تجند الاعلام الأمريكي في خدمة العدوان على العراق وسيطرة اللغة العسكرية عليه

تجند الاعلام الأمريكي في خدمة العدوان على العراق وسيطرة اللغة العسكرية عليه

تجند وسائل الاعلام الأمريكية والبريطانية لخدمة العدوان على العراق

كجزء من العدوان الأمريكي البريطاني على العراق عمدت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة في اطار استعداداتها لشن عدوانها على العراق تدريب مجموعات من الصحفيين والمراسلين الاجانب لهذه الحرب. ومع بدء العدوان عملت الولايات المتحدة على الحاق العديد من المراسلين الصحفيين ضمن قواتها الغازية. ويستدل من غالبية التقارير الأمريكية والغربية الصادرة من الكويت والعراق ان الطابع السائد هو تبني الرواية العسكرية الأمريكية أو التكتم والضبابية وعدم اعتماد أي من المعايير الصحفية.

حيث ينقل غالبية المراسلون تقاريرهم من داخل الدبابات الأمريكية أو من قلب الطائرات العسكرية. وفي الأيام الأخيرة بدأت بعض الصحافة الأمريكية المكتوبة توجه انتقادات مباشرة لسياسية التغطية الاعلامية للحرب وتدخل البنتاغون في التقارير الصحفية وفرض الرقابة عليها. وتقول هذه الأصوات القليلة ان الولايات المتحدة تمارس رقابة فظة على التغطية الاعلامية للحرب ضد العراق وان التقارير المتلفزة لا تملك المصداقية ولا تقدم جميع المعلومات.


ولا تقتصر الرقابة الفظة على البنتاغون، حيث تقوم وسائل الاعلام بهذه المهمة طواعية وتتجند لخدمة المصالح الأمريكية العسكرية العدوانية حيث تمارس الرقابة الداخلية حتى عندما لا يطلب منها ذلك. فعلى سبي المثال قام المسؤولون في شبكة فوكس الأمريكية بتسليم شريط لهم يوثق سقوط طائرة الأباتشي الأمريكية، التي اسقطتها المقاومة العراقية يوم الخميس الماضي وقتل خلالها أربعة من جنود المارينز وثمانية من الجنود البرطانيين، الى البنتاغون بشكل طوعي. وقال المسؤول في شبكة فوكس ان الشبكة قررت تأجيل بث الشريط كبادرة حسن نية تجاه الحكومة البريطانية. ولم يبث من هذا الشريط في وقت لاحق الى بعض المقاطع.

أما مراسل شبكة سي إن إن ولتر روجرس الذي يرافق اللواء الأمريكي السابع فيعمل على نقل تقاريره من دخل دبابة أمريكية. وعندما نقل هذا المراسل تقريره الى تلفزيون السي إن إن من خلال حديث له مع مقدمة البرنامج كريستيان امنفور قال انه يتحرك داخل كتلة عظيمة من الفولاذ وشبه ذلك بالانطلاق وهو في داخل تنين كبير، ثم نقل عن قائد الكتيبة التي يرافقها بلهجة عسكرية تتغلب عليها النشوة العارمة: "اذا التقينا عراقيين في الطريق فسوف نقتلهم بكل بساطة، سوف نجد العدو ونمسكه من أنفه". ثم قال لزميلته: "كريستيان، مشاهدة القوات المدرعة العظيمة تتقدم داخل الصحراء نحو بغداد لهو أمر مثير جدا". وهذا النموذج البسيط لتقرير روجرس يمثل التوجه العام لشبكة السي إن إن في نقل تقاريرها عن العدوان الاستعماري على العراق.

وتطغى على تقارير شبكات الأخبار الأمريكية شحة المعلومات الميدانية واكتفائها بنقل تصريحات القادة العسكريين أو الاختباء وراء مقولات مثل: "نمنع من نشر التفاصيل لكن يمكننا القول ان الحرب انطلقت الى مرحلة أخرى".

وتمتنع شبكات الاخبار الأمريكية عن نقل المعلومات والتقارير الميدانية من داخل العراق، حيث قامت شبكات الان بي سي، سي بي إس، إي بي سي، باخراج طواقمها من بغداد منذ مطلع الاسبوع الماضي واكتفت بمرافقة الجنود الأمريكان في الكويت.

وبينما تصر شبكات الأخبار الأمريكية على ترويج الدعاية الأمريكية والامتناع عن نقل الصورة الحقيقة، نجد ان شبكات الأخبار البريطانية ورغم عدم قيامها بنقل الصورة الحقيقة وعدم تحليها بالمعلومات الميدانية، الا انها وعبر اقتضاب مضامين أخبارها وبعض تعليقات مراسليها تظهر نوعا من الانتقاد لسيطرة الدعاية العسكرية الأمريكية والحرب النفسية على الاعلام. وحتى في هذا الاعلام الذي بدأ يستخدم في تقاريره مصطلحات مثل "الدعاية الأمريكية" و"اخفاء المعلومات"، يبرز غياب الصوت العراقي.

وفي هذا السياق كتب الصحفي كريس هادجس، الحاصل على جائزة فولتسير للصحافة على دوره في تغطية الارهاب العالمي عام 2001، حول بعض مميزات الثقافة السائدة في تغطية الحرب، وقال ان المراسلين يدمنون الحرب وينسون دورهم الاعلامي، وان تغطيتهم الاعلامية تضفي على الحرب سرديات أسطورية غير قائمة أصلا في الحروب. وقال أيضا بان هذه التغطية تبحث عن الابطال لتتويجهم، وبنظر هؤلاء المراسلين يعتبر العدو تمثيلا للشر المطلق، ولذلك يجب عدم اظهار الوجه الانساني للمصابين والمتضررين من الحرب. كما أشار الى ان السلطة تملي على المراسلين حتى اللغة والمصطلحات المستعملة في تقاريرهم، ويقول ان القضية ليست قيام وزارة الدفاع بمصادرة هذا الشريط الاخباري أو ذاك، لان المصادرة الكبرى تتم لدى المراسليين انفسهم، أي مصادرة اللغة.

وفي مقال آخر للصحفي كيث وودس على موقع الانترنيت "فوينتر" كتب ان العديد من المراسلين يتبنون المصطلحات والمفاهيم والتسميات التي ينقلها لهم الجيش دون اية وجهة نظر انتقادية وحتى دون استعمالها داخل هلالين أشارة الى الاقتباس. ويكتب ان هؤلاء المراسلين يستعملون مصطلحات مثل "الضرر الثانوي" بدلا عن التسمية الحقيقية وللتعبير عن القتلى والجرحى من بين المدنيين، ومصطلحات "التصفية والاغتيال" بدلا عن المفهوم الحقيقي لهذه العمليات وهو عمليات القتل، كما يستعلمون ويتبنون المصطلح الامريكي "الحرية للعراق" للاشارة الى العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الغازية. وفي نهاية مقاله يقترح على هؤلاء المراسلين الأمريكيين الحصول على نسخة من كتاب "السياسة واللغة الانكليزية" للكاتب جورج أورويل من عام 1946 الذي يصف قوة اللغة على افساد الاخلاق.



(نقلا عن مقال أرنة قزين في هآرتس بتصرف)