هل يملك الأسرى حريّة القرار بشأن التطعيم

هل يملك الأسرى حريّة القرار بشأن التطعيم

يواجه الأسرى كما نحن جميعا، جائحة كورونا، ويخشون كما نخشى الإصابة بها ويخشون تبعاتها. وجاءت أنظمة وتعليمات الطوارئ، وضربت بعرض الحائط الحريات الشخصية، وقيدت الحركة وفرضت الإغلاقات لأسباب صحية وقائية وليس أمنيّة هذه المرة. تدخلت الأنظمة في تفاصيل حياتنا واخترقت السرية المعلوماتية حين أُعطي الضوء الأخضر للشاباك، في تعقّب تحركات الناس بشكل علني. صحيح أنه تم تقييد الأمر بمتابعة وكشف تحركات المصابين بالعدوى أو من خالطهم، إلا أن هذه الأنظمة لا تستطيع حقًا أن تكفل عدم تدخل هذه الأجهزة المخصصة للملاحقات الأمنية - جهاز الأمن العام ("الشاباك")، وألا تستغل هذه المعلومات التي تجمعت لديها لأهداف أخرى غير تلك الصحية المُعلن عنها.

لم تكن الدولة بل لم يكن العالم وحكوماته حاضرا لهذا الوباء، وشغلت العبثية والتجربة والخطأ مكانا مميزا في التعامل معه، فقررت بعض الدول إغلاق حدودها والتشديد على حركة مواطنيها فورا، بينما قامت أخريات بالممطالة حتى انتشر الوباء فيها.

لقد شهدنا حتى الآن ثلاثة إغلاقات شاملة متفاوتة الوتيرة والمعنى، وتساءل الكثيرون عن معنى الإغلاق وكيفية تطبيقه على أرض الواقع واعترض الكثيرون على كون تعليماته لا تطبق على الجميع بالتساوي، ففي حين تنزه أهل تل أبيب على الشواطئ وتمّ تحرير مخالفة لقلّة منهم، استمر الحريديون في كثير من المناطق بالتجمع متجاهلين التعليمات وعناصر الشرطة الذين جاؤوا لمخالفتهم، إلا أن المثير من المعطيات المنشورة هو أن أعلى نسبة مخالفات تم تحريرها هي في المجتمع العربي رغم تراجع انتشار العدوى هناك وإقدام الكثيرين على التطعيم. وفي هذا انعكاس للسياسات التمييزية الواضحة.

وفي حين شهد الإغلاق الأول تفاوتا في التطبيق والمعنى في الحيز العام خارج السجون، فإن سياسات تطبيقه داخل السجون جاءت واضحة منذ البداية، وفرض الإغلاق التام ومنعت من الأهل والمحامين زيارة أبائهم وموكليهم بالسجون، وانقطع الأسرى عن العالم الخارجي، وكان من الصعب مع موجة كورونا الأولى أن نعرف حقيقة ما يحدث داخل السجون وما هو وضع الأسرى هناك. هذا الإغلاق حدا بنا وبمحامين عدّة ومؤسسات حقوقية إلى الاعتراض على سياسة الإغلاق الشامل ومطالبة الدولة من خلال رسائل ودعاوى قدمت للمحكمة العليا الإسرائيلية، بمسؤولياتها في إعطاء بدائل للأسرى لزيارات الأهل ولقاء المحامين. وطالبت المؤسسات الحقوقية بتمكين الأسرى من إجراء محادثات هاتفية مع ذويهم.

وجاءت موجة الإغلاق الثانية، وكانت مصلحة السجون قد نظمت نفسها واستعدت أكثر، فجاء الإغلاق عينيا، وأُعلنت بعض السجون مناطق حمراء وتم إغلاقها وإجراء فحوصات لطواقمها بالأساس. وجرت جلسات المحاكم من خلال تطبيق الزوم. لكن بقيت زيارات الأهل محدودة للغاية، ولم يحظ الكثير من الأسرى بلقاء أهاليهم مرة بسبب الإغلاق من قبل مصلحة السجون، ومرة بسبب الإغلاق في الطرف الآخر من قبل السلطة، وعدم قيام الصليب الأحمر بترتيب زيارات في هذه الأثناء.

