بشارة: الإمارات تبحث عن حليف إقليمي قوي.. بتهميش القضية الفلسطينية

 بشارة: الإمارات تبحث عن حليف إقليمي قوي.. بتهميش القضية الفلسطينية
د. عزمي بشارة

أجرى "التلفزيون العربي"، مساء الأربعاء، لقاءً خاصًا مع مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، للبحث في أبعاد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التوصل إلى "اتفاق تاريخي" لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، والذي قال بشارة إنه يعكس قناعات سياسية وشخصية لدى حكام أبو ظبي، كما وصفه بأنه أكثر من تطبيع دون أن يقلل في الوقت نفسه من "أهمية" توقيت إخراج العلاقات القديمة بين الطرفين إلى العلن، مؤكدا أن تشويه الفلسطينيين والتشكيك بعدالة قضيتهم وتصويرها كعبء واستحضار ادعاءات بيع الفلسطينيين لأراضيهم وغيرها، كان أمرًا ضروريًا لتبرير التحالف مع إسرائيل.

وأوضح أنه إذا كان هدف التحالف هو إيران، فإن في أي حرب مع إيران ستكون إمارات هي الضحية وإسرائيل لن تحارب عنها، وستكون الإمارات أو أي دولة أخرى هي الخاسرة حتى لو حصلت على طائرات "إف 35"، وأنه يجب الحوار مع إيران كجار وجزء من المنطقة، حتى لو وجدت خلافات مع إيران في دول مثل سورية والعراق.

وأوضح بشارة أن بالنسبة لإسرائيل التحول الديمقراطي في الدول العربية هو أسوأ شيء يمكن أن يحصل، وأن العام 2011 كان أسوأ عام لها بسبب الثورات العربية لأنها كانت في حالة من عدم اليقين بالنسبة لها، وأنها تفضل دولا ديكتاتورية تقيم معها صفقات على الأقل، وذلك أفضل بالنسبة لها من أن تكون "رهينة"، حسب رؤيتها، للرأي العام في الدول العربية، وكذلك رأت دول عربية أن الديمقراطية تهددها والإمارات ذهبت في هذا الاتجاه. وقال إن رؤية مشتركة تجمع إسرائيل والإمارات، وهي العداء للتحول الديمقراطي ورفض التغييرات في المنطقة العربية، بالإضافة للعداء لإيران واعتبارها العدو الرئيسي وليس إسرائيل، والعداء لتركيا والعداء للحركات الإسلامية.

وقال إن الإمارات بعد احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، وقبلها سقوط نظام شاه إيران، ترى بأنها هي المرشحة لحماية بحر العرب بعد الفراغ الأمني في منطقة الخليج حسب رؤيتهم، وبدأت بالتسلح والعسكرة. وقال إن الرغبة الإماراتية بالسيطرة على البحر الأحمر لا يمكن أن تجري دون التعاون مع إسرائيل، لأن الإمارات تحتاج لقوة إقليمية لتطبيق ذلك.

وشدد بشارة خلال الحوار على "إننا في الحالة الإماراتية، نتحدث عن رؤية سياسية إستراتيجية مشتركة بين إسرائيل والإمارات للمنطقة، تشمل من ضمن ما تشمله، رفض التغيير الديمقراطي والعداء للإسلام السياسي ولإيران ولتركيا"، لافتا إلى أنه لا يصح اختزال الاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي بمجرد تطبيع للعلاقات، لأن الحديث لا يدور عن حالة حرب تلتها مصالحة وتطبيع مثلما كان الحال مع الأردن ومصر.

وفي ما يخصّ إخراج العلاقة القديمة والمتطورة بين إسرائيل والإمارات إلى العلن، ذكر بشارة أن هذا يهمّ إسرائيل إلى حدّ كبير وهو نيل الشرعية بالمنطقة العربية على أنها دولة طبيعية وتقيم علاقات سياسية ودبلوماسية، موضحا أن "هذا هو ثمن الخدمات التي قُدمت للإمارات"، كما رأى أن توقيت إشهار العلاقات، مرتبط بالداخل الإسرائيلي والأميركي، موضحا أن الاتفاق صدر في عهد حكم اليمين في إسرائيل وفي ظل توسيع الاستيطان وتبنٍّ أميركي كامل لحزب الليكود برئاسة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وهو يرسخ مقولة اليمين بأن "السلام مقابل السلام" هو الصيغة الأصح للتعامل مع العرب، لأنها تعبير سياسات قوة، "بأنكم تهددوننا ونحن نهددكم"، وهو إنجاز لليمين الإسرائيلي تحديدًا.

وأوضح بشارة أن إطلاق حملات إماراتية لتشويه الفلسطينيين والتشكيك بعدالة قضيتهم وتصويرها كعبء واستحضار ادعاءات بيع الفلسطينيين لأراضيهم وغيرها، كان أمرا ضروريا لأنه ناتج عن "تنافر معرفي" لدى قيادة دولة الإمارات، أي أن الهدف منه مهاجمة الفلسطينيين لإيجاد مبرر ذاتي للتحالف مع إسرائيل، مضيفا أن القيادة الإماراتية مقتنعة بأن إسرائيل حليف فعلا وأن أدوار الإمارات في المنطقة تلزمها بإيجاد حليف إقليمي قوي، وأن التحالف مع أميركا لا يكفي وحده، لأن السياسات الأميركية قد تختلف عن السياسات الأميركية، مثلما حصل بالتوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، أو التخلي عن حسني مبارك في منتصف الثورة المصرية.

وقال إن الاتفاق يقوي القيادة الإماراتية داخل الإدارة الأميركية، ولم يكن بالإمكان التخلص من رجل مثل (ولي العهد السعودي السابق) محمد بن نايف من دون حليف قوي داخل أروقة القرار" في واشنطن.

