وائل غنيم.. الأفق المسدود

وائل غنيم.. الأفق المسدود
(أرشيفية- أ ب)

أثار الناشط المصري وائل غنيم، الذي اشتهر لدوره في إشعال ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، ردود أفعال واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي بعدما ظهر في فيديو حليق الرأس والحاجبين، مساء أمس الثلاثاء، لانتقاد الممثل والمقاول محمد علي، الذي أطلق حملة فضح من خلالها جوانب من فساد نظام عبد الفتاح السيسي والمؤسسة العسكرية في مصر.

وناقد غنيم، وهو مهندس حاسوب، نفسه في سلسلة من الفيديوهات التي نشرها على صفحته في موقع "فيسبوك"، معتذرا تارة لمعارضته النظام المصري، ومهاجما السيسي تارة أخرى.

وبان على غنيم بحسب متابعين كُثر "الإعياء" و"المرض"، حيث قال كثيرون إن هذا "ليس" غنيم الذي يعرفونه، والذي تتسم شخصيته بـ"الرزانة" و"الأدب" بشكل عام.

وأعرب غنيم عن حزنه لما يحدث في مصر خلال السنوات الأخيرة؛ مشيرا إلى أنه لا يريد أن يثور أو يوصف بأنه "إثاري"، وهو مصطلح تستخدمه الأجهزة الأمنية أحيانا ضد معارضيها، مؤكدا أنه يبحث عن مصلحة مصر.

وحظي الفيديو الذي نشره غنيم، بأكثر من 28 ألف مشاهدة، ونحو 5 آلاف تعليق، أغلبها يعرب عن حزنه لما وصل إليه حال غنيم، ويدعوه لاستعادة ثقته في نفسه خاصة مع ظهوره بشكل غريب.

وفي فيديو آخر بثه صباح اليوم الأربعاء، قال غنيم، "أنا في الظروف دي ومسامح نفسي وأنتم كلكم قلقانين وشايفين إن أنا مجنون". وتمنى في بث آخر "أن يصبح السيسي شخصا جيدا، وأن تصبح مصر بحالة جيدة"، كما تمنى خروج المعتقلين من السجون.

ودعا للاهتمام بزوجة الرئيس الراحل محمد مرسي، الذي توفي زوجها قبل شهرين، وابنها قبل أيام، موجها انتقادات للسيسي ونظامه، محملا إياه المسؤولية عن وفاتهما.

ما سبق الثورة وما تلاها في حياة غنيم

كان غنيم قد أنشأ صفحة قبل أشهر من اندلاع الثورة، وتحديدا في حزيران/ يونيو 2010، أسماها "كلنا خالد سعيد"، احتجاجا على مقتل الشاب المصري خالد سعيد نتيجة الضرب والتعذيب على أيدي رجال الشرطة في مدينة الإسكندرية، في الفترة ذاتها.

وربما تكون هذه اللحظة المفصلية التي دفعت الشاب الذي كان يشغل منصب المدير الإقليمي لشركة "جوجل" لتسويق منتجاتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في دبي، إلى الالتحاق بحركة "6 أبريل" الشبابية، التي لعبت دورا هاما في الثورة.

ودعا غنيم من خلال صفحته مصريين إلى "ثورة على التعذيب والبطالة والفساد والظلع" في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011، وهو ما تبنته حركات سياسية مختلفة، إضافة إلى مئات الآلاف من متابعي الصفحة، وهذا ما جعله من أبرز رموز الثورة التي اندلعت بعد ذلك بـ11 يوما، وقد استُقبل استقبال الأبطال في ميدان التحرير آنذاك بعد اعتقاله لمدة 12 يوما.

واعتُقل غنيم في 27 كانون الثاني/ يناير 2011، لكن الضغط الشعبي واحتشاد الثوار في الميادين دفع السلطات إلى الإفراج عنه أملا بتهدئة الأوضاع، لكن ذلك لم يحصل، واستمر المتظاهرون بالضغط حتى خلع الرئيس حسني مبارك.

