رغم الضربات التي تلقتها عام 2018... يبدو أن الشعبوية مستمرة

رغم الضربات التي تلقتها عام 2018... يبدو أن الشعبوية مستمرة
الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب (أ ب)

تُلمح أزمة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حول الدفع والسعي لبناء جدار على الحدود الأميركية مع المكسيك لمنع المهاجرين واللاجئين من العبور بشكل غير قانوني، إلى مشكلة أعمق يواجهها القادة الشعبويون في أنحاء أوروبا. 

وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، في تلخيصها للشعبوية في الدول الغربية للعام 2018، إن القادة الشعبويين والأحزاب الشعبوية، التي مرت بعام من "الانتكاسات"، تُحاول إعادة إحياء الشعور بالأزمة من أجل أن "تزدهر" من خلالها، مجددا. 

لكن الصحيفة استخدمت مثالَ إيقاف ترامب للحكومة، بسبب خلافه مع الديمقراطيين داخل مجلس النواب على تمويل "جدار المكسيك"، كمؤشر إلى ضعف الشعبوية وليس قوتها، فقد تضاءلت الأسباب التي دفعت إلى التفاف شعبي غربي حول الشعبوية. 

وتصاعد نجم الشعبويين عام 2016، نتيجة للهجومات التي طاولت دولا كثيرة في أوروبا، وأزمة اللاجئين والمهاجرين الذين "اجتاحوا" القارة على نطاق واسع، خصوصا السوريين منهم. لكن هذين العاملين تراجعا بشكل جدي العام الماضي، الأمر الذي انعكس على نتائج الانتخابات في كل من الولايات المتحدة وألمانيا وبولندا، حيث خُيبت آمال الشعبويين فيها، ما حطم صورة "البقاء الحتمي" لهم في هذه البلدان، وادعاءاتهم بتمثيل "إرادة شعبية حقيقية".

وأشارت "نيويروك تايمز" إلى أن ظاهرة الشعبوية في الغرب، نمت بنمط "دفاعي"، استخدم خطاب التفرقة؛ "إما نحن أو هم"، وهو نهج يحفز أقرب مؤيديهم، لكنه قد يكون خطيرا أيضا، خصوصا أن جاذبية الشعبوية بدأت تنخفض في الآونة الأخيرة.

وفي حين توقع الباحث في العلوم السياسية الهولندي، كاس ميود، أن يأتي العام 2019 بضربات أخرى للشعبوية سوف "تحجمها" و"تفرقها"، إلا أن الصحيفة ترى أن ذلك ليس دقيقا، فما يزال الشعبويون يحتفظون بالسلطة في الولايات المتحدة وإيطاليا ودول شرقي أوروبا، كما أن لديهم قوة ملحوظة داخل غالبية البرلمانات على امتداد أوروبا، حيث باتوا يحظون بنحو سُدس الأصوات في هذه الدول.

ومع ذلك، فإن انعدام الأزمات التي قد "تبرر" سياسات الشعبوية المتشددة، تجردت رسالتها وبات من الممكن رؤية أهم عناصرها، وهي معارضة "المُثُل الليبرالية" للتعددية، ورفض التعدد الثقافي والتعاون العالمي.

ولفتت الصحيفة إلى أن هذا يؤدي إلى مرحلة جديدة في عصر الشعبوية، والذي سوف يمتحن قدرتها على البقاء ومدى جاذبيتها، بشكل جدي، خصوصا مع التحدي الذي تشكله المؤسسة الليبرالية للأيدلوجية التي تحملها الأولى. 

أزمات الشعبوية عام 2018

تعرضت الشعبوية لعدة ضربات العام الماضي، ففي الولايات المتحدة، تطورت أزمات ترامب الشعبوي، إلى حد إغلاق الحكومة، بسبب رفض الديمقراطيين التصويت على تمويل "جدار المكسيك".

وقالت "نيويورك تايمز" إن التهديدات المزعومة بتعاظم ظاهرة الهجرة "غير الشرعية" وازدياد حدّة "الإرهاب"، التي حذر ترامب بها الشعب الأميركي، لم تتحقق، فالأولى ما تزال تنخفض على مدار العقد الأخير، أما الهجمات الإرهابية التي نُفذت على أراضي الولايات المتحدة، فقد حدثت قبل استلامه منصبه مطلع عام 2017.

وأضافت الصحيفة أن "الأميركيين فقدوا حماسهم لسياسات ترامب الصارمة كجدار المكسيك"، كما أن الجمهوريين "خسروا" مجلس النواب في الكونغرس، أمام منافسيهم الديمقراطيين، ما يُشير إلى أن خطاب التفرقة الذي بثّه الرئيس الأميركي، أدى إلى خسارة الأصوات لحزبه. 

وأشارت الصحيفة إلى أن الشعبويين الذين يزدهرون في أوقات "التهديدات الخارجية"، لا يستطيعون حرف "الإرادة الشعبية" باتجاههم، مقارنة بما تستطيع فعله الأحزاب التقليدية (الليبرالية).

أما في أوروبا، فقد تعرّض الشعبويون لضربات أيضا، ففي بريطانيا، انخفض التأييد الشعبي لخطة الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، إلى دون النصف، وتُشير استطلاعات الرأي إلى أن الأغلبية تريد إعادة الاستفتاء الشعبي بشأن الخطة. 

وفشل الشعبيون المحافظون داخل الحزب الحاكم، الذين يؤيدون بريكست بشدة، بإخراج رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، من منصبها، بسبب تأييدها لخطة "أقل تطرفا" بالخروج من الاتحاد الأوروبي.

وفي ألمانيا، توقف تصاعُد الحزب اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا"، وحصل على نتائج أدنى من التوقعات في انتخابات الولاية الحدودية بفاريا، والتي شكل تدفق اللاجئين والمهاجرين فيها أزمة كبيرة في الأعوام القليلة الماضية.

وحتى عندما حاول حزب اليمين الوسط في بافاريا، تبني الخطاب الشعبوي بهدف تحدي المستشارة أنجيلا ميركل، في موضوع الهجرة، تكبد خسائر كبيرة في الانتخابات، بعكس ميركل التي نجحت.

ويفشل الكثير من الشعبويين الغربيين، بإيصال رسالتهم بأن الخطر والحصار محدقين، كما أن النظرة العالمية "المذعورة" تنخفض، وهي ركيزة أساسية في الخطاب الشعبوي.

ولا يُمكن لخطاب تقسيم العالم  وعرضه على نحو "نحن أو هم"، أن ينجح،  إلا إذا أراد الناخبون أن ينتموا إلى "نحن" ومعارضة "هؤلاء"، والذين يكونون بالعادة، نخبة المؤسسة أو منتمين لثقافة أجنبية.

وفي أوروبا، تواصَلَ العديد من الناخبين مع المهاجرين واللاجئين منذ عام 2016، وتدعي الأبحاث أن هذا التواصل مكن من تقليل مخاوف الناس واستيائهم تجاه هذه الفئات، أما في الولايات المتحدة، فقلل الاقتصاد المزدهر المخاوف من المنافسة الاقتصادية التي يزعم الشعبويون أن المهاجرين سوف يقومون بها.

حالة السويد الفريدة

شكلت ظاهرة الشعبوية في السويد التي تُعتبر معقلا لليبرالية، نجاحا ملحوظا العام الماضي، فقد حصل حزب "الديمقراطيين السويديين" على 17.5 في المائة من الأصوات في الانتخابات العامة في أيلول/ سبتمبر الماضي، والذي كاد يلمح إلى رائحة تغيير كبير في المناخ السياسي الغربي والعالمي.

لكن الصحيفة أوضحت أن مؤيدي الحزب الشعبوي، لم يتكاثروا منذ العام 2015، وهو العام الذي بدأت فيه "أزمة اللاجئين" في أوروبا، ما يشير إلى أن التجربة السويدية قد توحي إلى أن الشعبوية في أوروبا تصاعدت بسبب الأزمة ومشكلة "الإرهاب" فقط، ومع تلاشيهما، انخفضت قوة الشعبويين إلى دون الحد الذي يُمكنهم الوصول للسلطة.

وطرحت الصحيفة وجهة نظر أخرى بدأت تتبلور لدى المختصين بظاهرة الشعبوية، والتي تدعي أن "المعضلة" تكمن بانكسار الإجماع الليبرالي وليس بتصاعد الموجة الشعبوية.

وبكلمات أخرى، حتى لو فاز الشعبويون بالسلطة أحيانا، فإن الصراع هو داخل المؤسسة، وهم عبارة عن تمثيل لأقلية غاضبة داخلها، مستعدة لأن تلعب أي دور على الإطلاق يُمكنه أن يؤدي إلى تغيير "زلزالي".

التوجه التحليلي لظاهرة الشعبوية 

تستخدم الأحزاب الشعبوية منذ نشوئها في ستينيات القرن الماضي، بعد أن سيطرت الليبرالية على المؤسسات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وما تزال حتى يومنا، الأزمات للتغلب على مخاوف أعمق من التغير الديمغرافي والثقافي الذي أحدثته الليبرالية. وقد شكلت معارضة لإجماع المؤسسة التي دعت إلى "تحريم" التشكيك في "المثل الليبرالية".

لقد أبرز الشعبويون الغربيون هذا الشعور بعدم الراحة تجاه إجماع المؤسسة، وأعطوه صوتًا. وأجبروا العالم على الإصغاء لهم على الأقل، من خلال حصولهم على الأصوات الكافية لذلك، وفتحوا مساحة للناخبين الغربيين لرفض القيود الليبرالية بشكل علني.

وحتى لو لم يتقدم الشعبويون إلى مستويات أعلى من من المستوى الذي وصلوا إليه عام 2016، فإنهم سيبقون كتلة قوية لتحدي هيمنة الليبرالية على الديمقراطيات الغربية.

وقالت الباحثة في العلوم السياسية من جامعة تورونتو، سيفا جونيتسكي، إن الفرق بين الديمقراطية والاستبداد، بدأ بالفعل الدخول إلى مساحة "ضبابية" في الغرب، حيث يستخدم القادة المنتخبون أكثر أدوات وتكتيكات "الرجال الأقوياء" في أيامنا. 

وأشار الباحث ميود، إلى أنه "إلى الآملين" بأن تنخفض حدّة السياسات المتوترة بعد العام 2018، فإن ذلك لن يكون في العام الحالي. 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019