مؤتمر في الفاتيكان يناقش مشاكل العرب المسيحيين في الشرق الأوسط

مؤتمر في الفاتيكان يناقش مشاكل العرب المسيحيين في الشرق الأوسط

وصف البابا بنديكت السادس عشر وضع بعض المسيحيين في الشرق الأوسط بأنه "مأساوي"، ودعا إلى ما سماها "العلمانية الإيجابية" وإلى السلام والعدالة والوئام في المنطقة.

وجاءت تصريحات البابا خلال افتتاحه يوم أمس بالفاتيكان المجمع المقدس الخاص بأساقفة الشرق الأوسط، وهو مؤتمر يستمر أسبوعين بمشاركة رجال دين وخبراء ويركز على مستقبل المسيحيين في المنطقة.

ومن المنتظر أن يبحث المؤتمر المشاكل التي يعاني منها المسيحيون في الشرق الأوسط وأبرزها الهجرة المستمرة، حيث تقول بعض الإحصاءات إن المسيحيين كانوا يمثلون نحو 20% من سكان المنطقة قبل قرن، لكنهم الآن لا يمثلون سوى نحو 5% وما زالت هذه النسبة تنخفض.

وجاء في وثيقة عمل أعدت لتدارسها في المؤتمر وقدمت إلى البابا في يونيو/حزيران الماضي أن ما يقارب نصف مسيحيي العراق -البالغ عددهم سابقا 850 ألفا- هجروا بلادهم بسبب العنف الطائفي والاضطهاد.

كما اتهمت الوثيقة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية "بمنع حرية الحركة والاقتصاد والحياة الدينية"، وقالت إن بعض المسيحيين يستخدمون النصوص التوراتية لتبرير الاحتلال الإسرائيلي "مما يجعل موقف المسيحيين العرب أمرا أكثر حساسية".

ويشارك في المؤتمر الذي يستمر إلى يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول الجاري 180 أسقفا معظمهم من الشرق الأوسط، وقد تليت الصلوات خلال القداس الافتتاحي بعدة لغات من بينها العربية التي ستصبح لغة رسمية في المؤتمر للمرة الأولى، كما وجه القائمون على المؤتمر الدعوة لقيادات مسلمة ويهودية للحديث فيه.

 

وفي رسالة بعث بها راعي العرب الكاثوليك في دمشق، الأب إلياس زحلاوي، أكد على أن ما يقصم ظهر الشرق بمسلميه ومسيحييه هو الصراع العربي الإسرائيلي والمحرقات التي بدأت في فلسطين وامتدت إلى لبنان وسورية ومصر والعراق.

 

كما أشار في رسالته إلى ما أسماه بـ"القضية الكبرى الأخطر"، التي تهدد العالم برمته، والتي يعني بها "السياسة الغربية الهوجاء" التي تنتهجها الولايات المتحدة.

 

وفيما يلي النص الكامل للرسالة، والتي وصل موقع عــ48ـرب نسخة منها.

 

رسالة مفتوحة إلى جميع أعضاء السينودس من أجل الشرق.

 

رأيت من واجبي أن أكتب لكم، بوصفي كاهناً عربياً كاثوليكياً من دمشق، قبل انعقاد مؤتمركم بأيام.

وشئت لنفسي أن أكون صوتاً، أجل صوتاً ليس إلا. وأرجو ألا ترَوا فيّ سوى صوت… قد يرجّع أصوات الكثيرين منكم، المخنوقة أو المختنقة.

لا شكّ أن الكثيرين منكم "استعدَّوا لهذا اللقاء المصيري"…

إلا أني أرجو أن يكون بعضكم قد "تجاوز" "أداة العمل"، التي وُضعت بين أيديكم منذ أشهر، والتي استغرقت ثماني صفحات كاملة من صحيفة "المراقب الروماني" الرسمية، إلى ما يمسّ أصول القضية الكبرى المطروحة، لا فروعها فحسب.