وتأتي الموجة الثالثة من الإغلاق مع البدء بعملية التطعيمات، وانطلاق الحملة الواسعة التي تشجع على تلقّي التطعيم، حتى صار منظر الأذرع والأكتاف المكشوفة أمام شاشات التلفزيون وعبر صفحات "فيسبوك" و"إنستغرام" مزعجا إلى حد ما. في هذه المرحلة ظهر مجددا الفرق في التعامل بين من هو أسير ومن هو خارج جدران السجن.

صحيح أن الإغلاق يشملنا جميعا، ويعتمد على أنظمة طوارئ وقوانين تحمل بجوهرها أساس مفهوم أنظمة الطوارئ التي تحدد فيها حرية الشخص في التنقل والحركة مقابل قيمة مجتمعية عليا - الحق في الحياة والحماية من المرض ومن انتشار العدوى. وفي حالة الأسرى، هذا الحق محدد مسبقا، فمفهوم السجن هو في أساسه تطبيق لتقييد ومنع الحركة والتنقل وفي أساسه هو عبارة عن "إغلاق" متواصل لحين الحرية أو "إغلاق" مدى الحياة. هذا التفاوت بين الأسرى ومن هم خارج القضبان انعكس أيضا في الجهوزية للتعامل مع الإغلاق والتي نبهتُ إليها في مقال سابق. ففي حين لدى الشخص الجالس في بيته أثناء الإغلاق وسائل وأدوات للتواصل الاجتماعي من هواتف وتواصل عبر الشبكات الاجتماعية والتي ممكن أن تشكل بديلا وتعويضا جزئيا عن اللقاءات الاجتماعية والعائلية، تنعدم هذه الإمكانية لدى الأسرى، مما جعل حالة الإغلاق في السجون حالة معاناة مكثفة للأسرى وعزل تام.

القيمة الثانية التي ظهرت على المحك أثناء الإغلاق الأخير في الموجة الثالثة، هي مناليّة التطعيمات، والحق في التطعيم، ومن ثم الحق في عدم التطعيم ومفهومه. ففي بداية الموجة الثالثة حين وصلت التطعيمات إلى البلاد صرّح وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، أمير أوحانا، عن رفضه تطعيم الأسرى وضرب بعرض الحائط توصيات المستشار القضائي للحكومة بهذا الصدد، حيث أكد المستشار القضائي للوزير أن تصريحاته هذه لا تعتمد على أسس قانونية وليس للوزير الصلاحية بإصدار تعليمات كهذه. في المقابل، كان رد أوحانا مستهترا بالمستشار القضائي. وفي النهاية، بعد نقاش قانوني - سياسي، وبعد توجه عدد من المؤسسات الحقوقية للمحكمة بهذا الأمر، تم الإعلان عن البدء في التطعيمات للأسرى أيضا وبعد أن تم الانتهاء من تطعيم طواقم السجن والسجانين.

وهنا ثارت تساؤلات جديدة، حيث وصل إلى علم مؤسسات حقوقية بأن مصلحة السجون بدأت بحملة التطعيمات الواسعة وأنها عممت تعليمات حول التطعيم وأيضا تحذيرات وتوضيحات لمن لا يريد من الأسرى والمساجين. من جهة تؤكد أنها "لا تفرض" عليهم أن يتلقّوا التطعيم، لكن، كما أوضحت مصلحة السجون، أن الأسير الذي لا يريد أن يحصل على التطعيم ووقّع على نموذج تنازل، فإنه بالمقابل "لحماية الآخرين" سيكون عرضة لتقييدات وإجراءات معينة، التي تشمل جميع السجناء والأسرى ومنها: تغييرات في ترتيب الأسرى في الغرف والأقسام، نقل لسجون أخرى، وضع قيود على العلاقة مع العالم الخارجي (زيارات الأهل)، وللجنائيين احتمال منع أو تقييد الزيارات المفتوحة ومنع مشاركتهم بورشات التعليم والعمل الجارية والمتاحة لهم. كل هذا كما أوضحت مصلحة السجون بهدف حماية الأسرى الآخرين والطواقم.

