الغنوشي: اتهامنا بالمسؤولية عن تنامي الإرهاب استثمار في المصائب الوطنية

الغنوشي: اتهامنا بالمسؤولية عن تنامي الإرهاب استثمار في المصائب الوطنية

  رفض رئيس حركة النهضة التونسية أي اتهامات لحركته بالمسؤولية المباشرة أو غير المباشرة عن حادث سوسة الإرهابي، واصفا الأمر بأنه يأتي في إطار التجاذبات السياسية ومحاولة التوظيف والاستثمار في المصائب الوطنية التي حلت بتونس.

وقال الغنوشي في حوار مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) من القاهرة: 'هناك عدو يقوم بعمليات تدميرية يستهدف بها الدولة والاقتصاد بل والثورة، وهذا العدو أعلن عن نفسه بوضوح وهو تنظيم داعش، فلماذا إذن محاولة القفز على النهضة كلما حدثت مصيبة'.

وأضاف: 'الإرهاب هو الذي أسقط حكومتي النهضة عبر عمليات الاغتيال لكل من محمد البراهمي وشكري بلعيد، والآن يحاكم المتهمون عن قتل الأخير، وعددهم 30 متهما، ولا يوجد بينهم نهضاوي واحد لا كمتهم ولا كشاهد'.

واتهم الغنوشي (74 عاما) الجبهة الشعبية بالوقوف وراء ترويج تلك الاتهامات ضد حركته للخصومة الأيدلوجية بينهما، موضحا أن 'الجبهة تحاول أن توظف المصائب الوطنية للنيل من خصمها السياسي بطرق غير شريفة'.

ودافع عن حركته في وجه ما يطرح بشأن مسؤوليتها عن تنامي الإرهاب بالمجتمع ولو بشكل غير مباشر عبر الإفراج عن عدد كبير من المتشددين عقب قيام الثورة فضلا عن سيطرة السلفيين على المساجد في عهدها.

وقال: 'أذكر الجميع بأن مرسوم العفو التشريعي أصدرته حكومة الباجي قايد السبسي قبل مجيء حكومة الترويكا، نحن لا نوجه التهم لتلك الحكومة: لقد كان الرأي العام بعد الثورة يطالب بالإفراج عن كافة السجناء، وكما هو معروف بعد كل ثورة تكون الدولة بعيدة، ولذا سيطر المتشددون على المساجد ولم تكن دعوتهم قد اتضحت بعد'.

وأضاف: 'لكن ما أن بدأوا يجمعون السلاح ويقومون بعمليات إرهابية صنفت حكومة الترويكا تنظيم أنصار الشريعة كجماعة إرهابية وشنت عليه الحرب'.

واستنكر الغنوشي ما يردد عن محاولة النهضة إفشال الرئيس السبسي عبر وضع العراقيل أمامه وذلك بعد أن أزيحت من سدة الرئاسة والحكومة في انتخابات العام الماضي، وقال مشددا 'النهضة لا تعمل لإفشال السبسي أو هدمه فنحن في شراكة معه، السبسي اليوم ليس رئيس حزب بل رئيس لدولتنا'.

ورفض الحديث عن تقييم حركته لفترة حكم السبسي، كما رفض الإفصاح عما إذا كانت لقاءاته مع السبسي ورئيس الحكومة الحبيب الصيد، مؤخرا قد تضمنت توجيه انتقادات أو ملاحظات من النهضة لمؤسستي الرئاسة والحكومة خاصة فيما يتعلق بالإجراءات التي اتخذت عقب الحادث الإرهابي'.

وقال: 'الجميع ينسى أننا لم نعد بالمعارضة، نحن جزء من الحكومة وندافع عن سياستها، ورغم مشاركتنا المحدودة بالحكومة إلا أننا أكثر المدافعين عنها، وعندما يكون لنا رؤي أو انتقادات أو نصائح للرئيس أو للحكومة سنقدمها لهما مباشرة لا عبر نقدهما أمام الرأي العام'.

وعبر رئيس حركة النهضة عن عدم اتفاقه مع مطالب البعض بإقالة حكومة الحبيب الصيد على خلفية الحادث، موضحا: 'لا نرى أن الحل اليوم بتونس هو تغيير الحكومة، لأن الحكومات السابقة عليها حدثت في عهدها أيضا عمليات إرهابية'.

وأضاف: 'العمليات الإرهابية تحدث بكل دولة العالم وفي نفس يوم جريمة سوسة النكراء حدثت عملية إرهابية مماثلة في كل من الكويت وفرنسا، وبالأمس قتل عدد من الجنود المصريين في سيناء، أي أن الإرهاب آفة ومرض عالمي لا تونسي'.

إلا أنه عاد وأكد اتفاقه مع ما عبر عنه السبسي بشأن ضرورة إجراء تحقيق حول موطن الخلل الأمني الذي أدى لوقوع الحادث للوقوف عليه ومعالجته، لافتا إلى أن النظر في مطالب البعض بإقالة وزير الداخلية ينبغي أن يتم 'بعد تكشف نتائج التحقيقات ومعرفة الحقيقة'.

وأقر الغنوشي بوجود استياء في قطاع من شباب حركته وشباب الإسلاميين بشكل عام من اتخاذ الحكومة قرارا بإغلاق عدد من المساجد والجمعيات الدينية في أعقاب الحادث، قائلا: 'إغلاق المساجد، وفي شهر رمضان، أحدث استياء في قطاع من المتعاطين معها، خاصة وأنهم شعروا أن التهم قد وجهت لهم ولتلك المساجد بالمسؤولية عن الإرهاب وهم منها براء'.

