6 سنوات في مسار الثورة التونسية: الأولويات والتحديات

6 سنوات في مسار الثورة التونسية: الأولويات والتحديات

شهدت العاصمة التونسية، ظهر أمس الجمعة، وبمناسبة الذكرى السادسة للثورة، انطلاق الندوة الفكرية التي ينظمها 'مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية' و'المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات' تحت عنوان '6 سنوات في مسار الثورة التونسية: الأولويات والتحديات'.

ويمشارك في الندوة مجموعة من القامات الفكرية والاقتصادية الرفيعة، وعدد من المسؤولين والخبراء، من بينهم زعيم حركة 'النهضة'، الشيخ راشد الغنوشي، ووزير الخارجية التونسية الأسبق، الدكتور رفيق عبدالسلام، والوزير الأسبق للمالية والخبير المعروف في المجال الاقتصادي، جلّول عيّاد، وأمين عام حركة 'النهضة' ووزير الصناعة والتجارة الحالي، زياد العذاري، والخبير الاقتصادي فيصل دربال، المستشار الاقتصادي لدى رئاسة الحكومة التونسية، ووزير الثقافة الأسبق ومدير فرع 'المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات' بتونس، الدكتور مهدي مبروك، والخبير الاقتصادي، الدكتور رضا الشكندالي.

وتستضيف الندوة من خارج تونس المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة.

وفي بداية مداخلته، عبّر الدكتور عزمي بشارة عن اعتزازه بوجوده في تونس في هذه الذكرى التي وصفها بـ'الهامة في زمن عربي قلّت فيه لحظات السعادة، خصوصا في المشرق العربي'.

'بشارة: 'الشعوب قامت بدورها وأطلقت الاحتجاجات وقدمت تضحياتها، والدور موكول بعد ذلك إلى النخب'

وعرّج بشارة على بعض العوامل التي شكّلت أسبابًا موضوعية لنجاح التجربة التونسية، من بينها 'رسوخ مؤسسات الدولة التونسية، ووعي المجتمع التونسي بفكرة الدولة والمؤسسات، على عكس ما حدث في مصر وسورية وليبيا مثلا'، فضلا عن 'اتساع حجم النخبة ومستوى التعليم واتساع الطبقة الوسطى، بالإضافة إلى التجانس المجتمعي الواسع، وهي كلها عوامل أدت إلى قبول فكرة التعددية تحت سقف الدولة'.

واعتبر بشارة أن 'نضج النخبة السياسية التونسية وقدرتها على التوافق في فترة الأزمات كان توافقًا براغماتيًا، شكّل عاملًا مهمًا في نجاح التجربة التونسية'، مؤكدًا أنه 'يمكن أن تشكل رسالة تنويرية للعالم العربي لإنقاذ التجربة عمومًا، والتأكيد على أن التوافق أفضل من خيار سفك الدماء'.

وأضاف أن 'التجربة التونسية بصدد تحقيق نجاحات'، منبهًا إلى أهمية 'عدم التغافل عن مصدر ومولّد الثورة التونسية، أي الحركات الاحتجاجية، التي خرجت من الجهات تطالب بتحقيق حقوق اقتصادية واجتماعية'.

وقال إن 'الحديث عن التجربة التونسية وقراءتها يمكن أن يتم من زوايا متعددة وبمعايير مختلفة'، ولكنه اختار أن يقارن بين نجاحها وفشل مثيلاتها في المشرق العربي، ويفسّر ذلك بـ'حجم وشكل تدخل النخب في كل هذه المناطق'، مقارنًا إياه بما حدث تاريخيًا في مسارات بعض الدول عبر لحظات زمنية وأطوار تاريخية مختلفة.

