31/10/2010 - 11:02

المقاومة لا تفني الشعوب../ راسم عبيدات*

المقاومة لا تفني الشعوب../ راسم عبيدات*
... في استحضار لتاريخ وتجارب وثورات الشعوب قديماً وحديثاً، لم نسمع عن شعب أبيد بسبب المقاومة، أو عن احتلال قدم للمحتلين حريتهم طواعية وعلى طبق من فضة وبدون مقاومة، أو أن شعباً نال حريته من خلال المفاوضات غير المسنودة بالمقاومة.

فعلى سبيل المثال الفيتناميون كانوا يفاوضون الأمريكان في باريس، وكانت مقاومتهم المسلحة على الأرض مشتعلة وفي ذروتها، وهي التي فرضت شروطها على الأمريكان. وكذلك الشعب العربي الجزائري قدم على مذبح الحرية والاستقلال أكثر من مليون شهيد، ناهيك عن أن عدد المتعاونين الذين قتلوا على يد الثورة والمقاومة الجزائرية كبير جداً. والاتحاد السوفياتي في مواجهة النازية والفاشية دفع ملايين الشهداء، وكذلك الفيتناميون، وأيضا البريطانيون والفرنسيون أنفسهم، دفعوا عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من الأرواح في سبيل حريتهم والدفاع عن بلدانهم، وحتى أن بريطانيا تعرضت عاصمتها للهجوم الألماني، بسبب رفض بريطانيا تأييد الاحتلال النازي الألماني لبولندا، ولم نسمع لا من رئيس وزرائها ولا من أركان حكومتها، أن هذا القرار والموقف عرض حياة المدنيين البريطانيين للموت والفناء.

هذه تجارب الشعوب وهذا تاريخها، كتب وعمد بالدم والنضال والمقاومة، ولم نسمع أو نر أن المقاومة كانت يوماً رديفاً للفناء، أو العبثية إلا في الساحة الفلسطينية، وفي ذروة العدوان الهمجي والبربري والوحشي الإسرائيلي وما يرتكبه من جرائم حرب ومجازر بحق شعبنا الأعزل، وفي المقدمة منه الأطفال والنساء والشيوخ، هذه المجازر والمذابح، حركت مشاعر حقوقيين ومؤسسات حقوقية دولية في أكثر من بلد أوروبي، لإعداد ملف بهذه الجرائم لتقديم قادة إسرائيل للمحاكم الدولية كمجرمي حرب.

أما على الصعيد الفلسطيني حيث وجدنا أن البعض يتعاملون مع الأمور بمنطق الحسابات الثأرية والشخصية، جزء منهم يعسكر ويرابط في رفح المصرية، بانتظار أن ترفع المقاومة الراية البيضاء، ويدخلوا القطاع "فاتحين" وجزء آخر بدلاً من أن تكون هذه المجازر والحرب التي تشن على شعبنا دافعاً قوياً للوحدة وتجاوز الانقسام، والتأكيد على خيار المقاومة، وأن يكون ما جري فرصة مواتية لطرح إنهاء الاحتلال، وجدنا أنه يغمز على قناة المقاومة والمقاومين، فهو سابقاً وصف صواريخ ومقاومة شعبنا بالعبثية، واليوم يقول بأن مقاومة شعبنا إذا كانت رديفة للفناء، فنحن لسنا بحاجة لهذه المقاومة. بل وذهب إلى أبعد من ذلك وفي حماسه لقرار مجلس الأمن والمبادرة المصرية أكثر من أهلها، بالقول بأن إسرائيل إن لم توافق على قرار مجلس الأمن الدولي، تكون مسؤولة عن شلال الدم الفلسطيني، وسواء وافقت إسرائيل أو لم توافق، فهل هناك من هو مسؤول عن شلال الدم هذا والمجازر غيرها؟ فالعدوان على غزة كما هو العدوان على لبنان في تموز /2006، خطط له مسبقاً وباعتراف الإسرائيليين أنفسهم، حيث قالت الصحف العبرية وعلى لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي سياسي وعسكري، بأن هذا العدوان كان يعد له طوال فترة التهدئة، أما إذا كان البعض يريد أن يحمل المقاومة المسؤولية عن ما حصل، فهذا يعني أن وراء الأكمة ما وراءها؟!.

