"المسلخ البشري" صيدنايا... شهادات من الداخل

"المسلخ البشري" صيدنايا... شهادات من الداخل

اتهمت منظمة العفو الدولية في تقرير، اليوم الثلاثاء، النظام السوري بتنفيذ إعدامات جماعية سرية شنقا بحق 13 ألف معتقل، غالبيتهم من المدنيين المعارضين، في سجن صيدنايا قرب دمشق خلال خمس سنوات من الحرب في سورية.

وقالت المنظمة الحقوقية في تقريرها وعنوانه 'مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا' إنه 'بين 2011 و2015، كل أسبوع، وغالبا مرتين أسبوعيا، كان يتم اقتياد مجموعات تصل أحيانا إلى خمسين شخصا إلى خارج زنزاناتهم في السجن وشنقهم حتى الموت'، مشيرة إلى أنه خلال هذه السنوات الخمس 'شنق في صيدنايا سرا 13 ألف شخص، غالبيتهم من المدنيين الذين يعتقد أنهم معارضون للحكومة'.

وعبر السوريون من خلال الشبكات الاجتماعية، عن غضبهم وصدمتهم حيال التفاصيل المروعة التي وردت في التقرير، والتي كشفت للمرة الأولى عن أحدث وسائل التعذيب والقتل بحق معارضي النظام في سجون الأسد.

وقال دياب سرية، السجين السابق في صيدنايا، والذي أفرج عنه في العام 2011، على حسابه في 'فيسبوك': 'كل لحظات الرعب والخوف التي يمكن أن تعيشها في حياتك لا تعادل لحظة واحدة في سجن صيدنايا.

لا يمكن وصف هذا الشعور.. أعتقد أن الكلام عن الجحيم وجهنم الوارد في القرآن الكريم وفي الكتب المقدسة لا يكفي لوصف فظاعة وبشاعة سجن صيدنايا.

في صيدنايا تدرك المعنى الحرفي لأن تتمنى الموت ولا تناله.

تعجز كل مفردات القباحة والذعر والخوف في أي لغة وفي أي قاموس عن وصف لحظة واحدة هناك.

لا أعتقد أن هناك وحشية وبربرية في التاريخ تعادل وحشية وبربرية آل الأسد.

الرحمة لضحايا التعذيب في سجون الاسد. الحمد الله على سلامة من عاد من جهنم حي ليخبرنا عن الوحوش البشرية التي تعيش هناك في أسوأ مكان على وجه الأرض'.

وكتب الصحافي الفلسطيني- السوري، رائد وحش: 'خلال الشهور الماضية، قرأتُ عشرات التقارير القديمة عن سجن صيدنايا، والتمردات التي حصلت فيه، والطرائق الوحشية التي واجه فيها النظام الفاشي السجناء العزل. وقتها شعرتُ بجناية كوني إنسانًا.

اليوم يصدر تقرير جديد، يقولون إنه الأشد قسوة في تناول 'باستيل' الأسد. بصراحة، أنا خائف من قراءته، خائف من مواجهة جنايتي كإنسان مرة أخرى'.

أما ماهر إسبر، السجين السابق في صيدنايا، والذي أفرج عنه أيضا في العام 2011، فكتب في منشور على حسابه في 'فيسبوك'، بعنوان 'من مذكرات صيدنايا'،

يوم الخميس تاريخ 25-5- 2006 كنت بالمنفردة رقم عشرة في منفردات الألف في سجن صيدنايا، سمعنا في فجر ذلك اليوم صوت فتح قفل الباب الخاص بجناح المنفردات ونزل الدرج الأول أكثر من عشرة أشخاص بينهم ثلاثة ضباط وكنا نميز الضباط من صوت أحذيتهم على الأرض، (أغلبهم كان يطرق الأرض بكعب كندرة بعكس العساكر الذين يرتدون البوط العسكري )، ثم فتحوا الباب الثاني وبعدها نزلوا الدرج الواصل إلينا، في المنفردات الواقعة تحت الأرض بطابقين حيث الصمت الدائم والعتمة، يتطور لدى الانسان حاسة جديدة وهي الرؤية من خلال سماع الصوت وتركيب الصورة المتخيلة للحدث والمشاركين به، كنا حرفيا نرى بآذاننا .

