أوروبا وامتحان غولدستون../ محمد زيدان*

أوروبا وامتحان غولدستون../ محمد زيدان*

خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، لم تقف أوروبا متفرجة تماماً، بل استعملت دبلوماسية غير فعالة اعتمدت فيها الدعوة "الى وقف إطلاق الصواريخ من غزة، كي توقف إسرائيل عملياتها العسكرية ضد القطاع"، وكانت هذه الدبلوماسية تتبنى عملياً الادعاء الإسرائيلي القائل بأن العمليات العسكرية ضد القطاع هي "رد فعل إسرائيلي" على الصواريخ الفلسطينية، الأمر الذي أتاح الفرصة والوقت الكافي أمام إسرائيل لتنفذ عدوانها كما خططت له دون أي ضغط دولي فاعلٍ يذكر، وهو ما يمكن تسميته "التواطؤ السلبي" الدولي خلال الحرب.

وفي النهاية جاء وقف الحرب بمبادرة إسرائيلية وضمن صفقة مع الولايات المتحدة، في حين بقي الاتحاد الأوروبي خارج دائرة الفعل المؤثر، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها لم يتبنَّ الاتحاد الأوروبي أي موقف تجاه مساءلة إسرائيل عن الدمار الذي ألحقته في القطاع، وحتى بالمشاريع التي أقامها الاتحاد بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين!! علماً بأن هذا التدمير لم يكن الأول من نوعه لهذه المشاريع.

وقد تصادفت نهاية الحرب مع تغيير الحكومة وصعود حكومة نتنياهو- ليبرمان الى سدة الحكم في إسرائيل، وغياب نجم تسيبي ليفني التي بنى الأوروبيون أبراجاً من الأحلام على احتمالات نجاحها، خاصة فيما يتعلق بتعزيز "الشراكة الأوروبية" مع إسرائيل، أو ما يعرف بعملية "upgrade" المبنية على وضع "خطة عمل جديدة" تعزز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين إسرائيل ودول الاتحاد، وهو ما اعتقد الأوروبيون بأنه سيؤدي الى فتح الباب أمامهم للعب دور أكبر في "عملية السلام" والتأثير في مجرياتها.

وكان وصول ليبرمان الى مقعد وزير الخارجية بمثابة إعلان لأوروبا بأنه غير معني بهذه الشراكة وأنه لن يبذل أي جهد، أو يدفع أي ثمن لهذا التعزيز المرتقب، وأعاد استعمال الادعاءات القديمة حول "تحيز أوروبا للعرب وعدائها لليهود وإسرائيل"!! الأمر الذي أدى (بالإضافة الى سقوط الحكومة التشيكية- الرئاسة الأوروبية آنذاك) الى تأجيل المباحثات حول التعزيز وتجميد العمل بوضع خطة العمل الجديدة "New Action Plan"، هذا إضافة الى تعالي الأصوات المحتجة من المجتمع المدني والشعوب الأوروبية التي لم تقبل أن يدور الحديث عن هذا التعزيز وتطوير التعاون مع إسرائيل، في حين أن دماء الأطفال وصور الضحايا المدنيين في غزة لا زالت بالأذهان!!

يذكر أن المواقف الأوروبية قد اعتمدت خلال الأعوام الأخيرة على فكرة مفادها، أن التقرب من إسرائيل وإعطاءها امتيازات اقتصادية وسياسية، من شأنه أن يفتح المجال أمامها (أمام أوروبا) للعب دور أكثر فاعلية في "عملية السلام"، وهو ما يعني قبولاً لموقف ليبرمان وتفاعلاً مع الحكومات الإسرائيلية السابقة، التي ادعت دوما أن استثناء أوروبا من لعب أي دور سياسي ناتج عن "تشدد أوروبا تجاه إسرائيل وتأييدها للعرب" !!

