حجب مواقع إلكترونية بالجملة والحكومة الفلسطينية تطلب مراجعة القرار

حجب مواقع إلكترونية بالجملة والحكومة الفلسطينية تطلب مراجعة القرار

طلبت الحكومة الفلسطينية في رام الله من الجهات ذات الاختصاص العمل على مراجعة قرار محكمة الصلح في المدينة، والذي نص على حجب مواقع إلكترونية بالجملة.

وقال بيان صادر عن المتحدث الرسمي باسم الحكومة، مساء اليوم الإثنين، إنها تابعت القرار الذي صدر عن محكمة صلح رام الله اليوم، والقاضي بحجب عدد من المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي.

وأكدت الحكومة في البيان احترامها للاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية الحريات وصونها، وكذلك واحترامها الشديد لاستقلال القضاء وعدم تدخلها في شؤونه.

وأضاف البيان أنه "عطفا على قرار محكمة الصلح الفلسطينية بحجب تلك المواقع، فإن الحكومة  تطالب جهات الاختصاص بالعمل على مراجعة القرار حسب الإجراءات القانونية واجبة الاتباع والتسلسل.

وفي الوقت نفسه، طالبت الحكومة القائمين على كل المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي بتوخي المعايير المهنية والأخلاقية فيما ينشر من أخبار ومواد إعلامية، مع تأكيد الحكومة على صونها لحرية الرأي والتعبير التي تكفلها الأنظمة والقوانين الفلسطينية والدولية في آن.

وكانت قد قررت محكمة الصلح في مدينة رام الله، مؤخرا، الاستجابة لطلب النائب العام حجب 59 موقعا إلكترونيا وصفحة فيسبوكية، بينها موقع عرب 48، بادعاء أنها تضمنت مواد وصورا من شأنها "تهديد الأمن القومي والسلم الأهلي، والإخلال بالنظام العام والآداب العامة، وإثارة الرأي العام الفلسطيني".

وعلِم موقع عرب 48، أن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، ستُقدّم اعتراضًا رسميا ضد قرار حجب المواقع، غدا الثلاثاء.

وفي أعقاب النشر، اعتبرت نقابة الصحافيين الفلسطينيين القرار بمثابة مجزرة بحق حرية الرأي والتعبير ووسائل الإعلام الفلسطينية، ورأت أن هذا يوم أسود في تاريخ الصحافة الفلسطينية.

ومن جهتها أبرقت منظمة "سكاي لاين" الدولية إلى المقرر الأممي لحرية التعبير والرأي مطالبة إياه بالتدخل لحماية حرية التعبير عن الرأي.

وجاء في قرار المحكمة، برئاسة القاضي محمد حسين، والذي صدر بتاريخ 17/10/ 2019، أنه "بالتدقيق في هذا الطلب تجد المحكمة أن النيابة العامة قد أسست هذا الطلب سندا لنص المادة 2/39 من القرار بقانون بشان الجرائم الإلكترونية رقم "10" لسنة 2018، على سند من القول بأن الجهة المستدعى ضدهم، قد أقدمت على نشر ووضع عبارات وصور ومقالات عبر الشبكة العنكبوتية من شأنها تهديد الأمن القومي والسلم الأهلي والإخلال بالنظام العام والآداب العامة وإثارة الرأي العام الفلسطيني، طالبة بالنتيجة حجب هذا الموقع ومن حيث الموضوع ظاهر الأدلة المقدمة في هذا الطلب فإننا نجد أن نص المادة 2/39 من القرار بقانون رقم (010) لسنة 2018 بشان الجرائم الإلكترونية، قد أجازت حجب عن المواقع الإلكترونية، ولذلك وسندا لما تقدم فإن المحكمة تقرر إجابة طلب النائب العام وحجب المواقع الإلكترونية المذكورة أعلاه، قرار صد تدقيقا باسم الشعب العربي الفلسطيني بتاريخ 17/10/2019". (نص القرار كما ورد)

أسماء المواقع والصفحات التي شملها القرار كما وردت

من جهتها ادعت النيابة أن "أسباب الحجب تعود إلى أن المواقع الإلكترونية تقوم بالتهجم والإساءة إلى رموز في السلطة الوطنية، وتقوم بنشر ووضع عبارات وصور ومقالات عبر الشبكة العنكبوتية، من شأنها تهديد الأمن القومي والسلم الأهلي، والإخلال بالنظام العام، والآداب العامة، وإثارة الرأي العام الفلسطيني".