ذلك بأن "أداة العمل" هذه، لم تأتِ، كما أرى، إلا على ذكر عابر وخجول، لما أسمَيته القضية الكبرى، التي تقصم ظهر الشرق كله، بمسلميه ومسيحييه، عنَيتُ بها الصراع العربي الإسرائيلي، وما استتبعه من محرقات حقيقية ومروّعة، أصابت وتصيب الشرق كله، بدءاً من فلسطين، وامتداداً إلى لبنان وسورية ومصر والعراق، وانسحاباً إلى جميع البلدان العربية دون استثناء، في انتظار ما يخبَّأ لإيران. فهنا، وهنا خصوصاً، يكمن أحد أسباب الأصولية الإسلامية المتطرّفة، وأحد أهمّ أسباب تأجّجها المتسارع.

ثم إن "أداة العمل" هذه، لم تأتِ، لا من قريب ولا من بعيد، على ذكر القضية الكبرى الأخطر، التي تهدّد العالم برمّته، عنَيتُ بها قضية السياسة الغربية الهَوجاء والظالمة، التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية على نطاق العالم، والتي تجرّ فيها معها الدول الغربية كلّها، والعديد العديد من الدول الأخرى، بما فيها - للأسف - معظم الدول العربية!

وهنا أيضاً، بل هنا خصوصاً، يكمن السبب الأكبر لتأجّج الأصولية الإسلامية على نطاق العالم.

فلا ننسيَنْ أن الإسلام، بوصفه إسلاماً، منذ أن كان في أوج قوته وسطوته، حتى يومنا هذا، احترم المسيحيين واليهود، بل تعاون معهم دونما تحفّظ، في شتى مجالات الحياة والإدارة والثقافة والعلوم. وفي هذا الصدد، يؤلمني أن أذكّر الجميع بما كان عليه الغرب في هذه الأثناء، من لاسامية مستشرية، مناقِضة للإنجيل، وبما اندلع فيه من حروب دينية، تَذابح فيها المسيحيون طوال قرون…

لذا، أجدني مضطراً، بوصفي مواطناً وكاهناً عربياً من سورية، لأن أطرح عليكم السؤال التالي: ما جدوى مثل هذا المؤتمر، إن لم يتصدّ لما يضمن بقاء البشر وحضارتهم، في حقّ وكرامة وحرّية؟

ثمّ دعوني أيضاً أتساءل معكم بصوت عالٍ: ما جدوى مثل هذا المؤتمر، وما سيصدر عنه من توجيهات وتنظيمات وتمنّيات، تخصّ مظاهر الحضور المسيحي في الشرق كله، وطبيعة علاقاته بالمسلمين واليهود، إن كانت أرض الشرق بأكمله ملغومة وقابلة للانفجار في أي لحظة، وسماؤه تملأها طائرات غربية إسرائيلية، تهدّد وجود البشر وحضارتهم في كل لحظة، وقد تلغيهما، كما يحلو لها ومتى يحلو لها، في احتقار مطلق لجميع المؤسسات الدولية وقراراتها ومعاهداتها - النافذة على الجميع إلا على إسرائيل! - دون أن تصدر ولا كلمة واحدة بحقّ طفل الغرب المدلّل "إسرائيل"، لا من حكومات الغرب، ولا خصوصاً من كنائس الغرب؟

أن تكون الحكومات الغربية راضية، في خنوع مقزّز، عن سياستها المكيافيلية البائسة، أمر بات مألوفاً منذ مئات السنوات. أما ألا تكون كنيسة المسيح في الغرب، واقفة بقوة وشهامة، في صفّ الشعوب المظلومة والمقهورة والملغاة، بدءاً من فلسطين، وألاّ ترفع السوط والصوت عالياً، في وجه جلاّدي البشر، فهذا أمر يناقض الإنجيل، ولا يجوز له أن يستمر.

