"ودك تشرب ودك تاكل"... الصحافة لا زالت بخير؟

"ودك تشرب ودك تاكل"... الصحافة لا زالت بخير؟

 هنالك من لم يسمع من الصحافيين بأزمة الصحافة التي تضرب السلطة الرابعة في الوطن العربي وفي العالم بأسره، لا إقفال 'السفير' يهمّها أو يعنيها بأقل تقدير، ولا الأزمة التي تعصف بباقي الصحف اللبنانيّة والعربيّة.  وهناك، ببساطة، من يحبّ مهنة الصحافة، للمهنة ذاتها، لا لحوافز أو رواتب أو أزمة محاور، ويسعى إلى المهنة ما استطاع إليه سبيلا، وما أتاحت له الفرص.

شريط فيديو قصير، لا تتجاوز مدّته الأربعين ثانية، لطفلين من إحدى دول الخليج العربي على ما يبدو يقوم أحدهما بدور المذيع والآخر يقوم بدور الطفل، يقفان خلف إطار شاشة تلفاز مكسور، لم يتبقّ منه شيء، يتحاوران وكأنهما في استديو إعلامي، بل ويقرر المذيع الطفل أن يخرج في فاصل إعلامي، يبث خلاله إعلانات لشركة 'راني' الشهيرة للمشروبات الخفيفة والعصائر.

اللافت في الفيديو ليس الحوار السريع بين الطفلين، بل القدرة على الابتكار، فالطفل المذيع سأل 'ضيفه' أسئلة عن البادية التي يقطنان فيها وتشغل صورها حيّزًا كبيرًا من إطار الصورة (الفريم)، أي عن عدد إبله وعمّا يريد أن يصبحه. هذه الرمزّية في الأسئلة تظهر أن الطفلين يعتبران الإعلام عاكسًا لحالهم، لا مستوردًا لقضايا أخرى من خلف المحيطات، لم يجتهد الطفل المذيع في تقديم أسئلة عن مواضيع تشغل الإعلام، الذي لا يتلفت لبداية العرب إلا بنظرة المستشرق، الذي يراهم قاطني خيام لا كهرباء عندهم ولا مياه صافية، فلم يقلّد الطفل المذيع مذيعًا آخر مشهورًا أو برنامجًا إعلاميًا، وهو ما دأب الآخرون على فعله، من تقليد لمحطات إعلاميّة تختص بالأطفال أو مذيعين مشهورين مثل مذيعي قناة 'الجزيرة' أو معلقي 'بي إن سبورتس' الشهيرين كالشوالي وغيره.

أمّا إجابة الطفل الضيف، حول ما يتمناه، فبقدر ما تعكس الأسى بأن يكون 'بعيرًا عن ابن قريع' فهي تعكس أملًا بانكسار نمطيّة الحلم أن يصبح الطفل طبيبًا أو مهندسًا شهيرًا، ببساطة، هو يريد أن يصير ما يراه جميلًا أو ما لا يقدر عليه الآن.

الابتكار الآخر في الشريط القصير، جاء من خلال 'الفاصل الإعلاني'، حين قدّم الطفل المذيع إعلانًا لشركة 'راني'، الطريف فيه أنه مبتكر وليس تقليدًا لحملة سابقة للشركة الشهيرة بشعارها 'الحبيبات جايّة'، فذلك أدنى من أن يقنع الطفل بعشق المشروب، ما شغل باله هو أنه لا يعرف أثناء شربه إن كان المشروب يؤكل أو يُشرب، وهو الأمر الذي تنبّهت إليه الشركة وقامت بإطلاق وسم بعنوان #ودّك_تشرب_ودّك_تاكل، نهاية الشهر الماضي، حصد مرفقًا بشريط فيديو يبحث عن الطفلين واسميهما حصد أكثر من 323 ألف مشاهدة حتى اليوم.

الرّصانة التي امتاز بها الطفل، وحرصه على النطق بالعربيّة الفصحى، ملتزمًا بمعايير رصينة يعتبرها صورة للإعلام الذي يعكس همومه، لا ما نراه من ابتذال في قنواتنا الإعلاميّة التي جاوز عديدها الألف؛ تكسرها لقطة طريفة في نهاية المقطع المصوّر، حين أطلّ الطفل من إطار الشاشة المفترضة سائلًا أين توجد كلمة 'مباشر'.

لنستمتع قليلًا بهذا الفيديو، قبل أن تتسابق قنوات الإعلام الكبرى على 'تبنّي' الطفلين، هكذا يرونه، ويراه آخرون احتكارًا للأطفال وقضاءً على طفولتهم وإدخالهم في مصائب الأرقام وحسابات الإعلاميين المتضخّمة والدفع لقاء الدقيقة للضيوف، كما استغّلت بعض القنوات من قبل مواهب الأطفال وحبّهم للغناء في برامج تعنى بهم، مثل برنامج 'ذا فويس كيدز'.

المهنة لا زالت بخير، وما زالت قادرة على اجتذاب الأطفال!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018