واعتبر أن 'الثورات لا تنتج الحرية بالضرورة، وتستوجب مسارًا تاريخيًا طويلًا، في حين يطلب العالم من المنطقة العربية اليوم أن تحدث هذه التغييرات العميقة في ظرف زمني

'بشارة: الإصلاح في المغرب العربي لا يزال مفتوحًا، والنموذج التونسي ينبغي أن يبذل مجهودًا أكبر لتقديمه للمنطقة العربية على أساس أنه مثال حي وموجود يمكن الاقتداء به'

وجيز'، مشددًا على 'الدور الجوهري للنخب في إحداث هذه التغييرات وتأطيرها لقيادة عملية الانتقال الديمقراطي ووضع أسسها من دستور ومؤسسات ضامنة للانتقال الديمقراطي، يجري التدرب عليها بعد ذلك، وتأخذ مجراها التاريخي، وهو ما حدث بالفعل في بعض التجارب تاريخيًا، حيث آمنت النخب الليبرالية بضرورة إحداث هذا التحول التاريخي وقادته ووضعت أسسه'.

وذكر بشارة أن 'الشعوب قامت بدورها وأطلقت الاحتجاجات وقدمت تضحياتها، والدور موكول بعد ذلك إلى النخب'، متسائلا: 'لكن ماذا إذا كانت النخب خالية من ثقافة ديمقراطية، وغير قادرة على القفز فوق حساباتها الأيديولوجية والسياسية والنقابية، وإدراك أن اللحظة الوطنية هي الأهم، مثلما حدث في مصر؟'.

وشدد، في السياق ذاته، على أن 'النظام الانقلابي الحالي في مصر عاجز عن حل أي من المشكلات التي طرحها المصريون'، مذكٰرًا بأن 'تاريخ 25 يناير هو عيد الشرطة، وخرج فيه المصريون للاحتجاج ضد التعذيب وضد التوريث ومن أجل مطالب اقتصادية واجتماعية'.

وقال إن 'ما يحدث في المشرق العربي اليوم يحيل إلى السؤال حول الثورة والإصلاح'، معتبرًا أن 'بعض الأنظمة فوّتت عليها فرصة القيام بإصلاحات في التعامل مع احتجاجات الشعوب، بدل محاولة كسرها والإجهاز عليها، لأن هناك أنظمة غير قابلة للإصلاح أصلا، لأنها لا تقوم على منطق القوة فقط، وإنما على منطق القوة المطلقة، وهي أنظمة شمولية لا تستند إلى أي نوع من الشرعية، وتعتقد أنها إذا أرخت قبضتها ولو جزئيًا ستسقط'.

وأكد المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن 'الإصلاح في المغرب العربي لا يزال مفتوحًا، والنموذج التونسي ينبغي أن يبذل مجهودًا أكبر لتقديمه للمنطقة العربية على أساس أنه مثال حي وموجود يمكن الاقتداء به، في مقابل الترهيب بالنموذج العراقي الذي ترفعه بعض الأنظمة لوأد مطالب شعوبها'.

وخلال الجلسة الافتتاحية ذاتها، رأى رفيق عبدالسلام، أن 'الثورة جاءت نتيجة طبيعية لتطلعات الناس إلى الحرية والكرامة، وفتحت نافذة أمل حقيقية أمام الجهات والفئات المحرومة، وخصوصًا الشباب، وراكمت نضالات من جميع العائلات السياسية والفكرية'.

واعتبر عبدالسلام 'أن لا أحد يشكك اليوم في ما حققته الثورة التونسية من مكتسبات سياسية وحقوقية هامة، من أبرزها دستورها الجديد ومؤسساتها الديمقراطية، وتفكيك القبضة الحديدية للسلطة المتسلطة، برغم وجودها في محيط إقليمي مضطرب، وحاجتها اليوم لتحقيق مكتسبات اجتماعية واقتصادية وأمنية'.

وقال عبدالسلام إن 'الثورات عمومًا قاسية ومؤلمة، ولكل ثورة ضريبتها، ولكنها بوابة حقيقية للتغيير الذي يتطلب فترة من الزمن، ولذلك لا يمكن أن نحكم على مسار الثورات في ظرف زمني وجيز'.

وشدٰد على نجاح النخبة التونسية في جنوحها إلى الخيار السلمي والتوافقية، واصفًا الديمقراطية التونسية بالتوافقيات، مرجعًا ذلك إلى أسباب عديدة من بينها مكتسبات دولة الاستقلال في التعليم بالخصوص وتجانس النسيج المجتمعي التونسي.