هنا تطرح معضلة وإشكالية في التناقض والتجاذب بين أهداف وقيم مختلفة والتي تقع دوما في صلب أي نقاش قانوني؛ ففي المقابل لحرية التعبير وحرية الحركة والتنقل يقع الحق في الحياة وعدم التعرض للجائحة أو تعريض الآخرين لها. في هذه الحالة، يقع حق الأسير الذي لا يريد أن يتطعم - الحق في القرار والحق على الجسد، مقابل الحق في حماية الآخرين (من الأسرى) حقهم هم أيضا في عدم انتقال العدوى إليهم وحقهم في ألا يعانوا من كورونا.

حتى الآن وقّع حوالي 1500 أسير/ سجين على نماذج رفض التطعيم، وهو عدد ليس بقليل مقابل غالبية أعداد الأسرى والمساجين الذين وافقوا على التطعيم (في السجون اليوم حوالي 4500 أسير فلسطيني) إضافة لمجمل السجناء الجنائيين، يهودا وعربا. لكن هذه المجموعة أيضا وإن كانت أقلية داخل مجموعة الأسرى، لها الحق في حماية حقها بالرفض. وهنا يطرح السؤال: هل بالإمكان حقا حماية حقهم بالرفض دون المس بحقوق أخرى لديهم كالحقوق المذكورة أعلاه، وخاصة لقاء الأهل وعدم التنقل بين السجون. إن فرض حالة الإغلاق داخل السجون تكتسب أهمية خاصة ومضاعفة، وكما ذكرت سابقا، مقابل التدخل في حياتنا وفرض إغلاقات علينا ومنعنا من الحركة ومن التنقل في الحيز العام، لدينا مقومات لمعالجتها وبدائل لها تخفف من وطأة التقييد، هذه المقومات معدومة لدى الأسرى المحرومين أصلا من حريتهم ومن مناليّة وسائل التواصل الاجتماعي.

وهنا يطرح أيضا تساؤل إضافي حول حق "الأغلبية ضمن الأسرى" بالتطعيم والحق بعدم انتقال العدوى لهم من الأسرى/ السجناء رافضي التطعيم. حين كانت المعادلة بين حق الأسرى بعدم التطعيم/ الحق بالتطعيم، مقابل عدم انتقال العدوى لهم من الخارج من خلال السجانين والمحققين، أخلاقيا، كان التعامل مع الموضوع أسهل علينا نحن المحاميات والمحامون. لكن حين يطرح التفاضل بين حقوق مجموعة من الأسرى دون مجموعة أخرى تصبح المعادلة أصعب. واتخاذ موقف يصبح أصعب.

اقرأ/ي أيضًا | الجريمة و"الشاباك"!

نقطة الانطلاق هنا أيضا يجب أن تعتمد التوازن بين حقوق الأغلبية وحقوق الأقلية، ويبقى المعيار الأساس هو الحق في الحياة. وبين هذا وذاك علينا أن نكون "المراقب" الوصي على مصلحة الأسرى وحقوقهم وألا تقمعهم هذه الإجراءات وألا تتحول حجة حماية باقي الأسرى والطواقم والتي هي حجة ومحاججة قوية، ألا تتحول لأداة قمع للأقلية وتحويل حياتهم إلى جحيم. من المهم المراقبة والمتابعة كي لا تتحول هذه التقييدات لرافضي التطعيم إلى عقابات وإجراءات غير شرعية رغم تغليفها بأهداف نبيلة وبمرجعيات قانونية.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص