أهلا بنقد الإعلام... لو كان كذلك!

أهلا بنقد الإعلام... لو كان كذلك!

"عنّا صحافة محليّة، نشأت في ظروف وبيئة صعبة بدون ميزانيّات... بدون صحافيّين. من قلب الشّارع كل السّنة، صحافة مستقلّة، شغّالة فينّا وعلينا وعشانّا. دعايات ودعايات، حوادث طرق وحوادث طرق، افتتاح محلّات ومحلّات عم تُفتح وتعازي وتهاني... وكل إشي عدا الصحّافة". بهذا النصّ بدأ برنامجُ "البلد بخير" ("مكان") حلقته الثانيّة، أمس، الجمعة.

والنصّ، هذا، ينقلب في الاستنتاج أيّما انقلاب بين جملته الأولى وجملته الأخيرة على قصره. فبينما يقرّ بنشوء صحافة محليّة بظروف صعبة، يعود ليستدرك أنها "بلا صحافيين.. كل شيء باستثناء الصحافة". لكن لا بأس في أن نخوض غمار الحلقة لنستكشف ما الذي ترمي إليه المقدّمة المتضاربة.

تنتقد الحلقة، وبحقّ، أخبارًا من مواقع عربيّة حول حفلات التخرّج وأزرار البندورة المحفور عليها اسم الله والصور الكثيرة لحوادث الطرق، وما إلى ذلك من الأخبار المكرّرة، بدأتها من استعراض خبر في موقع "العرب" عن انقلاب شاحنة عليها تسعون بقرة، فات البرنامج أن ينتقد أن من أصدر الخبر هو طواقم الإطفاء والإنقاذ، فالمنتقد هنا يجب أن يكون السلطة ذاتها، التي تتجاهل عشرات الأحداث في النقب والبلاد، وتركّز على خبر من هذا النّوع.

تنتقل الحلقة لاحقًا إلى موضوع غاية في الأهميّة، هو "حب الظهور لدى الإعلاميين دون الاهتمام بالمضامين"، وتغرق في استعراض جوانب هذا الموضوع، دون أي تقدّم أيّ مثالٍ على صحافي من هذا النوع، رغم انتقادها، قبل ذلك بدقائق، "الصحافة التي تساير الأعور"! وفي غياب الأمثلة وإطلاق يد التعميمات، يتحوّل الموضوع من نقد لاذع للواقع إلى التستّر عليه، خصوصًا ما ورد لاحقًا أن وظيفة الصحافة البحث عن الحقيقة وكشف المستور، لا التعمية عليه بتعميمه.

لكن هل هذا حقًا واقع الإعلام العربي في الداخل؟ وهل حقًا هناك صحافة بدون صحافيين؟ لماذا امتنع البرنامج عن التطرّق لموقع "عرب 48"، بالنقد طبعًا، وليس مطلوبًا غير النقد. ولماذا نسي البرنامج البرامجَ التي تعرضها "إحنا تي في" أو "مساواة"؟ وإذاعتي "الناس" و"الشمس"؟ أليست صحافة مع صحافيين؟

النقد، خصوصًا إن كان في سياق ساخر، يحتاج ذكاءً وحنكة وقدرة على الفصل بين الجيّد والسيّئ، ويقتضي هذا، في العمل التلفزيوني، أن يكون مليئًا بالأمثلة وهي متوفّرة بطبيعة الحال، لا أن يكتفي بعرض مثال يتيم واحد، وأن يطلق، لاحقًا، يد التعميمات.

ليس حال الصحافة في بلادنا جيّدًا، للأسباب التي بيّنتها مقدّمة الحلقة، إلا أن المدخل إلى تحسين ذلك هو النقد، النقد اللاذع (حتى لا نقول جديًا في سياق برنامج ساخر)، وأن نبدأ من المواقع الإخبارية الجيّدة، هكذا يفعل يوسف حسين في "جو شو"، وفعل باسم يوسف في "البرنامج"، وتدأب عليه كبريات البرامج الكوميديّة الدولية.

إن التعميمات التي أطلقها البرنامج، بالصورة التي وردت، تترك انطباعًا أنها لا تعكس، أبدًا، اهتمامًا بالنقد أو بتطوير الإعلام ولا تضع إصبعها على الأزمة. على العكس تمامًا، فالتعميمات ظالمة، لا شيء فيها غير تبرّئة المذنب (فالكل يرتكب هذه الذنوب) وظلم البريء (طالما أنها تتعامل معه وكأنه غير مرئي).

فعندها، وعندها فقط، أهلا بنقد الإعلام. أمّا ما رأيناه في الحلقة، فلم يكن كذلك، بل محاولة تقليد، غير موفقّة حتى الآن، لبرامج إسرائيليّة مماثلة.