وصل العساكر والضباط الى باب المنفردة رقم ستة التي كانت تقريباً مقابلنا وفتحوا بابها وتهامسوا قليلاً مع المعتقل داخل المنفردة، وبعدها علا صوت عراك، كان العساكر يشتمون المعتقل وضابط أمن السجن يصرخ به 'بدنا نموتك يا *** بدي علقك ***' والمعتقل مرة يتوسلهم 'من شان الله لا تموتوني' ومرة يشتمهم بأعلى صوته 'بدكم تموتوني يا ***، يا *** لا تموتوني'.

تسلقت باب منفردتي محاولاً اختلاس النظر من الفتحة الموجودة فوقه، فرأيتهم متحلقين حول المنفردة وأكثر من خمسة عساكر يحاولون سحب المعتقل الذي كان يتمسك ببابها، بعد أن تمكنوا منه قيدوا يديه للخلف، ومن ثم قال لهم أحد الضباط أجلبوا معكم بطانية لنلفه بها، وضعوا البطانية على رأسه بحيث أصبحت تغطي نصف جسده بالكامل وجروه بينهم، وهو يصرخ ويشتم ويتوسل، بقينا نسمع أصواتهم لحوالي ربع ساعة ومن بعدها حل صمت كبير بالمكان، مع العلم أن جميع المعتقلين في المنفردات قد استيقظوا ولكن كانوا وكأن على رؤوسهم الطير .بعد حوالي الساعة وقبل أن يجلبوا لنا الفطور بقليل، جاء عسكريان مرة أخرى إلى باب منفردتي، وطلبوا مني أن أجمع أغراضي وثم نقلوني إلى المنفردة رقم ستة التي أصبحت خالية، كان المعتقل الذي تم إعدامه قد ترك جميع أشياءه وحاجياته البسيطة، بعض ملابسه المستعملة وصابونه وبدلاته الداخلية وجرابات وقليل من لب الزيتون الذي صنع منه أشكال ومنحوتات صغيرة، و قد حفر بشكل أنيق على كل سنتيمتر من جدران تلك المنفردة ذكريات وخواطر ورسومات وكأنها معرضه .. كان بينها رسم لروزنامة يظهر منها أنه كان موجود بنفس المنفردة منذ ثلاث سنوات وثمانية أشهر، وقد كتب بجانب أحد التواريخ إهداء لابنته:  اليوم ذكرى ميلاد ابنتي.. كل عام وأنت بخير يا بابا.. أنا أشتاق لك '. منذ وضعوني في تلك المنفردة وحتى الأن.. وأنا يسكنني إحساس بأنني أشاركه حياته وقبره وشوقه بنفس الوقت'.

وعلق الكاتب السوري، دارا العبد الله، السجين السابق في سجون مخابرات الأسد، على تقرير أمنستي بقوله: 'ملايين انتخبوا تافه مثل، ترامب، خوفا من كم ألف لاجئ سوري، اختارهم أوباما بعناية للقدوم إلى أميركا. في حين مات 17 ألف إنسان على الأقل في معسكر اعتقال رهيب. هذا جانب صغير من القبح'.