وظهر غنيم في تلك الفترة على قناة "دريم" المصرية مؤكدا بطلان اتهامه، هو ورفاقه، بـ"العمالة لجهات أجنبية"، وباكيا على أرواح شهداء الثورة الذين سقطوا بنيران الأجهزة الأمنية. وحظي غنيم وصفحته على "فيسبوك"، بعد المقابلة، بالتفاف واسع حيث تضامن عشرات الآلاف معه، وهو ما زاد المحتجين إصرارا على البقاء في ميدان التحرير بالقاهرة.

وكان غنيم محسوبا على "التيار المدني" أو "جبهة الإنقاذ" التي قادت تظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013، احتجاجا على حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، والذي أُطيح به من قبل السيسي بعد انطلاق الاحتجاجات بأيام قليلة، بانقلاب عسكري دموي، ارتكب الجيش المصري فيه أفظع المجازر في تاريخ مصر الحديث، بحق المعتصمين السلميين المؤيدين لحكم مرسي، في ميدان رابعة العدوية.

وسُرعان ما غادر غنيم مصر بعد المجزرة بفترة قصيرة معتبرا أن هذه البلاد "لا ترحب بأمثاله"، مضيفا "قررت الابتعاد عن المشهد السياسي بعد أكثر من عامين ونصف العام من محاولات دفع مصر إلى الأمام"، في إشارة مُبهمة إلى بطش المؤسسة العسكرية التي قضت على التجربة الديمقراطية المصرية التي كانت لا تزال في مهدها.

وهو حاليا يتواجد في إحدى مدن الولايات المتحدة.

وحصل وائل غنيم على "جائزة جون كينيدي للشجاعة" لعام 2011 مناصفة مع الأميركية إليزابيث ريدينبغ، نظرا للدور الذي لعبه في إدارة صفحة "كلنا خالد سعيد".

التقديرات لحالة غنيم النفسية

دار جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حول توقيت ظهور غنيم، وتغيير شكله وخطابه السياسي، فضلا عن تساؤلات بشأن هجومه على الممثل ورجل الأعمال محمد علي، الذي يتواجد في إسبانيا، ويتهم رموز في النظام المصري بالفساد.

ومؤخرا، تحدث علي، الذي يمتلك شركة مقاولات شاركت في تشييد مشروعات حكومية، عن وجود وقائع فساد كبرى، اتهم فيها مسؤولين بارزين في الدولة، بمن فيهم السيسي، بصرف المليارات على مشاريع شخصية، كالقصور والفنادق وغيرها، في ظل صمت رسمي.

ودفع ذلك البعض إلى التعبير عن صدمتهم من رد الفعل الذي عبّر عنه غنيم، متحدثين عن أن غنيم يمر بحالة نفسية صعبة.

وفي أحدث بث مباشر، اليوم، كشف غنيم، أنه كان يُعاني من اكتئاب شديد في الأعوام الثلاثة الماضية، وفكر في الانتحار دون أن ينفذه، الأمر الذي "يفسّر"، ربما، بالنسبة لمتابعيه على الأقل، تغييره لشكله، وطريقة حديثه ومواقفه المبهمة.

القسوة وسوء الأحوال السياسية... همّ جماعي وشخصي

رغم التعاطف الكبير الذي تلقاه غنيم على الحالة التي ظهر فيها بالفيديوهات التي نشرها، إلا أنه شُتم (وشَتم) من قبل أعداد كبيرة من المعلقين، الذين لم يبدوا أي تعاطف معه، بل وسخروا منه أو عبروا عن "شماتتهم" مما يبدو أنه يعانيه اليوم، لمواقفه من حكم الشهيد مرسي، الذي تُوفي في حزيران/ يونيو الماضي، في سجون السيسي، نتيجة الإهمال الطبي.

