهت من خلال تحريض المسؤولين الطائفيين على اللاجئين السوريين والفلسطينيين وتحميلهم مسؤولية الأزمات الاقتصادية، واتخاذهم شماعة يخفون وراءها جشعهم وفجورهم وملياراتهم في البنوك الأجنبية، فصار المتظاهرون يهتفون مرحبين باللاجئين السوريين والفلسطينيين. 

عمّت المظاهرات جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والمدن، من طرابلس شمالا إلى صيدا وصور والنبطية جنوبًا، ولم يعد الفرق واضحًا بين منطقة سنّية ومسيحية أو شيعية (باستثناء المربع الأمني لحزب الله).  

لن يكون سهلا اجتثاث تاريخ طويل من الطائفية المتأصلة في لبنان، وليس من السهل إعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني من جديد في ظل الحكومة الحالية، والأخطر من كل هذا هو محاولة قمع الشعب بالقوة، لأن هذا يعني ارتكاب مجازر وعودة إلى دمار الحرب الأهلية.

كي لا يصل لبنان إلى طريق مسدود، من الضروري اختيار طريق التفاوض لحل الأزمة الحالية، وعلى المتظاهرين أن يتفقوا على من يمثلهم للتفاوض مع الحكومة الحالية، وأن يقدموا مطالبهم التي يرونها مناسبة وقابلة للتطبيق، وعلى رأسها إقامة حكومة طوارئ انتقالية ومحاسبة الفاسدين وإعادة الأموال المنهوبة إلى الشعب، وإقرار خطوات اقتصادية ودستورية تتيح للمواطن استعادة توازنه والعيش بكرامة.

لا يمكن اقتلاع طريقة الحكم الحالية من جذورها بضربة واحدة مهما كانت النوايا صادقة، فللدولة الطائفية جذورها العميقة، ولهذا من واجب اللبنانيين جميعًا، سلطة ومتظاهرين؛ التحلي بروح المسؤولية والوعي وإيجاد صيغة لخطوط عريضة للتغيير التدريجي المطلوب نحو مرحلة جديدة، تشمل في طياتها عملية بعث لبنان على أُسُس المواطنة والدولة المدنية، والبدء بالتمكين التدريجي لدولة مدنية حديثة عصرية، ترتقي فوق التقسيمات الطائفية باتفاق ووفاق، وهذا يحتاج إلى صبر وإلى نفس طويل وتعاون حقيقي وحكمة من جميع الأطراف تضع مصلحة لبنان وشعبه فوق كل مصلحة أخرى.  
 

اقرأ/ي أيضًا | المثالية عدوٌ خطير...