وفي منشور آخر، وصف الكاتب بعض من مشاهد التعذيب في فرع الخطيب للاعتقال والتعذيب، والذي يطلق عليه فرع '251': 'في صباح اليوم الثالث العشر، في فرع الخطيب التابع لأمن الدولة في منطقة القصاع بدمشق، ناداني حارس المهجع، المُسمَى بـ “المهجع الخارجي”. كان لدي ثلاثة أسماء في السجن: “كردي” و”قامشلو” و”دكتور”. لأول مرة، ظننتُ أنها جلسة تحقيق. الشاب الدوماني بقربي، قال لي بأنه سيدعو لي بالفرج (كان هنالك تقليد دعاء يقوم به أهالي دوما، وغالبيتهم مسلمون محافظون، بصمت لكل من يتم دعوته إلى التحقيق، كنت أستمتع بهمهمة الصوت، وأتأثر بدموعهم). خرجت بكنزتي الورديَة وبنطلون جينز أزرق، حافيا. لأول مرَة لن يتم وضع العُصَابةِ عيني. رأيت ممرات وأقبية الفرع بوضوح. شحوب وقطرات دمٍ على الجدران. دخلتُ غرفة التحقيق الأساسيَة، كان هنالك ثلاثة عناصر مع مدير السجن. وكان في زاوية الغرفة، شاب مُعرَى ينهال عليه رجل أمن رابع بضربات كرباجٍ عار. أتوا لي بكرسي، وقال لي مدير السجن، بأنَ الهلال الأحمر أرسل لنا مجموعة من الأدوية، “نحن لا نسمح لأي أحد بدخول السجن، لذلك، نعتمد على الأطباء في السجن على إنفاق الأدوية. هذه هي الأدوية، وسيأتي إليك السجناء من المهجع رقم ١١” (مهجع خاص بالسجناء المرضى). وقال العنصر الشاب، بأنه سيأتي لي بسيجارة وكاسة شاي كمكافأة على هذه الفعلة. لم يكن لدي قرار الرفض. تفقدت الأدوية، معقمات، وحقن “روز فليكس” مضادة للالتهاب، ومسكنات ألم “إيبو بروفين” ولصاقات وشاش وقطن. هزيت برأسي مبديا الاستعداد. وبدأت حشود السجناء تتقاطر علي، جروح متعفنة يسبح فيها الدود، وأقدام بحاجة للبتر العاجل، وصدمات إنتانية من الالتهاب، ورصاصات مسجونة في أفخاذ، وجرب مستشري، وعشرات الحالات الأخرى. كنت أقوم بتضميد كل جرح، وأعقمها بإخلاص، وأغير الكفوف الطبية بعد كل أربعة أو خمسة سجناء. لا أتذكر عدد السجناء بالضبط في ذلك المهجع، ممن قمت بتضميدهم، ولكن، العدد لم يكن يقل عن ٥٠ شخص. عجوزٌ هزيلٌ طاعن في السجن، كان يعاني من جرحٍ في باطن ساقه، قمت بتضميده، وحقنته بإبرة روز فليكس مضادة للالتهاب. اختلط الأمرُ على العجوز السجين، وظن بأني ضابط أو عنصر أو طبيب عسكري، واستغرب هدوئي واهتمامي في التضميد، فقام بتقبيل يدي. وضعتُ عيني في عينه دامعا، وأنا أشعرُ بحرارة شديدة في حلقي. رجلٌ أكبر من أبي يقبل يدي. سحبتُ يدي فورا وقلت له: “أنا هون وضعي متل وضعك، هدول أسيادنا وأسيادك، أنا سجين”. فهرع العنصر الواقف إلى الكبل واقترب مني، كي يقوم بتأديبي على جرأتي في الكلام بصوت عال، فاقترب منه مدير السجن، وهو الشخص الوحيد الذي كان يلبس ثياب مدنية في السجن، وطلب منه ألا يضربني، وألا يقترب مني.  بعد الانتهاء من العمليَة، رفضت كأس الشاي والسيجارة، وطلبتُ منه فقط أن أرى نفسي في المرآة الموجودة فوق المغسلة. استغربوا من طلبي، ووافق مدير السجن. اقتربت من المرآة وأنا أنظر بعين بعيدة إلى شخص آخر لا أعرفه أبدا.'


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018