06/04/2024 - 20:24

عن استهداف موظفي منظمة "المطبخ المركزي العالمي"

لم يكن استهداف قافلة موظفي المطبخ ناجم عن سوء تقدير أو تدبير كما يتذرع ويتعذر الإسرائيليون البتة، بل مقصودا بحكم قرائن الحادثة والوقائع السابقة لها منذ بدء الحرب.

عن استهداف موظفي منظمة

متظاهرون ضد الحرب على غزة في تايمز سكوير في نيويورك (Getty Images)

أقرت إسرائيل بمسؤوليتها عن استهدافها، ليل الإثنين الماضي، لقافلة موظفي منظمة "المطبخ المركزي العالمي" في دير البلح، وذلك في ظل حرب الإبادة التي يشنها جيش الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وقد أسفر الاستهداف عن مقتل سبعة موظفين من بينهم متطوعين أجانب، من دول مثل بريطانيا وأستراليا وبولندا. ما كان للقادة الصهاينة الإقرار بمسؤوليتهم لولا الضجة الإعلامية التي أثارتها جريمة استهداف قافلة موظفي عمل إغاثي إنساني، والتنديد الدولي الذي استنكر مثل هذه الجريمة البشعة.

إن "المطبخ المركزي العالمي – ورلد سنترال كيتشن" هي منظمة غير حكومية حديثة النشأة، ومقرها الولايات المتحدة الأميركية. يعود تأسيسها إلى عام 2010 بمبادرة من الطاهي الشهير خوسيه أندريس – أميركي من أصل أسباني – ومعه زوجته باتريشا، في أعقاب الزلزال الكبير الذي ضرب هاييتي، بغرض تقديم مساعدات غذائية طارئة للناجين.

في تحقيق أجراه الإسرائيليون خلال الأيام الماضية عما جرى ليلتها، وكالعادة في فصل من فصول مهزلة أن يُترك التحقيق في الجريمة لفاعلها نفسه، وعدا عن أن جريمة استهداف موظفي منظمة المطبخ "المركزي العالمي" جرت في ظل جريمة كبرى مستمرة، يسكت عنها العالم منذ أشهر بحق قطاع غزة وأهله. فقد أقر الصهاينة بالـ"قتل الخطأ" بحجة سوء التشخيص لهوية من في القافلة، إذا ادعى الجيش الإسرائيلي اشتباهه بوجود مسلحٍ من عناصر حركة حماس تقله إحدى مركبات المنظمة أثناء توجهها من مستودعها إلى دير البلح، ما أسفر عن استهداف قافلة مركبات المنظمة الثلاث بسلاح الجو، وقتل وجرح كل من فيها.

لنفترض أن مسلحا أو أكثر من حركة حماس، قد تواجدوا فعلا ضمن إحدى مركبات قافلة منظمة المطبخ المركزي العالمي كما ادعى جيش الاحتلال، فلِمَ استهدف مركبات القافلة الثلاث؟ لا تُجيز قوانين الحرب – هذا إذا كانت تَعتبر تلك القوانين الجاري في غزة حربًا – استهداف مرافق مدنية، أو مقرات ووسائل نقل تابعة لأطراف محايدة منها منظمات العمل الإغاثي الإنساني حتى وإن لاذ بها مسلحون. غير أن الحقيقة هي في كذب إسرائيل الدائم منذ بداية الحرب حيث لم تتوانَ عن استهداف وتدمير كل ما يمت للحياة في غزة بصلة، المستشفيات والمدارس والمخابز ومكاتب الصحافة والإعلام، وقتل مئات الأطباء والممرضين والممرضات والصحافيين والصحافيات وموظفي ومتطوعي العمل الإغاثي. ما يثبت أنه بالنسبة لإسرائيل وجيشها، ليس هناك ما يدب على أرض غزة يمكن اعتباره محايدا أو إنسانيا يمكن تحييده عن فوهة النار.

كما أن لاستهداف مركبات موظفي المطبخ المركزي العالمي، سياق آخر خاص غير سياق حرب التدمير والإبادة التي يشنها الاحتلال؛ فاستهداف قافلة المطبخ الإغاثي ما بين مقر مستودعه ومواقع النازحين في القطاع يأتي في سياق سياسة التجويع التي يمارسها الصهاينة كأداة من أدوات الحرب، التجويع بغرض التركيع. خصوصًا في ظل شهر رمضان الثقيل على غزة وأهلها في ظل الحرب عليهم هذا العام، بالتالي لم يكن استهداف قافلة موظفي المطبخ ناجم عن سوء تقدير أو تدبير كما يتذرع ويتعذر الإسرائيليون البتة، بل مقصودا بحكم قرائن الحادثة والوقائع السابقة لها منذ بدء الحرب.

إن التفاعل العالمي مع ضحايا استهداف موظفي ومتطوعي منظمة المطبخ، الذي تمثل في التنديد الإعلامي والاستنكار الدولي، مهم لناحية تذكير العالم بما يجري في القطاع منذ أشهر، مع أن العالم لا يحتاج إلى من يذكّره أو يوقظه تجاه المذبحة إلا قتل إسرائيل لموظفين أو متطوعين أجانب وُجدوا في القطاع خلال الحرب. ليس لأنهم ضحايا فقط، فكل من في غزة ضحايا وحشية العدوان المستمر عليهم بأدوات مختلفة أبرزها الحصار منذ سنوات طويلة، إنما لأنهم ضحايا لا يشبهون باقي الضحايا بنظر قاتليهم.

يُعيب بعض الساسة والكتّاب الإسرائيليون على أنفسهم مقتل بعض الموظفين والمتطوعين الأجانب على أيدي جنود احتلالهم، فيما قتل غزة وكل ما عليها لا يعني لهم شيئًا بالتأكيد. غير أن بعض الصحف العبرية استكثر بعض كتّابها حالة الاستنكار والغضب التي شهدها إعلام بعض دول الضحايا مثل بولندا، حيث كان الرياضي البولندي والمتطوع داميان سوبول من بين ضحايا منظمة المطبخ المركزي العالمي السبعة، ليل الإثنين الماضي في غزة، وذلك إلى حد اعتبار الاستنكار مظهر من مظاهر "الشعبوية" المصحوبة بـ"كراهية اليهود"، في محاولة ما لم ينفك فيها الإعلام والإعلاميون الإسرائيليون عن اعتبار رفض سياسات الاحتلال وممارساته الوحشية في غزة وفلسطين عموما، أنه رفض مرده "كراهية اليهود ومعاداة السامية"، ذلك الادعاء الذي يداوم الصهاينة على إنتاجه، وتتبناه بعض حكومات الدول الأوربية في كل مرة يوجه فيها نقد لإسرائيل وممارساتها في فلسطين.

التعليقات