وأولى بشارة أهمية كبيرة للمشروع الإماراتي في السيطرة على كل مرافئ البحر الأحمر، حيث تعتقد القيادة الإماراتية "أنها وحدها قادرة على إمساك تلك المنطقة، حتى أنهم لا يثقون بالقدرة السعودية في هذا المجال، ولكي يتمكنوا من فعل ذلك، هم بحاجة إلى حليف قوي مثل إسرائيل". ولفت إلى أنه فضلا عن ذلك، "هناك إعجاب بإسرائيل لدى القيادة الإماراتية، وهم يعتبرون أن إسرائيل حليف مناسب لمواجهة تركيا"، وقال إن الإعجاب الإسرائيلي هدفه الظهور أمام الغرب بمظهر تنويري حداثي، لكن السؤال ما الإنجاز الحضاري الثقافي الفكري الذي بمقدورهم تقديمه للغرب سوى ثقافة الاستهلاك وترديد شعارات غربية.

وأوضح بشارة في معرض شرحه لسبب اعتباره أن الاتفاق معادٍ للشعوب العربية، أن إسرائيل والإمارات تشتركان بالكامل في اعتبار أي تغيير ديمقراطي بمثابة تهديد مباشر لهما. أما حول سبب رغبة إسرائيل بالتطبيع، فشدد على أن ذلك يعود أساسًا إلى سعي تل أبيب المزمن من أجل اكتساب شرعية سياسية قبل الاعتبارات الاقتصادية.

وعلى المستوى الفلسطيني، وصف بشارة الاتفاق بأنه خطير للغاية، "لأن اليمين الإسرائيلي يؤمن بالسلام مقابل السلام، أي بسياسة القوة وحدها، وهذا المبدأ تعزز ونجح من خلال الاتفاق مع الإمارات، على عكس ما حصل سابقا ولو نظريا أو إعلاميا في السلام المصري والسلام الأردني، عندما تم تصوير المعاهدات على أنها تحققت بعدما حصلت القاهرة وعمّان على مكاسب في تحرير أراضيهما"، معتبرا أن الاتفاق "ليس مجرد انتصار لإسرائيل، بل انتصار لليمين الإسرائيلي، لأنه يضعف احتمال أن تقدم إسرائيل مستقبلا أي تنازلات". وقال إن الاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي يكرس مقولة اليمين الإسرائيلي بشأن سياسة القوة و"السلام مقابل السلام"، أي عدم تقديم "تنازلات" للعرب بحسب التعبير الإسرائيلي.

وردًّا على سؤال حول الدول المحتمل أن تلحق بالإمارات في إشهار التطبيع مع إسرائيل، توقع بشارة أن تحذو البحرين حذو الإمارات، "وهو ما لا يمكن أن يحصل من دون موافقة سعودية" على حد تعبيره، مستبعدا أن يحصل ذلك في المدى المنظور مع دول خليجية أخرى مع أن الاتصالات الخليجية مع إسرائيل موجودة بالفعل.

وعن موقف السعودية، أعرب بشارة عن اعتقاده بأن السعودية والإمارات متفاهمتين على "اتفاق أبراهام". أما بخصوص احتمال تطبيع السودان مع إسرائيل، فوصف بشارة أحوال هذا البلد بأنها "معقدة جدًا"وفي الوقت نفسه الإمارات مثابرة لجر حلفائها إلى الاتفاق مع إسرائيل، ومن ضمنهم السودان، بابتزاز مفاده أن خروج السودان من لائحة الإرهاب يمر بتطبيع مع إسرائيل، فضلا عن اليمن وليبيا. وبحسب بشارة، "ليس صدفة كون الدولتين اللتين اتخذتا موقفا واضحا هما إيران وتركيا؛ هما دولتان حقيقيتان لا تخشيان التفريط بمصالح مع الإمارات ولا تخشيان ضغطا أميركيا". وختم بشارة الشق المخصص للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، باستبعاد قيام "جبهة عربية" ضد التطبيع على غرار الجبهة التي أقيمت بعد معاهدة كامب ديفيد، وشدد على أن "ما يجب أن يقوم اليوم هو جبهة فلسطينية محلية موحدة تفرض نفسها على العرب والعالم".

وتحدّث بشارة خلال الحوار عن لبنان، ولا سيّما عقِب انفجار مرفأ بيروت، معتبرا أن ما قاله الزعيم السوفييتي السابق، ميخائيل غورباتشوف بعد كارثة تشيرنوبيل، عن أن "النظام هو المسؤول عن الكارثة"، ينطبق على الحالة اللبنانية.

وشكّك بشارة في إمكان تغيير النظام الطائفي في لبنان بالقوة، بدليل الحرب الأهلية التي عززت هذا النظام بدل إضعافه.

وعن حركة الزيارات الأجنبية إلى لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، ذكّر بشارة أن لبنان لم يعد مركز اهتمام أساسي، "بل أصبح اليوم مهما بالنسبة لشخص مثل (الرئيس الفرنسي إيمانويل) ماكرون لسبب جديد هو الخلاف على شرقي المتوسط" مع تركيا.

وحول الحراك الشعبي الذي جدد انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر، التي يسميها بشارة "ثورة ثقافية" ضد الطائفية والمحاصصة، قال مدير المركز العربي إنه "بعد مئة عام من النظام الطائفي في لبنان، صار هناك جيل جديد لم يعد يقبل بهذه البنية الطائفية ويريد دولة مواطنة"، لكنه حذر من أن تكون الإجابة على الأزمة بأن "يعيد النظام الطائفي إنقاذ نفسه بحكومة وحدة وطنية" وهو ما توقع حصوله.