كما أن الوجه الآخر لهذه المعادلة يظهر أن إسرائيل نظرت الى الموضوع من زاوية أن الثمن الذي تدفعه هو إشراك أوروبا في العملية السلمية (غير الفاعلة أصلا) وليس تقديم "تنازلات حقيقية" تجاه الفلسطينيين، أو التراجع والتوقف عن تطرفها وتعنتها السياسي، ولذلك شعرت إسرائيل أن بيدها المفتاح السحري وأنها تستطيع من خلاله الضغط على أوروبا وابتزاز المواقف منها متى شاءت وليس العكس، كما كان يتوخى الساسة الأوروبيون!!
بعد انتهاء الحرب عقد "مجلس حقوق الإنسان" جلسة خاصة لمناقشة جرائم حرب إسرائيل على غزة، وكان الاقتراح الأصلي (المقدم من دول المؤتمر الإسلامي مدعوماً من الجامعة العربية، وممثل فلسطين بالطبع) يدعو لإنشاء لجنة تحقيق يرسلها المجلس لإعداد تقرير عن الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في غزة، وكانت الدول الأوروبية- أعضاء المجلس- قد أعلنت رفضها للقرار لكونه "أحادي الجانب ولا يتحدث عن حماس ومسؤوليتها"، وكان مندوب فلسطين مستعداً للتفاوض حول الأمر، إلا أن اتضاح الموقف الأوروبي، معارضة القرار من حيث المبدأ، قد أدى الى تقديمه للتصويت دون إجراء أي تعديلات جوهرية عليه، وقد صوت الأوروبيون حينها موحدين بالامتناع عن التصويت في حين تم اعتماد القرار بالأغلبية.

وحين تم اختيار القانوني الجنوب إفريقي غولدستون لترؤس فريق التحقيق، وضع شروطه لقبول المهمة وهي توسيع صلاحياته ليشمل التحقيق أيضاً ما قامت به حركة حماس خلال الحرب، ولما أبدى الطرف الفلسطيني موافقته على ذلك تم تعديل إطار عمل الفريق بموجب رسالة تفصيلية قدمها مندوب الجزائر، مندوباً عن مؤتمر العالم الإسلامي والجامعة العربية.

وقد زار فريق غولدستون غزة والتقى فيها منظمات حقوقية فلسطينية، ولاحقاً جمع شهادات وإفادات من منظمات إسرائيلية، وقام بالتحقيق ميدانياً بأكثر من 36 حالة عينية، وجمع الوثائق المتعلقة بها.

يذكر أن إسرائيل حينها رفضت إجراء أي تحقيق داخلي جدي بالتهم التي وجهت لها ولجنودها، وبررت ذلك الرفض بأنها لا تعتقد بأن هذه التهم حقيقية، إضافة الى تلميحها بأن مجرد فتح التحقيق من شأنه الإشارة الى الاعتراف المبدئي بوجود جرائم !! ولذلك قررت رفض التعاون مع فريق غولدستون بأي شكل من الأشكال، وحتى أنها رفضت السماح لهم بدخول إسرائيل لزيارة مواقع سقوط الصواريخ أثناء الحرب!!

وفي نفس الفترة صدرت عدة تقارير عن مؤسسات حقوقية دولية، إضافة الى تقارير قدمت من قبل طاقم خاص في الأمم المتحدة حول استهداف مقرات المنظمة الدولية أثناء الحرب، وتقرير آخر أعده طاقم من المقررين الخاصين بالأمم المتحدة، وتقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان والتي نشرت جميعها قبل أن ينشر غولدستون تقريره النهائي، علاوة على تقرير الصليب الأحمر الدولي الذي قدمه للحكومة الفلسطينية وللحكومة الإسرائيلية دون أن ينشره على الملأ، وكلها تقارير أشارت بشكل واضح الى حدوث مخالفات واضحة للقانون الدولي الإنساني.

