الحائز على نوبل الاداب اتهم بلير بانه مجرم حرب في العدوان على العراق

الحائز على نوبل الاداب اتهم بلير بانه مجرم حرب في العدوان على العراق

الأكاديميّة السويديّة تضرب من جديد. فبعد منحها نوبل الآداب العام الماضي لإلفريد يلينك، الكاتبة النمسويّة المثيرة للجدل التي «أضرمت النار» في بنى المجتمع التقليديّة وعلاقاته السلطويّة والبطريركيّة، ها هي تعاود الكرّة، مع كاتب يضاهي يلينك ازعاجاً وشغباً واثارة للجدل... ألا وهو البريطاني هارولد بينتر الذي اتهم رئيس حكومته طوني بلير قبل عامين، والحرب على العراق في أوجها، بأنّه «مجرم حرب»! إنّه الممثّل والشاعر والمخرج والروائي... والكاتب المسرحي أولاً وأخيراً، الذي اعطى مسرح العبث نكهته الخاصة : تلك النكهة الانكليزيّة بامتياز، تمتّ بقرابة إلى سينما هيتشكوك وجوزيف لوزي وإلى مناخات صموئيل بيكيت... وقد أنبتت مدارس وتجارب أدبيّة - مثل نصوص إدوارد بوند وسارا كاين - هي اليوم بين الأغنى والأكثر راديكاليّة في ثقافتنا المعاصرة.

بينتر الذي يتمتّع بشهرة واسعة في العالم منذ ستينات القرن الماضي، بعيد صدور أعماله الأولى، ويحتلّ مكانة خاصة في المسرح العربي من لبنان إلى فلسطين، مروراً بمصر والجزائر، يكاد يكون غنياً عن التعريف. والكاتب الذي فكّك العلاقات القمعيّة في مسرحه، وعرّى القيم التقليديّة للمجتمع، والنظرة البورجوازيّة الى العالم، برز في السنوات الأخيرة من خلال مواقفه السياسيّة الراديكاليّة إلى جانب المقهورين، ودفاعاً عن حريّة التعبير، وضدّ الحرب، كما وقف قبلها ضدّ ديكتاتوريّة أوغوستو بينوشيه في تشيلي. إنّه الرجل الذي ينتصر كلّ يوم على سرطان يتهدده في منتصف ثمانيناته، والفتى الذي رفض أن يذهب إلى الحرب أيّام الجنديّة... ونزل يومذاك الى شوارع لندن ليقف في وجه دعاة الفاشيّة.

وكان بينتر فاز قبل عامين بجائرة «أوين» المرموقة (على اسم الشاعر ويلفريد أوين)، عن كتاب شعري له بعنوان «حرب»، ومن أشهر قصائده «فليحفظ الله أميركا». يكتب بينتر: «ها انّهم يذهبون ثانية/ جنود اليانكي في موكبهم المصفّح/ وهم يرددون أغنيات مرحهم/ ويعدون على امتداد العالم الكبير/ ممجدين سلطان أميركا. والمصارف مسدودة بالموتى...».

ولد صاحب «الحارس» و»حفلة الميلاد»، في حي شعبي صناعي من الشرق اللندني ذات يوم من 1930. أبوه خيّاط يهودي كان يواجه صعوبة في اعالة الأسرة. ذاق مبكراً سموم اللاساميّة، وعرف الأزمة الاقتصاديّة الخانقة، واختبر الفقر... واحتفظ من ذلك الديكور بأكثر من غصّة، وبروائح عطنة في الزوايا... ستتسرّب إلى نصوصه التي تخاصرنا بالقلق والخوف والتوتّر الدائم. دائماً تقف شخصيّاته في دائرة من القلق والغرابة، ودائماً يشعر المشاهد بغصّة، بضيق، بحالة حصار... قبل أن يأخذه الحدث المسرحي إلى موقــــف عبثي ساخـــر، فتفلــــت منه ضحكـــــة هستيريّة، كمن يتحرر من طاقات سلبية كامنة في أعماقه. يلتقط بينتر بمهارة ذلك الليــــل الذي فينــــا، يصوّر المشاعر الانسانيّة الملتبسة، والمواقف الغامضة، والأهواء الكامنة في عتمتنا الحميمة، تطلع فجـــأة كالوحــــوش الضارية، أو تفترس أصحابهــــا ببـــطء خلــف ستار من الأحداث والكلمات العاديّة، وفي ديكور واقعي مبتهج ومضيء.