وأضاف: 'يوجد في تونس ما يقرب من ستة آلاف مسجد، ونرى أن إغلاق عدد محدود منهم لمعالجة بعض الأوضاع أو خلل ما هو أمر مؤقت'.

ويرى الغنوشي أن 90 % من عملية استقطاب الشباب للقيام بعمليات إرهابية يتم عبر مواقع الإنترنت لا عبر المساجد، مشيرا إلى أن المعالجة الأمنية لا تكفي وحدها لمعالجة ظاهرة الإرهاب بل لابد من وجود المعالجة الفكرية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية أيضا، خاصة وأن معظم التطرف يأتي من المناطق الداخلية التي لم تحصل بعد على قدر معقول من التنمية.

وأبدى تفهمه لوجود تخوفات لدى البعض من عودة الدولة البوليسية كما كان الحال في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وقال إن هذه الذريعة الضعيفة لن تتكرر لأنها الدولة البوليسية لم تنجح في الماضي في مقاومة الإرهاب بل إنه استطاع ضربها أكثر من مرة.

وأرجع الغنوشي زيادة عدد المتشددين، وهو الأمر الذي ينعكس على زيادة وتيرة سفر الشباب للجهاد في سورية، إلى ما وصفه 'بالدور التقويضي لدولة الاستقلال للبنية الدينية التقليدية عبر إغلاق جامع الزيتونة الذي يمثل المرجعية الدينية المعتدلة، ما ترك فراغا عوضه المتدينون باستيراد تدينهم من الفضائيات ومواقع الإنترنت فضلا عن إبعاد النهضة كحركة إسلامية معتدلة بطريقة إقصائية عنيفة ما ترك فراغا كبيرا استفاد منه السلفيون'.

وأكد أن دور حركته هو الأكبر الآن على الساحة لمحاربة الإرهاب خاصة 'وأنها الوحيدة القادرة على منازلة التكفيريين والمتشددين على أرضية الإسلام نفسها وإقناع الناس بأن هؤلاء ليسوا على شيء من الدين'.

وعلى الصعيد الخارجي، جدد الغنوشي دعوته للسلطة في مصر بالتصالح مع جماعة الإخوان المسلمين، وقال: 'لقد أصدرنا مؤخرا بيانا استنكرنا فيه تفجير موكب النائب العام المصري، ونرى أن التصعيد من هذا الطرف أو ذاك لن يؤدي إلا إلى خراب ودمار مصر وأن فكرة التصالح مبدأ لا غنى عنه ولا يمكن أن يرفضه حريص على مصر وسلامتها'.

وأضاف: 'الإخوان جزء أساسي من الشعب المصري والجيش مقوم أساسي من مقومات الوطنية المصرية وكذلك الأقباط والليبراليون وغيرهم، ولا سبيل أمامهم جميعا سوى التحاور والتصالح'.

وأوضح أنه طرح مبادرته الخاصة بالتصالح في وسائل الإعلام، لا عبر وساطة دولة إقليمية كما تردد، لافتا إلى أنه لا يزال ينتظر ردا إيجابيا عليها.

ورفض الغنوشي الخوض في شرح تفاصيل المبادرة، وقال: 'عندما يقبل الناس المبدأ ، ندخل للتفاصيل'.

وأضاف: 'الخطوة الأولى لابد أن تأتي من السلطة لأنها صاحبة السيادة، وعندما تقبل المبدأ يكون دور الحديث مع الإخوان لإقناعهم بالتصالح'.

وجدد الغنوشي إدانته أحكام الإعدام الصادرة بحق الرئيس المعزول محمد مرسي وغيره من قيادات الجماعة، واصفا إياها 'بالأحكام الظالمة التي لن تؤدي إلى حل المشكلات بل إلى تعقيدها'.

وأبدى اختلافه بدرجة كبيرة مع من يقيمون نتائج الانتخابات التركية بكونها الحلقة الأخيرة في مسلسل حكم تيارات الإسلام السياسي بالمنطقة، مشددا: 'هو انحسار محدود، فالعدالة والتنمية وإسلاميي تركيا لا يزالون في المقدمة عن غيرهم من الأحزاب وبفارق واضح، وتلك الأحزاب تعجز لليوم عن تشكيل الحكومة بمعزل عن العدالة والتنمية'.

وأضاف: 'الحياة السياسية بها مد وجزر، ولا يوجد حزب يصعد دائما ولكن يبقي التيار الإسلامي هو التيار الرئيسي بالمنطقة، ولا يمكن أن تقوم بها ديمقراطية بدونه، بل أن مقياس الديمقراطية في أي نظام يقاس بمدى قدرته على استيعاب الإسلاميين، وأي نظام لا يستوعبهم يعني كونه نظاما ديكتاتوريا'.

أما فيما يتعلق بالشأن الليبي وخاصة مع ازدياد الأعمال الإرهابية التي تشهدها تونس وتكون مرتبطة بالوضع هناك كخطف دبلوماسيين تونسيين والإفراج عنهم مقابل إطلاق مطلوبين ليبيين أو بتدريب العناصر الإرهابية هناك كما هو الحال في حادث سوسة، أوضح الغنوشى أن التقارب بين البلدين موجود ولا يمكن فصله نتيجة لعامل الجغرافيا والتداخل المجتمعي.

وشدد على أن الحل يكمن في 'تصالح الفرقاء الليبيين لأنه إذا لم يتصالحوا ستظل ليبيا مصدر قلق لجيرانها'، داعيا 'كافة الأطراف الليبية للتصالح والقبول بالمبادرة المطروحة من قبل المبعوث الدولي برناردينو ليون لمصلحة بلادهم'.

 

 

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"