تعتبر توصيات "تقرير غولدستون" هامة جداً كونها وضعت مسؤوليات محددة أمام هيئات الأمم المتحدة المختلفة، وأضافت جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذ هذه التوصيات باعتبارها حزمة واحدة لا يمكن الفصل بينها (كما كان يحصل سابقاً)، كما أن أهمية التقرير تنبع من كون اللجنة قد شكلت من مجموعة من الخبراء والمهنيين الدوليين، لا يمكن التشكيك بمصداقيتهم او بنزاهتهم المهنية. كما أن هذا التحقيق وفحص الحالات الـ-36 التي حقق بها، تم من باب معايير حقوق الإنسان الدولية، والقانون الدولي الإنساني دون مسايرة سياسية أو اعتبارات غريبة.

وأبرز ما جاء في التوصيات هو تحويل توصيات التقرير بعد إقرارها في "مجلس حقوق الإنسان" الى "الجمعية العامة" و"مجلس الأمن" و"محكمة الجنايات الدولية"، ووضعت آلية واضحة لمراقبة أي إجراءات تحقيق محلية، كما يضع التقرير جدولاً زمنياً مدته 3 أشهر لإجراء مثل هذا التحقيق المحلي، ويخول "مجلس الأمن الدولي" بتحويل الملف الى "المدعي العام" لمحكمة الجنايات الدولية، لفتح تحقيق سريع بالمعلومات التي جمعها والتي تشير الى حصول جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ويترك التقرير المجال مفتوحاً أمام "الجمعية العامة" لمتابعة تنفيذ مجلس الأمن لهذه التوصيات، حتى لا يسمح للمصالح السياسية بالتلاعب بهذه الإجراءات القانونية. كما يدعو التقرير بشكل واضح كافة الدول الموقعة على "معاهدة جنيف الرابعة عام 1949"، وخاصة سويسرا بوصفها الدولة المضيفة، الى العمل على تطبيق بنود هذه الاتفاقية الدولية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحدد التوصيات بشكل واضح دور كافة الدول "بالتعاون لإلقاء القبض وتسليم أي مشتبه او مطلوب لمحكمة الجزاء الدولية".

بعد أن طرح تقرير غولدستون على "مجلس حقوق الإنسان" لإقرار توصياته والمباشرة بتنفيذها، بدا واضحاً الضغط الدولي على السلطة الفلسطينية وممثلها في جنيف، تارة من أجل تعديل المقترحات المقدمة، وتارة أخرى لسحبها نهائياً، ولا يخفى على أحد المعلومات التي أشارت الى ابتزازات شخصية وغيرها لممثلي السلطة، والتي أدت الى سحب الاقتراح وطلب تأجيل النقاش للدورة القادمة للمجلس، وكان واضحاً أن مثل هذا القرار من شأنه أن يلقى الرفض والاستنكار ليس على مستوى المجتمع المدني الفلسطيني فحسب، بل على المستويات الوطنية والشعبية كافةً، لما فيه من تنازل مجاني عن حق الشهداء والعائلات المنكوبة والجرحى والانتصار للحق الفلسطيني الباحث عن العدالة منذ ستين عاماً، وإهدار لفرصة تاريخية سانحة لمحاسبة المجرمين.

وكانت الولايات المتحدة (التي دخلت مجلس حقوق الإنسان قبل التصويت بأسبوعين) قد استعملت مصر والباكستان- كدول ذات قوة ونفوذ لدى العالمين العربي والإسلامي- للضغط من أجل سحب المقترح نهائياً (لأنها لا تؤيده بأي حال كان، أو بأي صيغة أو موعد)، كما أوضحت دول أوروبا أنها لن تصوت لصالح القرار إذا طرح في هذه الجولة، أيضاً كوسيلة للضغط على السلطة لسحب القرار، وهو ما أدى ثماره وتم سحب المقترح وتأجيل مناقشته.

وحين أعيد طرح الموضوع على "مجلس حقوق الإنسان" الذي دعي للانعقاد بعد أسبوعين بفعل الرد الغاضب والرفض الشعبي الفلسطيني الشامل لقرار سحب التقرير وتأجيل التصويت على مقرراته، لم تكن الأمور على الساحة الدولية قد تغيرت من حيث المواقف الأولية، فأمريكا مارست الضغط ذاته معلنة أنها لن تؤيد التقرير بأي حال من الأحوال، وبذلك قادت معسكر المعارضين الذين تعززت قواهم بانضمام بعض الدول الأوروبية البارزة: ايطاليا، هولندا، هنغاريا، سلوفانيا وأوكرانيا.