كما انتُقد من داعمي محمد علي، الذي اتهمه غنيم بأنه فضح الفساد لأسباب مادية فقط، وهوجم من قبل داعمي السيسي ولجانه الإلكترونية.

الأمر الذي حث ناشطين بارزين، بعضهم تربطهم علاقات شخصية بغنيم، وشخصيات إعلامية ومستخدمين، إلى التعبير عن حزنهم لما وصل إليه غُنيم، ومناشدة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بعدم مهاجمته نظرا لـ"حالته النفسية"، معتبرين أن كل ما قد يُعاني منه غنيم ينبع من مصدر واحد، وهو سوء الأحوال السياسية في مصر.

وكتب الروائي الفلسطيني، عبّاد يحيى: "ثلاث أفكار عن الفاعلية السياسية مرتبطة بمحمد علي والجدل حوله، وعلى صلة بما يكتبه وائل عباس وفيديوهات وائل غنيم، ولهما كل تقدير واحترام:

المبدئية المعطّلة للفعل السياسي:

تتجلى في سلوك ومواقف العديد من الناشطين المصريين إزاء فيديوهات محمد علي وحركته. وهذه المبدئية المعطلة متلازمة مع انغلاق الأفق السياسي وحالات الهزيمة للتيار الذي ينتمي له الناشط، أو هزيمة خياراته ومساره. والحالة المصرية اليوم نموذج مثالي على هذه المرحلة، النظام مسيطر بسلطة مطلقة، ولا يبدو أن شيئا سيخرق سكون سيطرته وموجات الكآبة التي تعشش في سماء الناشطين. ثم يأتي تناقض داخل النظام نفسه، حتى لو كان بسيطا على مستوى مقاول يخرج من عباءة الجيش ليهاجم شخوصه ويشتمهم. الناشط الفاقد لفاعليته والمخنوق من موجات اليأس والكآبة، ينحاز نفسيا للشعور بعدمية أية محاولة للفعل أو الرفض، خاصة وخياراته التي كانت متماسكة جدا، تهاوت وهزمت. يميل الناشط نفسيا لمبدئية أو راديكالية شاملة فيها نزوع أخلاقي عالي في التعامل مع السياسة، تتحول المبدئية إلى نوع من التدين الخاص الذي لا يقبل غير البررة الأطهار ولا يمكن أن يثمر إلا بهم. لا يمكننا مناصرة شخص متورط في الفساد واستفاد منه، هذا تبعهم، فسدة وبيتقاتلوا. هذه الأحكام الأخلاقية هي ببساطة معطّلة لأي فعل سياسي في هذه المراحل. وأسوأ ما فيها أنها مبنية على يقين نفسي وقناعة بالتفوق والسمو الأخلاقي...".

وقال محمد ماهر: "في نقطتين عاوز أقولهم في موضوع وائل غنيم: أولاً انا عمري ما قابلت وائل بس أقدر أقول اني من كتاباته ومواقفه المعلنه ولقاءاته التلفزيونية بنيت عنه تصور انه شخص نظيف ومتسق مع اللي بيقوله لا خبيث ولا ملاوع ولا انتهازي ولا كذاب وانا عندي قناعة اتكونت عنه انه بيحمل نفسه مسؤولية كل اللي حصل من قتل ودبح وسجن للناس من بعد ثورة يناير لحد دلوقتي بصفته هو الداعي الأول والوحيد للثورة من خلال صفحة كلنا خالد سعيد اللي هو كان ادمن فيها وده ظهر في حاجات كتير منها مقابلته مع منى الشاذلي اللي طلع فيها وقال انا آسف وعيض وساب الأستديو .. ده عبئ ضخم وتقيل جداً ان حد يتحمله ويشيله ويفضل يجلد نفسه عليه خاصة لو حد نضيف من جواه مش انتهازي ووسخ..."