كما ادعت النيابة أن "استمرار بث هذه المواقع عبر الشبكة العنكبوتية من شأنه الإخلال بالأمن والنظام العام والإضرار بالأمن القومي الفلسطيني، وتهديد السلم الأهلي الفلسطيني".

أسماء المواقع والصفحات التي شملها القرار كما وردت

إلى ذلك، أكدت إدارة موقع "عرب 48"، الذي ورد ضمن قائمة المواقع التي تم حجبها، أن هذا القرار يثير جملة من التساؤلات المشروعة، خاصة وأن الإدارة لم تتلق أي بلاغ بهذا الصدد.

أسماء المواقع والصفحات التي شملها القرار كما وردت

كما تجدر الإشارة إلى أن مثل هذا القرار يبقى محدودا من حيث الفاعلية الإعلامية، خاصة في عصر مواقع التواصل الاجتماعي وتطور محركات البحث وأجهزة الاتصال الخليوية الذكية، كما يبقى محدودا من الناحية الجغرافية باعتبار أنه غير نافذ في قطاع غزة ومنطقة القدس المحتلة.

يوم أسود في تاريخ الصحافة الفلسطينية

اعتبرت نقابة الصحفيين الفلسطينيين قرار محكمة صلح رام الله، الذي تم تسريبه اليوم إلى بعض وسائل الإعلام، بمثابة مجزرة بحق حرية الرأي والتعبير ووسائل الإعلام الفلسطينية، ورأت ان هذا يوم أسود في تاريخ الصحافة الفلسطينية.

وأكدت النقابة أن هذا القرار القضائي المستند إلى القرار بقانون رقم رقم 10 لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية يؤكد على التخوفات التي طالما عبرت عنها النقابة باعتبار هذا القانون سيفا مسلطا على رقاب الصحفيين، وأن قرار المحكمة قد يعد استخداما فظا لهذا السيف، ويشكل استهتارا بنقابة الصحفيين والجسم الصحفي عموما، إضافة إلى أنه يناقض تعهدات رئيس الحكومة د. محمد اشتيه بصون الحريات الإعلامية.

وأشارت النقابة إلى أن قيام النيابة العامة بطلب حجب هذه المواقع يناقض كل التعهدات والتفاهمات السابقة مع النقابة، ويحلل النقابة من أية التزامات بهذا الشأن.

وطالبت النقابة مجلس القضاء الأعلى باتخاذ ما يلزم من إجراءات لنقض هذا القرار، وإعدام أثره وبمراجعة الآلية التي اتخذ بها، وأكدت أنها ستتخذ كل الإجراءات القانونية، وبأقصى سرعة، لاستئناف هذا القرار والطعن به وبمشروعيته.

وأشارت النقابة إلى أنها تدرس كيفية الرد والخطوات الميدانية التي ستنفذها والتي سيعلن عنها لاحقا، داعية الجسم الصحفي إلى الالتفاف حول النقابة وإسناد خطواتها وقراراتها.

سكاي لاين الدولية تبرق للمقرر الأممي لحرية الرأي والتعبير

وجهت منظمة "سكاي لاين" الدولية برقية عاجلة للمقرر الخاص لحرية الرأي والتعبير في الأمم المتحدة، ديفيد كاي، بعد قيام السلطة الفلسطينية بحجب عشرات المواقع الإلكترونية دون أي سند أو مسبب قانوني.

وأرسلت المنظمة الدولية نسخة عن قرار المحكمة الفلسطينية التي تحتوي على القرار مطالبة إياه بالتدخل لوقف الاعتداء على حرية الرأي والتعبير في الأراضي الفلسطينية.

وطالبت منظمة سكاي لاين الدولية، السلطة الفلسطينية بالوقف الفوري لقرار حجب عشرات المواقع الإلكترونية بذريعة "تهديد الأمن القومي والإخلال بالآداب والنظام العام".

وأضافت أنه فيما يبدو أن المادة  39 من قانون الجرائم الإلكترونية جاءت فضفاضة، ووضعت السلطة الكاملة في يد السلطة التنفيذية والقضاء، لتقرير إذا ما كانت المواقع تنتهك الأمن والسلم والآداب والنظام، ما يُشكك في مصداقية بلاغ النائب العام الفلسطيني حول ذلك.

وشدّدت سكاي لاين الدولية على ضرورة احترام حقوق الإنسان وحمايتها عبر مواقع الإنترنت، لا سيما حق التعبير عن الرأي المكفول في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003.