أما بقية الدول الأوروبية فقد انقسمت ايضاً بين ممتنع عن التصويت مثل البوسنة، النرويج، بلجيكا، وسلوفينيا، أو التي لم تشارك بالتصويت نهائياً وفضلت البقاء خارج القاعة، مثل فرنسا وبريطانيا (التي حاولت حتى اللحظة الأخيرة تأجيل التصويت دون الالتزام بتأييده في حال تم التأجيل)!!، وكانت النتيجة إقرار التقرير بتأييد 25 دولة ومعارضة 6 دول وامتناع 11 دولة وعدم مشاركة 4 دول بالاقتراع، ومن دون أن تؤيده أيّ من الدول الأوروبية !! .
يتسم الموقف الأوروبي بشكل واضح بالتنازل عن شعارات "سيادة القانون"، ومبدأ "المساءلة القانونية"، "واحترام حقوق الإنسان"، وهو أمر برره الساسة الأوروبيون بتصريحاتهم المتكررة بأن تقرير غولدستون قد "أضر بالعملية السلمية" وأن "أوروبا معنية بالتطلع الى المستقبل وتناسي الماضي"!! وهو ما يمكن اعتباره من حيث الجوهر تأييدًا لسيادة قانون الغاب، الذي لا يجيز إلا مساءلة الفقراء ويتسامح مع الأقوياء، ويسمح بدوس حقوق الإنسان والتضحية بها من أجل إنجازات سياسية وهمية و"مسيرة سلمية" تراوح مكانها.. وكأن تجربة السنوات التي تلت أوسلو منذ عام 1994 وحتى اليوم لم تكفِ لإقناع أوروبا بأن "لا سلام دون عدالة، ولا أمن دون احترام حقوق الإنسان"، وأن لا قيمة لأي عملية سلمية أو مصالحة لا تقوم على المساءلة والمحاسبة.

وبالنسبة لنا في منظمات حقوق الإنسان، فإن الموقف الأوروبي يكشف هشاشة الشعارات التي قامت عليها الاتفاقيات الأوروبية مع دول حوض المتوسط، بدءًًا من "إعلان برشلونة عام 1995"، وانتهاء "بالاتحاد من أجل المتوسط" في العام 2008، مروراً "باتفاقيات الشراكة" و"خطط الجوار" مع دول المنطقة، وكلها اتفاقيات شملت في صياغاتها المختلفة شعارات حول سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان، وكلها تبقى في حدود الشعار إذا لم تؤسس على المساءلة والشفافية والمحاسبة، خاصة في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتقي الى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

أما بالنسبة لكيفية تعامل إسرائيل مع المواقف الأوروبية فيكفي أن نسوق مثالاً واحداً يظهر زاوية النظر الإسرائيلية لهذا الضعف والسلبية الأوروبية، حيث نشرت إحدى الصحف الفرنسية أن "نتنياهو هاتف سركوزي وشكره على موقف فرنسا من ملف إيران النووية، وكبادرة حسن نية وإبداء الشكر له فقد وافق على إدخال بعض مواد البناء، التي كانت فرنسا قد طالبت بإدخالها لإصلاح بعض الأضرار في أحد المستشفيات في غزة"، أي أن إسرائيل تنتهك الحقوق الإنسانية الأساسية للفلسطينيين وتمارس الحصار لتستعمله ليس كورقة ضغط على الفلسطينيين فحسب، بل كورقة مساومة في علاقاتها مع الغرب وأوروبا خاصة، بما يتعلق بسياساتها الخارجية في قضايا لا تخص "عملية السلام" بشيء!! والموافقة الفرنسية (والأوروبية إجمالاً) على هذه المقايضة ما هي إلا موافقة أوروبية على قواعد اللعبة كما تحددها إسرائيل بشكل سافر ومنافٍ للقيم العالمية والمعايير الإنسانية والأخلاقية التي تحاول أوروبا تسويقها للمنطقة ضمن المنظومة الأورومتوسطية على مختلف تركيباتها.