وخلص عبدالسلام إلى أن الإنجازات الهامة التي حققتها الثورة التونسية لا ينبغي أن تدفع التونسيين إلى الشعور بـ'الامتلاء الذاتي والغرور'، وإنما لمزيد من التواضع، والالتفات إلى بقية الاستحقاقات التي نادت بها الثورة.

وتوقف الخبير الاقتصادي، فيصل دربال، عند التناقضات الاقتصادية التي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة، وثبوت فشل المنوال التنموي في تحقيق انتظارات التونسيين، مبينًا تراجع الإنتاج في مقابل ارتفاع كتلة الأجور بشكل قياسي، والتهرب الضريبي وعدم استخلاص الدولة لديونها المهولة لدى عدد من المؤسسات.

ودعا دربال إلى مراجعة الثقافة الشغليّة أصلًا، وتغيير الاستراتيجية التكوينية، مشيرًا إلى الحاجة لمراجعة المنظومة البنكية وتأهيل كامل للقطاع البنكي وفقًا للمعايير الدولية، وإدخال إصلاحات على سوق الصرف.

وشدد دربال على ضرورة استكمال الإصلاحات الكبرى في مجالات الجباية والحد من تبعات التهريب والتهرب الجبائي، معتبرًا أن الصعوبات الاقتصادية حملت إيجابية كبيرة تتمثل في دفعنا نحو إقرار الإصلاحات الهامة والضرورية.

من جهته، اعتبر زياد العذاري، الأمين العام للنهضة ووزير التجارة والصناعة، أن 'تونس لم تتقدم اقتصاديًا كما كان منتظرًا، لأن الثورة فجّرت آمالًا كبيرة لدى التونسيين لتغيير حياتهم جوهريًا'.

وتساءل العذاري عن أسباب هذا 'التعطيل الاقتصادي'، وإن كانت أسبابه تكمن في غياب الإصلاحات الضرورية، أو عدم وجود التمويلات الضرورية، أو في محدودية الموارد البشرية أو في إيجاد حوافز إضافية للاستثمار وبناء المؤسسات.

وذكر أن كل 'هذه الأسباب لا تفسّر هذا الفشل الاقتصادي، وإن كان ذلك نسبيًا، لأن كل التقارير الدولية تشير إلى أنه ليس هناك مشكلة في كل هذه العناصر، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم تلقي التونسيين رسالة الثورة في المجال الاقتصادي، كما تلقوا رسالتها السياسية'.

وأكد أن 'التونسيين لم يتخلصوا بعد من وصاية الدولة في المجال الاقتصادي، وفي حين ذهبوا سياسيًا إلى تجريد الدولة من هيمنتها على الوضع السياسي، عبر بناء مؤسسات دستورية وحقوقية، تقلّص من حجم تدخلها ووصايتها السياسية، بقوا اقتصاديًا ينتظرون دائمًا أن تتولى، كما كانت، إدارة الشأن الاقتصادي'، مرجعًا ذلك إلى 'غياب ثقافة المخاطرة والمبادرة والمغامرة الاقتصادية لدى التونسي'.

وشدد الأمين العام للنهضة على 'ضرورة إعادة النظر في دور الدولة في هذا المجال، وأن يبقى تعديليًّا، وأن تتخلى عن دور الوصاية الكاملة على الحياة الاقتصادية'.

وخلال الندوة ذاتها، عاد الدكتور المؤرخ هشام جعيط إلى تاريخ الثورات في العالم، مشددًا على أن 'مصطلح الثورة استخدم أولًا في العصر العباسي، لأنها أطاحت بدولة قوية وإمبراطورية هي الدولة الأموية التي وصفها بـ'الدولة العنصرية'، وقامت على فكرة انفتاح الإمبراطورية الإسلامية على غير العرب.