قولوا لي: "أوَليس الله أحقّ بالطاعة من الناس؟"

ألا يجدر بكنيسة يسوع اليوم، في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب، أن تتذكّر هذه الكلمة البسيطة والرائعة، التي قالها أول خليفة ليسوع على الأرض، بطرس الرسول، في وجه جلاّديه، لتقولها بدورها بألف طريقة وطريقة، ودونما تردّد أو خوف، في وجه حكام الغرب جميعاً؟

قد يتذكّر بعضكم أني رأيت من واجبي، بوصفي كاهناً عربياً كاثوليكياً، من سورية، أن أوجّه، يوم 7/2/2010، رسالة مفتوحة إلى رئيسي الأعلى، البابا بيندكتوس السادس عشر، بشأن الإعلان عن الدعوة إلى عقد ما هو مؤتمركم اليوم، رجَوته فيها دعوة نخبة من الكنائس الأرثوذكسية في الشرق، ونخبة من مسلميه، لأن موضوع هذا السينودس الاستثنائي والأول، بسبب جميع الظروف الخطيرة التي مرّ ويمرّ بها الشرق، يمسّ لا شؤوناً تنظيمية أو طقسية أو خيرية، أو حتى ثقافية ما، تعني العرب الكاثوليك وحسب، بل هو يمسّ في الصميم وجود الجميع دون استثناء في هذا الشرق. كما أني رجَوته أيضاً، دعوة نخبة من كنائس الغرب كله، لأن ما سيعالَج فيه من أمور الشرق، إنما هو إحدى نتائج السياسة الغربية برمّتها، وللمزيد من الوضوح أقول: هو إحدى نتائج السياسة الأميركية، التي تُهيمِن عليها - على نحوٍ لم يعُد بخافٍ على أحد - سياسة ما يُعرف باللوبي الصهيوني.

ربّ قائل يقول: ما دخل الكنيسة في السياسة؟ أوَلم يقُل يسوع منذ ألفَي عام: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"؟

لو كان لقيصر أن يظلّ قيصراً!

أمّا وقد جعل قيصر من نفسه إلهاً، وإلهاً يصرّ على انصياع كل شيء وكل إنسان له، حتى ممثّلي الرب يسوع، فيما هو يدمّر العالم، ويدعم دعماً مطلقاً من يدمّرون الشرق كله من أجل بناء دولتهم في فلسطين، على أشلاء سكانها العرب الأصليين، في مخالفة صريحة وفاجرة، لجميع الشرائع الدينية والإنسانية، فهذا أمر لا يجوز لأحد أن يسكت عنه، فكيف لكنيسة الرب يسوع أن تسكت عنه؟

إزاء هذا الواقع العالمي البائس، ثمّة سؤال ملحّ يطرح نفسه: أوَليس للكنيسة عامة، وللكنيسة الغربية خاصة، وعلى رأسها كنيسة روما، أن تقول شيئاً بهذا الشأن؟

ثم، أوَليس للكنائس العربية، المتهاوية والمهدّدة في بقائها بالذات، أن ترفع الصوت عالياً في وجه كنائس الغرب، لتقول لها ما يتوجب عليها أن تقول، كي تقول كنائس الغرب بدورها لمسؤولي الغرب ما يتوجب عليها أن تقول لهم؟

وهنا، دعوني أقول لكم: أخشى ما أخشاه، أن تفعل كنيسة الغرب اليوم، ما فعلت في الأمس البعيد، وفي الأمس القريب…

ففي الأمس البعيد، واقعتان مؤسفتان، تورّطت فيهما كنائس الغرب، من جرّاء تورّطها مع السلطة الزمنية، بدءاً من عهد قسطنطين.

الواقعة الأولى، هي واقعة اللاسامية المخزية، التي اتّخذت أشكالاً لا تحصى طوال قرون وقرون، حتى انتهت بالمحرقة النازية التي ذهب ضحيّتها الملايين من اليهود وسواهم، والتي نجم عنها، بعد الحرب العالمية الثانية، ما يشبه العشق المفاجئ لليهود واليهودية من جهة، وعقدة ذنب حيال اليهود واليهودية من جهة ثانية، تجعلهم يغفرون لهم كل ذنوبهم ومظالمهم، أية كانت، في فلسطين خاصة، والشرق عامة…

