الصحف المصريّة وتحولها نحو الرقمنة: الشكل على حساب الفحوى؟

الصحف المصريّة وتحولها نحو الرقمنة: الشكل على حساب الفحوى؟
(أ ب)

تعاني الصحف المصريّة، خصوصًا القوميّة (أي المملوكة للدولّة)، من ديون عميقة تهدّد استمرارها وبقاءها، ويكثر الحديث عن حلول للخروج من هذه الأزمة، وأحد هذه الحلول هو التحوّل إلى الصحافة الرقميّة، على غرار عشرات الصحف الدوليّة.

ويُنذر هذا التحوّل بتسريح آلاف العمال في مجال الصحافة، لوقف نزيفها الماديّ، الذي يُقدّر بنحو 19 مليار جنيه (1.2 مليار دولار)، وفقا للهيئة الوطنية للصحافة.

وادّعى الناشر والخبير الإعلامي المصري، هشام قاسم، أن بلاده "لديها مقومات نجاح التجربة" إلا أنه انتقد القائمين عليها وعدم خبرتهم، كما اشترط وجود محتوى قوي غاب خلال الفترة الماضية جراء قيود.

وتقدّر إحصائيات غير رسميّة عدد العاملين في الصحف القومية الثمانيّة، بنحو 30 ألفًا ما بين صحفيين وإداريين.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية، 142 صحيفة العام 2010، بمعدل توزيع 917.9 مليون نسخة على مدار العام، انخفض بنسبة 58.2% عام 2016 بمعدل توزيع 534.6 مليون نسخة، تصدر عن 76 مؤسسة صحفية.

لكنّ مسؤولون في نقابة الصحفيين المصرية يقرّون بأن "كل المطبوع المصري لا يوزع حاليًا أكثر من 300 ألف نسخة يوميًا".

ولأكثر من مرة، رفعت إدارات المؤسسات الصحفية أسعار الصحف والمجلات المطبوعة، بنسب تصل إلى 40 بالمئة، بغرض مواجهة ارتفاع مستلزمات الطباعة.

وقال قاسم إن القائمين على المنظومة الإدارية بالعمل الصحافي "غير جديرين بهذا التحول"، وهو اتهام لم يتسن الحصول على تعقيب بفوري بشأنه من الجهات الرسمية.

وأوضح، في حديث للأناضول، أن الرقمنة تعني التحول إلى كل ما هو إلكتروني مع الاحتفاظ بالطبعة الورقية (مع تقليل نسب الطبع)، حتى لا تخسر الجريدة آخر عملائها الذين لا زالوا يفضلون قراءة الصحف.

وأضاف أن النموذج الاقتصادي والجدوى التجارية للجريدة ستكون قائمة على تداول المحتوى الرقمي كما هو الحال في "نيويورك تايمز" التي لا تزال تحتفظ بنسختها الورقية بالتوازي مع الوسائط الرقمية.

وأوضح أن إيرادات "نيويورك تايمز" تعتمد على اشتراكات الإنترنت وحال توقفت عن طباعة النسخة الورقية تخسر شريحة في السوق لا تعتمد على صحافة الموبايل أو المواقع الإلكترونية.

وأشار إلى أن الصحيفة توقعت أن تكون إيراداتها في عام 2020 نحو 800 مليون دولار، إلا أنها تجاوزت المليار حاليًا، وهو نموذج وتطور يجعل الصحف تعتمد على القارئ وليس المعلن.

المحتوى سر نجاح الرقمنة

ولفت حازم إلى نقطة مهمّة هي المحتوى، واعتبر أن الطبعة الورقية على مدار السنوات هزيلة حتى في أوجها انتعاشها قبل ثورة 2011 عندما وزعت مليون، هو رقم ضعيف مقارنة بالتعداد السكاني.

وأشار إلى أنه "خلال السنوات الماضية أرقام النشر أصبحت صادمة جراء ما آلت إليه أوضاع الصحافة بسبب التدمير الذي طال المهنة".

وتتحدث تقارير حقوقية دولية ومحلية عن تضييقات وتوقيفات وملاحقة لصحافيين بمصر وقيود على المحتوى، غير أن القاهرة تنفي عادة ذلك وتزعم وجود حريات كبيرة بالبلاد.

ولفت إلى أن "حال الصحافة حاليا والقائمين عليها لا يدفع لنجاح الفكرة، لابد من تقديم محتوى قوي ورفع السقف"، واعتبر أن ما يحدث حاليا هو "تطور نحو بقاء الصناعة".

التسريح وارد

وأشار إلى أن تسريح الصحافيين بالمؤسسات القومية وارد، خاصّة أنها تضخمت بشكل يصعب معه الحلول الاقتصادية، وأضاف "عليهم أن يستعدوا لذلك إما بتطوير الصحافي نفسه للعمل في مكان أفضل أو البحث عن وظيفة أخرى".

وقال إن الحكومة تدعم الصحف القومية برواتب، وبدأت، مؤخرًا، مراجعة الدعم المقدم عبر المواد الغذائية، وبالتالي ستراجع دعمها للصحافة خاصة وهي باتت غير قادرة على مواجهات مؤسسات إعلامية معارضة بالخارج.

ليست مفاجئة

في حين قال عضو مجلس نقابة الصحافيين، جمال عبد الرحيم، إن التصريحات الحكومية الأخيرة بشأن دمج بعض المؤسسات الصحافية القومية وإلغاء بعض الإصدارات ليست جديدة أو غريبة.

وأضاف، في تدوينة على صفحته بموقع "فيسبوك" مارس/آذار الماضي: "رغم علمي التام بالخسائر التي تتكبدها المؤسسات القومية سنويا إلا أنني ضد الإلغاء والدمج ومع فكرة التطوير، وأكد أنه "مع فكرة الحفاظ على الصحافة الورقية التي تمر بمأزق خطير في الآونة الأخيرة".

وأعطى قانون تنظيم الهيئة الوطنية للصحافة لسنة 2018، الحق للهيئة في دمج المؤسسات أو دمج وإلغاء الإصدارات داخل المؤسسات، وهذا لأول مرة في تاريخ الصحافة في مصر.

دراسة آثاره قبل تطبيقه

أما عضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب المصري، يوسف القعيد، فقال إن مشروع الهيئة الوطنية للصحافة بتحويل المؤسسات الصحافية القومية إلى الصحافة الرقمية أمر يحتاج إلى التفكير فيه بشكل كبير قبل تنفيذه.

وأضاف القعيد، في تصريحات صحافية، أنه يجب النظر إلى عدد الأرقام العاملة في مجالات في الطباعة والصحافة والإعلام والنشر وعدد العاملين في الإعلانات وأسرهم والصحفيين.

وفي نهاية كانون أول/ ديسمبر 2018، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر التي تضم نحو 100 مليون مواطن، 37.9 مليون مستخدم، مقارنة بـ33.7 مليون مستخدم في نهاية كانون أوّل 2017.