وفي نفس السياق وجدنا أن هناك مسؤولاً عربياً آخر، صرح وفي نفس الاتجاه، وكانت بلده واضحة في تحميل المقاومة مسؤولية ما حدث، وفي سياق رده على أحد قادة حماس، بضرورة فتح المعبر المصري لنقل السلاح إلى غزة لدعم صمود المقاومة، قال إنه لا يدعم تصعيد الحرب والقتل، بل يدعم صمود الشعب الفلسطيني بأن يعيش بعزة وكرامة، ونحن لا نعرف كيف سيدعم ذلك؟ وهو لا يفتح المعبر لنقل المساعدات الإنسانية والطبية، وكيف ستصمد المقاومة بدون دعم وإسناد عسكري وسياسي ومالي وغذائي وطبي ...الخ.

وفي الوقت الذي كنا نرى أن هذا العدوان الهمجي والبربري على شعبنا، وشلال الدم النازف والمتواصل يجب أن يوحدنا وينهي الانقسام بشقيه السياسي والجغرافي، وأن يشكل فرصة للتحلل والتخلص من نهج المفاوضات العبثية والعقيمة، والتي لم تثمر عن أي شيء منذ خمسة عشر عاماً لا فيما يخص القضايا الوطنية والسياسية والحقوق الفلسطينية ولا من زاوية القضايا الحياتية والمعيشية، وجدنا أن هناك من يصر على مواصلة السير فيها، وعلى قاعدة "عنزة ولو طارت" وأنها الخيار الوحيد الذي سيقود إلى "تحرير فلسطين"، رغم أن الواقع والوقائع تعاند وتكذب ذلك.

وفي الوقت الذي يجب أن يكون الشعار الذي يتسلح به الجميع الآن من قوانا وأحزابنا هو وقف العدوان ورفع الحصار وفتح المعابر وانسحاب إسرائيل من القطاع، نرى أن البعض وفي إطار وسياق رؤيته وحساباته الثأرية، يرى أن جوهر المشكلة هو في المقاومة وتهريب السلاح، وهو متحمس للمبادرة المصرية أكثر من المصريين أنفسهم، وإمعانا في التضليل والتعمية وقلب الحقائق، فهو يقول بأن القوات الدولية كانت دائماً مطلب الشعب الفلسطيني، والصحيح هو أن الشعب الفلسطيني طالب بقوات دولية تنتشر على أرض الضفة والقطاع بشكل مؤقت وبما يضمن للشعب الفلسطيني تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وليس قوات تشكل حماية للاحتلال وتمنع تسلح المقاومة، وبما يشرعن وجود الاحتلال، فمثل هذه الأفكار رفضت عندما أريد لها خصي المقاومة ولجمها في لبنان تموز/ 2006 ، واليوم يعاد طرحها من جديد ومن نفس دول المحور والحلف، والبعض الذي يجد حراجة في أن يقال عنه عاد إلى القطاع على ظهر الدبابة الإسرائيلية، يريد لهذه العودة أن تكون من خلال المبادرات وما يسمى بالقرارات الدولية.

ويبدو أن دعاة هذا النهج لم يغادروا أوهامهم رغم كل الذي حصل، فالذي يدمر غزة ويقتل أطفالها وشيوخها ونساءها، ويعاود احتلالها، لن يسلمها على طبق من فضة للآخرين، ووزيرة خارجية إسرائيل "ليفني" كانت واضحة في هذا الجانب، حينما قالت بأن غزة ستسلم بعد القضاء على سلطة حماس للذين يستحقونها، وبعبارة واضحة وصريحة لسلطة عميلة على غرار سلطة لحد في جنوب لبنان والتي قبرتها المقاومة لاحقاً.

الفرصة الآن مواتية جداً ليس للهجوم على المقاومة والمقاومين، بل من أجل رفع شعار إنهاء الاحتلال ونشر قوات دولية على أرض الضفة وقطاع غزة لحماية شعبنا وكمقدمة من أجل تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وإنهاء الاحتلال، والشعار الواجب رفعه هو وقف العدوان ورفع الحصار وفتح المعابر وانسحاب الاحتلال عن أرض غزة، وصمود شعبنا ومقاومته يجب أن يعول ويبنى عليه الكثير والذي سيشكل رافعة للمقاومة والممانعة ليس على الصعيد الفلسطيني، بل وعلى الصعيد العربي أيضاً.

التعليقات