وأشارت المنظمة أيضا إلى أنّ مجلس حقوق الإنسان أكد على حق التعبير عن الرأي في قراره حول "تعزيز وحماية حقوق الإنسان على شبكة الإنترنت"، الصادر في حزيران/ يونيو 2016، والذي يعتبر الاتصال بالإنترنت حقا من حقوق الإنسان، ويضمن منع الدول والهيئات الأخرى من التشويش والإغلاق المتعمد لخدمات الإنترنت، كما ويدين القرار بشكل قاطع التدابير المتخذة بقصد منع أو تعطيل الوصول إلى المعلومات أو نشرها على الإنترنت، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويدعو الدول إلى الامتناع عن هذه التدابير ووقفها.

وإلى جانب انتهاك أحكام القانون الأساسي، فإن هذا القرار ينتهك قانون المطبوعات والنشر لعام 1995 و قرار قانون الهيئة الفلسطينية لتنظيم قطاع الاتصالات لعام 2009.

ولفتت إلى أن المادة 27 من القانون الأساسي الفلسطيني تنص على حظر الرقابة على وسائل الإعلام، وعدم جواز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغائها أو فرض قيود عليها إلا ّوفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي، كما تنص المادة 19 على كفالة حرية الرأي والتعبير بمختلف أشكالها وصورها.

وبيّنت المنظمة الحقوقية أن إجراءات المحكمة الفلسطينية يشوبها الغموض، حيث أن النائب العام الفلسطيني لم يُقدم الأدلة الكافية للجمهور الفلسطيني حول مدى إخلال المواقع والصفحات المذكورة بالأمن والآداب العامة، ويُمكن أن يستند القرار إلى مجرد انتقاداتٍ ذات خلفية سياسية.

وشددت المنظمة الدولية على أن عمليات الحظر الجديدة تعيد التأكيد على ضرورة إلغاء أحكام قانون الجرائم الإلكتروني المثير للجدل، والذي أقره رئيس السلطة، محمود عباس، دون إقراره بالمجلس التشريعي المعطل أو الأخذ برأي منظمات حقوق الإنسان التي انتقدته بشدة.

ودعت "سكاي لاين" الدولية السلطة الفلسطينية إلى التراجع عن حجب المواقع الإلكترونية، واحترام التزامات فلسطين بموجب الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والالتزام بالحريات التي نص عليها القانون المحلي الفلسطيني.

حجب المواقع الإلكترونيّة كم للأفواه 

بدورها، أصدرت "رابطة الصحافيين"، داخل الخط الأخضر، بيانا أوضحت فيه أنها ترى بالحجب "اعتداءً على حرية العمل الصحافي، حرية التعبير، واعتداءً على حق جمهور الفلسطينيّ بالمعرفة وتلقي المعلومات". 

وطالبت الرابطة، المحكمة؛ "بالعدول عن القرار، كما والعمل على تعديل البند رقم 10 من قانون الجرائم الإلكترونية الصادر عام 2018، فرغبتنا هي رؤية مجتمع فلسطيني يحترم الصحافة، والتعددية الفكرية ويصون الحريات الإعلاميّة". 

وقالت الرابطة: "نؤمن أنّ الصحافة الحرة والموضوعيّة هي التي تعكس كافة المواقف وتعبر عن كافة التطلعات والآمال وأي قرار يمنع هذا التنوع يعد سياسة لكم الأفواه. نؤمن أنّ مشروعنا الوطني الفلسطيني يتحقق بالتحرر من نير الاحتلال، إلا أنّ تحقيق هذا التحرر مشروط بإنشاء مجتمع حر، رافض للقمع والسياسات القمعيّة".

وأضافت: "نعي أنّ الصحافة من شأنها أن تخلق واقعًا، أن ترسم صورة للمجتمع، وما يميّز صحافتنا الفلسطينية اليوم أنها رسمت كل الحدود، وتنوعت بالآراء والمواقف، تجندت لصالح شعبها وثوابته الوطنية والتزمت بها، واختلفت في كيفية الحفاظ على الثوابت الوطنيّة، الموضوع الذي برأينا صحيّ وضروري لكل مجتمع يسعى إلى تأسيس ذاته وخلق فرص لأفراده في رسم واقع أفضل"، مشيرةً إلى أنها تنظر إلى القرار "بخطورة كبيرة، لا سيما أنه يعزز الرقابة الذاتيّة لدى الصحافيين، يبعدهم عن المهنية ويضعهم في خانة صحافة البلاط".