وناقش شادي لويس بطرس، قدرة البطش والقمع الذي تمارسه السلطات المصرية، على التسبب بأذى نفسي كبير للجميع، دون إشارة واضحة إلى غنيم: "الكلام ده يتقال النهارده، عشان جات مناسبته، وكان يجوز يتقال في أي وقت تاني، ومن غير مناسبة، الناس تعبانة فعلا، اللي جوه واللي بره، يعني هي البلد كانت تجيب العيا من زمان، لكل الاسباب اللي يمكن تصورها ، ودلوقتي واللي بيتحكم فيها وحوش مسعورة، على قدر مرعب من الجنان والقسوة، وبعد كمية الدم والفزع اللي عدوا علينا في الكام سنة اللي فاتت ومكملين ، بقى الواحد بيحسد اللي قادر يكمل حياته من غير ما يبان عليه حاجة، ناس ضربت وناس قفلت على نفسها أو اختفت، واللي بيهلوس على الفيسبوك، واللي بقى مدمن واللي عايش على أدوية الاكتئاب، واللي مات من جرعة زيادة، واللي ادروش، واللي شاف شباك صغيرة يهرب فيه من اللي بيحصل، وفيه اللي منفصل عن الواقع بشكل كامل أو نص نص، ده غير الناس اللي بتقطع بعض وخسرت بعض على كلام فاضي، وفيه طبعا يعني الابطال اللي الله أكبر عليهم اللي مركزين وبينحتوا في الصخر، وبيحاولوا يعملوا حاجة لنفسهم أو لغيرهم، وماشيين. انما معظم الناس اللي الدواير اللي الواحد يعرفها، تعبانين، وتعبانين بجد، عيا يعني حقيقي ومؤلم ومستمر، حتى لو مش باين عليهم فخربانين من جوه، ويمكن اللي مهون شوية من الأمر واللي ملصم الناس هو إنها معاناة جماعية، في أزمنة سودة على الكل، فيعني في وسط ده كله، لو في إيدينا حاجة، فهو إنه كل واحد يخلي باله من نفسه ومن اللي حواليه على قد ما يقدر، وشوية رأفة ببعض، وتفهم على قدر الإمكان".

وقال سي سلامة عبد الحميد: "غالبيتنا وصل مرة أو مرات، للحالة اللي فيها وائل غنيم حاليا، غضب ويأس، وإحساس بظلم فادح مع عدم القدرة على تغيير الواقع السيء. مش إحنا بس كمصريين. الوضع دا عايشه غالبية شباب العرب، وشباب كتير حول العالم مطحونين بلا حقوق ولا مستقبل في عالم يتحكم فيه فاسدين وأغبياء".

وقالت يمنا فواز: "أفضل نشر هذه الصورة لا صورته الحالية وأتذكر #وائل_غنيم الشاب المفعم بالثورة (سواء أعجبنا به حينها أو لا) لا لأجله بل لأجلنا، كي لا نواجه الحقيقة المرعبة، ولا يسقط كل حلم بالتغيير،كي لا يحبط من لديه أمل بأن نحترم في بلادنا! مخيفة بلادنا العربية (أكتب وأتذكر كل من حلمنا بالتغيير)".

وكتبت ليليان داوود: "وائل غنيم ابننا وحتة من القلب وائل اللي أتكلم يوم ما الدنيا كانت ساكتة، اليوم يمر بمرحلة صعبة عليه وعلينا جميعا... اللي محتاجه وائل طبطبة ع القلب مش قسية وادانة وتجريح.. ارحموا بعض لان مافيش حد هيرحمنا لو وقعنا".

وقال عبدالله الشامي: " ناس كتير بداخلهم جبال من الأسى والحزن وبينهم وبين الانهيار قشة، الفرق ان #وائل_غنيم طلع واتكلم. الناس في مصر قنابل موقوتة من الألم و الغضب".