ولنسوق مثالا آخر على هذا "التفهم" والقبول الأوروبي لإملاءات إسرائيل، نذكر بأن إسرائيل رفضت ضمن "اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي" إنشاء "لجنة فرعية لحقوق الإنسان" كلجنة للمتابعة الدورية لقضايا حقوق الإنسان ضمن هذه الاتفاقيات، وهو الأمر الذي أصرت عليه أوروبا في اتفاقياتها مع باقي دول المنطقة كالمغرب وتونس وغيرها.

وبررت إسرائيل رفضها هذا بادعاء "أن إسرائيل هي دولة ديمقراطية"، وأن مثل هذه اللجان لا تليق بالاتفاقيات بين الدول الديمقراطية (اسرائيل وأوروبا !!) وقبل الاتحاد الأوروبي ذلك، ولكي لا تصبح إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي "تتمتع" بهذا الامتياز، فقد أسقطت هذه اللجنة أيضا من اتفاقية الشراكة مع السلطة الفلسطينية (رغم أنها ليست ديمقراطية بالمعايير الأوروبية)، ولكن لتبييض وجه أوروبا وإخفاء الامتيازات المتاحة أمام إسرائيل وعدم الظهور كمن يكيل بمكيالين.

واليوم حين يتم التباحث حول "الخطة الجديدة"- أو الاتفاق الجديد بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي ضمن مفاوضات الـ (Upgrade)، نرى أوروبا تطرح موافقة إسرائيل على إنشاء مثل هذه اللجنة- (بتأخير 5 سنوات)- كأنه إنجاز للدبلوماسية الأوروبية!! ومرة أخرى فإن هذا الفشل الأوروبي في فرض الالتزامات المتعلقة باحترام حقوق الإنسان على إسرائيل، والتنازل عن الآليات التي من شأنها متابعة هذه القضايا، لا يشكل إخفاقاً أوروبياً فحسب، وإنما يشكل تشجيعاً لثقافة الإفلات من العقاب والمحاسبة، وهو ما أعادت إنتاجه دول الاتحاد الأوروبي في موقفها الرافض لتقرير غولدستون.
الموقف الأوروبي السابق من تقرير غولدستون يصبح أكثر غرابة عندما نرى العمل الدؤوب والسريع للحكومات الأوروبية لتعديل قوانينها المحلية كي تمنع الفلسطينيين من استعمال الآليات القضائية والمحاكم الأوروبية المحلية، استنادًا الى قوانين "الولاية الكونية" التي تتيح لهذه المحاكم التحرك في القضايا المتعلقة بجرائم الحرب، بغض النظر عن مكان حصولها، أي إتاحة المجال أمام القضاء المحلي للعمل في قضايا ذات طابع دولي، أو جرائم حصلت خارج حدودها الوطنية، حيث تحركت الحكومة الإسبانية قبل فترة وجيزة وغيرت هذا القانون لتمنع أي شخص غير إسباني أو غير مقيم في إسبانيا من تقديم الشكاوى أمام محاكمها الوطنية إذا كان الشخص المتهم غير مقيم في إسبانيا، وقد جاء هذا التعديل نتيجة ورضوخا للضغط الإسرائيلي على الحكومة الإسبانية بهدف إغلاق الباب أمام المحكمة التي قررت قبل ذلك بفترة وجيزة قبول طلب تقدمت به منظمات حقوقية فلسطينية وإسبانية لفتح تحقيق ضد ضباط وقادة إسرائيليين متهمين بجرائم حرب (ضمن ما يعرف بقضية شحادة).