وشدّد جعيّط على أن 'الثورة ليست مجرد عملية إسقاط نظام، ولكنها تقوم على جملة من الرؤى والأفكار والتغييرات العميقة في المجتمع'، متوقفًا عند الفروقات الموجودة بين الثورات والمجتمعات الغربية، ففي حين دافعت الثورة الفرنسية مثلًا عن فكرة المساواة، ذهبت المجتمعات الأنغلوسكسونية إلى الدفاع عن فكرة الحرية أكثر من المساواة.

وأشار جعيّط إلى أن 'بعض الثورات قد تؤدي أحيانًا إلى دكتاتوريات، مثلما حدث مع الثورة البلشفية أو الناصرية، التي أطاحت بالنظام الملكي في مصر'، واصفًا الثورة الإيرانية بـ'الثورة الأيديولوجية، لأنها قامت على تأويل وقراءة أيديولوجية للإسلام'، معتبرًا أن 'الثورة التونسية هي ثورة بالفعل، فكرتها الوحيدة هي الحرية وكرامة الشعب، وإطاحتها بنظام دكتاتوري منحها صفة الثورة'.

وقال إن 'الثورة التونسية لم تكن عنيفة، رغم سقوط ضحايا، وقد بقيت على مدى ست سنوات مؤكدة على فكرة الديمقراطية والحرية'، مقللًا من تأثيرات الاضطرابات والاحتجاجات على الثورة، ومعتبرًا إياها 'أمرًا طبيعيًا وظرفيًا يرافق كل الثورات'.

ونبه المؤرخ إلى أن 'الفكرة الديمقراطية خرجت من تونس إلى المنطقة العربية، وبقيت فكرة الثورة، دون إراقة للدماء في تونس، التي لم تفشل ثورتها، بعكس ما حدث في مصر أو سورية'.

وفي السياق، شدد الغنوشي على ما ذكره المؤرخ جعيّط من أن 'ما حدث في تونس هو ثورة بالفعل، وليست مؤامرة أو انقلابا، كما تحاول بعض وسائل الإعلام الترويج له'.

وقال الغنوشي إن 'تونس بادرت بهذه الثورة، ولم تستورد نموذجها من أحد، في وقت كانت فيه المنطقة العربية ثقبًا أسود مظلمًا'، حسب تعبيره.

وأوضح زعيم حركة 'النهضة' أن 'كلفة الثورة في تونس كانت صغيرة، وهي بصدد نحت نموذجها الخاص، رغم اضطراب محيطها'، مبرزا أنها 'لم تتأثر بمحيطها، ولن يهدد ديمقراطيتها وتجربتها'، ومعتبرًا أن 'الثورة التونسية أعادت العرب إلى التاريخ، لأنه ليس هناك تاريخ خارج الحرية'، وأن 'الإطاحة بالدكتاتورية أمر عسير، ولكن الأعسر هو المحافظة على هندسة إدارة الحرية في البلاد'.

وشدد على أن 'للحرية ثمن، ومن لا يريد دفعه فليس أهلًا للحرية، والهندسة السياسية التي قام عليها البناء الديمقراطي في تونس تمنع عودة نظام الحزب الواحد، ولو عبر الانتخابات'.

وعاد الغنوشي إلى بداية الثورة التونسية وما أحاط بها من تهديدات، مذكرًا بأنه 'كان بإمكان النهضة الفائزة بانتخابات 2011 أن تستأثر بالحكم، ولكنها أدارته بشكل تشاركي مع قوى ليبيرالية وحداثية'، لافتًا إلى أن 'الانقلاب الذي حصل في مصر كانت له ارتدادات طبعا على المنطقة، وكان هناك من حاول استنتساخه في تونس'، كاشفا أن 'سفينة تونس كانت مهددة في ذلك الوقت، ولكن النهضة في خضم الاضطراب في 2013 رفعت شعار التوافق والمصالحة بدل التطاحن'.

وأكد الغنوشي أن 'منطق التوافق الذي يحكم تونس إلى حد الآن يتوسع، وأدّى إلى تكوين حكومة بستة أحزاب وثلاث منظمات، في مقابل منطق الإقصاء الذي يتراجع'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018