يشير بيان جائزة نوبل إلى الدور الذي تلعبه أعماله الدراميّة في «اكتشاف الهوّة الشاهقة التي تختبئ وراء شتّى أشكال الثرثرة»، وفي «اقتحام غرفة القمع الصمّاء»... شخصياته تحمل في أعماقها احساساً مريراً بالوحدة التي يستحيل تجاوزها، وهي ضحايا عنف العالم الخارجي. وعالمه يقوم على تلك اللغة الخاصة، «القاسية والصعبة» بتعبير مترجمه الفرنسي، العادية جداً في ظاهرها، الملتبسة والمشبوهة في حقيقتها.

يكتب بينتر نصوصه كمقطوعات موسيقية يلعب فيها الصمت دوراً أساسياً، ويلازمها الايقاع وتواتر النغمات. نصوصه قائمة على التفتيت، تفتيت المواقف والحالات الانسانيّة، وتفتيت البنية نفسها. فيها الضحكة تعانق الغصّة، والتراجيدي يلازم الكوميدي. والمواقف الغامضة، المتوتّرة دائماً، المشدودة بحبال القلق، تخبّئ دائماً المقلب الآخر، ينسلّ الينا الواقع ببطء. إنّه مسرح العبث، ذلك الذي ولد بعد الحرب العالميّة الثانية، بشخصيات ليست كالشخصيات، وأحاديث لا تبدأ ولا تنتهي، ومواقف غريبة، على أنقاض عالم تهدّمت معه كلّ الآمال. إنّه مسرح ينضح بقلق ميتافيزيقي، بصراع بين الامتلاء والفراغ، وبمشاغل وجوديّة مستعصية. جمل غير مكتملة، غير منطوقة، ذاكرة خائنة، وكلمات قاطعة، لتقول الاهواء والرغبات والخيبات. تأكّل البورجوازيّة المنهارة.الجنون والأكاذيب والبحث غير المجدي عن السعادة، عن المعنى. كل ذلك من خلال لغة مزدوجة، وجهها عادي وسطحي، وباطنها متفجّر، مزروع بالألغام والمعاني الكامنة. عالم مزيج من القسوة والغموض، لم يعد من الضروري أن ننعته بـ «العبثيّة»... فقد صارت صفة «البينتريّة» التي يعتبر المخرج البريطاني الشهير بيتر هول من أبرز المدافعين عنها، مصطلحاً نقدياً وجمالياً قائماً بذاته.

وبينتر الذي بدأ حياته ممثلاً، مطلع خمسينات القرن الماضي، باسم مستعار هو دايفيد بارون، كتب رواية «الأقزام» قبل أن يبدأ بخوض مجال التأليف المسرحي. مسرحيته الأولى كانت بعنوان «الغرفة» تلتها مسرحيّة «الخادم الأخرس» (1957)... وبعدها كتب «حلة الميلاد» التي شهرته على نطاق واسع. وتتالت النصوص المرجعيّة «الحارس» (1960)، «المجموعة» (1961)، «العشيق» (1963)، «العودة» (1965) التي اقتبسها بنفسه للسينما. وقد اشتهر بينتر عالمياً بعد تعاونه مع السينمائي الكبير جوزيف لوزي في فيلم «الخادم» (1962) مع ديرك بوغارد وجيمس فوكس وسارا ميلز. ثم عاد فتعاون مع لوزي في «الحادث» (1967) و»الوسيط» (1969)... كما كتب مع لوزي سيناريواً لم يجد طريقه الى التصوير عن رائعة بروست «البحث عن الزمن الضائع» (1972). وكتب عشرات السيناريوات للسينما، من أبرزها «عشيقة الضابط الفرنسي» (1980).

من مسرحيات بينتر الأخرى «أيّام زمان» (1971)، «نو مانز لاند» (1974)، «الخيانة» (1978)، «أصوات عادبيّة» (1980)، «أمكان أخرى» (1982)... وصولاً الى «ضوء القمر» (1993)، و»من الرماد وإلى الرماد» (1996)، «طقس» (1999). وآخر مسرحياته «ذاكرة الأشياء الماضية» التي عرضت على خشبة المسرح الوطني، كما أعاد تقديم «نو مانز لاند» من اخراجه الشتاء الماضي في لندن.

في العالم العربي قدّم بينتر واقتبس بغزارة خلال العقود الماضية.... بدءاً بنصوص مرجعيّة في المسرح اللبناني خلال عصره الذهبي، مثل «الديكتاتور» لعصام محفوظ التي تحمل لمسات بينتر وبصماته، وإن كانت نصاً مستقلاً له عالمه ولغته الخاصة.... وانتهاء بالمسرح الفلسطيني. وكانت آخر اطلالة عربية لبينتر في فلسطين المحتلة اذ قدّم الثنائي مكرم حرب ويوسف أبو وردة «الحارس» (اخراج ايلان تورن/ مسرح حيفا البلدي)، في محاولة لفضح ممارسات الاحتلال الاسرائيلي، وتصوير معاناة المواطنين العرب تحت الاحتلال.