وللتدليل على جوهر وحقيقة الموقف الرسمي أسوق هذا الحديث الذي جرى مع مسؤول في الخارجية الاسبانية الذي شرح: "إن الهدف من التعديل هو ألا تصبح اسبانيا قاضية تحاكم العالم" ، "وأن المحاكم الاسبانية أقيمت وفق قانون محلي ولا يجوز لها أن تعمل في قضايا ذات طابع دولي"، وعندما سئل: "هل معنى ذلك أنكم تؤيدون أن تجرى هذه المحاكمات ضمن أطر قضائية دولية؟ أجاب دون تردد بالإيجاب القاطع، وعندما سئل مباشرة، هل معنى ذلك أنكم ستؤيدون توصيات تقرير غولدستون عندما يطرح للتصويت في "الجمعية العامة للأمم المتحدة"؟ (يطالب التقرير بإجراء تحقيقات في محكمة الجنايات الدولية ومجلس الأمن)، تردد قليلاً، وبعد ذلك قال "سنرى"!!.

يذكر أن بلجيكا ودولاً أخرى سبقت إسبانيا وقامت بإجراء تعديلات على قوانينها الوطنية لتغلق الباب أمام الضحايا الفلسطينيين الذين حاولوا الاستعانة بمحاكمها الوطنية، طلبا للعدل والمساءلة لمجرمي الحرب في قضية صبرا وشتيلا !!.

الامتحان القادم أمام أوروبا والعالم هو الموقف الذي ستتخذه حين يطرح تقرير غولدستون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت عليه، بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان، وحيث أن كافة الدول الأوروبية ممثلة في هذه الهيئة، فإن لتصويتها هناك معاني غير تلك المباشرة والمتعلقة بالفلسطينيين وحدهم، لأن القضية حينها لن تكون المحاسبة والمساءلة لمجرمي الحرب في إسرائيل فحسب، بل المصداقية لكل الشعارات والمبادئ والأخلاق التي يضعها الاتحاد الأوروبي أمام دول وشعوب المنطقة، بل والعالم بأسره، هو امتحان لمبدأ "سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان"، وتحدٍ واضح لقيم "العدل والمساواة" في وجه قانون الغاب الذي يضمن سيادة القوي على الضعيف، وسمو القوة فوق القانون والحق والأخلاق..

وأخيرًا، فإن السؤال الذي لا بد ان يطرح: إذا كانت أوروبا ستغلق الأبواب أمام الضحايا وتمنعهم من الوصول الى محاكمها الوطنية، وترفض في الوقت ذاته السماح بتفعيل آليات قضائية دولية لمحاسبة مجرمي الحرب، فما هي الخيارات المتبقية أمام الشعب الفلسطيني، بل الضعفاء والضحايا في العالم بأسره؟؟ وماذا يتبقى للضحايا سوى العمل على إحقاق الحقوق المشروعة واستعادة الحرية والكرامة الإنسانية، بكل الطرق التي لا يرغبها الاتحاد الأوروبي، ولا يدعو لها أحد وبضمنها اللجوء الى العنف، وهو الخيار الوحيد الذي سيبقى مفتوحاً ومتاحا أمام الضعفاء والضحايا بعد إغلاق أبواب العدالة والمساءلة القانونية العادلة في وجوههم.

إن فشل "المجتمع الدولي والعالم المتحضر" في التحرك والإيفاء بالتزاماته القانونية والأخلاقية، وتنفيذ المبادئ التي بشّر بها في الشرق والجنوب على مدار السنوات الستين الماضية، ابتداءً بـ"اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني"، مرورًا بـ"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وانتهاءً بـ"اتفاقيات الشراكة" و"خطط العمل"، سيكون له الأثر الكبير في تحديد صورة المتوسط ومحيطه في السنوات القادمة. والخيار هو بين سيادة القانون فوق الجميع أو سيادة قانون الغاب على الجميع، لأن صوت الضحية ورسالتها ما زال يجلجل بوضوح أن: "لا سلام بدون مساءلة"، و"لا أمن دون احترام حقوق الإنسان" ولا أحد فوق القانون!!.