أما الواقعة الثانية، فهي واقعة لا تقلّ خطراً عن الأولى، وهي تزاوج السلطتين، الزمنية والكنسية، تارة في تعاون وتواطؤ، وطوراً في تنافس وتناحر، بل وتحارب، وذلك أيضاً طوال قرون وقرون، والمذهل أن كل ذلك تواصل إبّان اكتشاف القارة الأميركية، وطوال عهود الاستعمار الغربي بجميع مظاهره - الإسباني والهولندي والبرتغالي والبريطاني والبلجيكي والفرنسي والألماني والإيطالي! - هذا الاستعمار البشع الذي فرض على القارات الخمس كلها نظاماً لا إنسانياً، دفعت ثمنه شعوب أُبيدت، وشعوب استُعبدت واستُغلّت واستُنزفت، بحيث لم تعُد تقوى على النهوض. ومن المؤسف أن هذا التواطؤ الكنسي العام مع حكّام الغرب، لم يفلت منه إلا قلّة قليلة من الكهنة والراهبات والرهبان والأساقفة، الذين تجرّأوا واستنكروا، فأدَّوا شهادة الدم، التزاماً منهم بإنجيلهم، ودفاعاً عن الشعوب المظلومة.

اغفروا لي مثل هذا الكلام، فأنا أعرف أنه ثقيل جداً على السمع والقلب. إنما الحقيقة هي الحقيقة. ومن كان منكم في شكّ، قليل أو كثير، مما أقول، أرجوه أن يقرأ الكتاب الذي نشره عام 1997، الصحفي الإيطالي "لويجي أكاتولّي"، بموافقة البابا يوحنا بولس الثاني، تحت عنوان "عندما يطلب البابا الغفران". وقد نُشر في آن واحد بلغات ثلاث: الإيطالية والإنكليزية والفرنسية.

إن صمت كنيسة الغرب، بالأمس البعيد، لم يكن له ما يبرّره. ولذا نهج البابا يوحنا بولس الثاني، بعد البابا بولس السادس، طريق التوبة وطلب المغفرة، في صدق وشجاعة.

كما أن صمت كنيسة الغرب اليوم، ليس له ما يبرّره. وقد آن لها أن تتحرّر منه، لئلا تكرّر اليوم ما ارتكبت في الماضي من أخطاء كان ثمنها باهظاً جداً في طول الغرب وعرضه!

وإني أرى أن على كنيسة الشرق، العربي وغير العربي، كله، واجب رفع الصوت عالياً وجريئاً، لتوقظ كنيسة الغرب من سباتها غير المبرّر. فعساها، إذا ما استجابت واتّخذت المواقف المطلوبة، بسرعة وشجاعة، عساها تستعيد بعض صدقيّتها الضائعة، وسط ما انتشر في الغرب من لامبالاة مستشرية واتّهامات مخزية…

أخيراً، ثمّة سؤال لا بدّ لي من أن أطرحه عليكم. وأنا أرجوكم أن تطرحوه بصراحة على السينودس:

هل وعود الله للبشر يمكنها أن تُجتزأ وفق هوى بعض الناس ومصالحهم، أم هي كلها واحدة من ألِفِها إلى يائها، أي منذ مطلع سفر التكوين، حتى اكتمال تحقيقها في الرب يسوع؟

وبعبارة أخرى: هل يتّفق وعد الله المزعوم بالأرض لإبراهيم، الذي تتذرّع به الصهيونية لسرقة الأرض، كل الأرض من فلسطين إلى لبنان وسورية والأردن وسيناء، أي من الفرات إلى النيل، هل يتّفق هذا الوعد المزعوم مع ما كانه وقاله وفعله المسيح المخلّص، يسوع الناصري، ابن فلسطين؟

وأرجو ألا تعودوا إلى بلادكم، دون حمل جواب صريح من الكنيسة الأم في روما.

 

 

                                                                                               أخوكم الأب الياس زحلاوي

                                                                                                      دمشق في 3/10/2010

                                                                                             عيد القديس فرنسيس الأسيزي.