الصين تجند أبناء المجموعات العرقية المسلمة لتمزق ترابطها

الصين تجند أبناء المجموعات العرقية المسلمة لتمزق ترابطها
ناشطون هربوا من الصين إلى كازخستان (إيميلي دوك/ نيويورك تايم)

قابلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية مؤخرا، رجلا قازاقيا كان يعمل مساعد شرطي في جهاز الشرطة الصينية في محافظة شينجيانج، في إطار محاولات معرفه تفاصيل الاحتجاز الجماعي لمسلمي الأويغور في معسكرات "إعادة التعليم" وانتهاك حقوقهم من قبل السلطات الصينية وسط تعتيم إعلامي كبير. 

وقال باميروت، إنه التحق بسلك الشرطة الصينية في المنطقة الموجودة في أقصى الغرب، بهدف إعالة عائلته بعد أن انغلقت أبواب العمل بوجهه، ليمضي بعد ذلك عدّة أشهر في نقاط التفتيش الموزعة على جوانب الطُرق، بحثا عن أشخاص أدرجتهم الحكومة ضمن قائمتها السوداء، والذين كان معظمهم من أبناء الأقليات العرقية المسلمة. وبصفته مسلمًا قازاقيا، كان يشعر أحيانًا بـ"عدم الارتياح" تجاه عمله، لكنه كان بحاجة إلى المال، كما أخبر الصحيفة.

لكن باميروت تفاجأ بما رآه بعد أن أُمر بالمساعدة في احتجاز 600 شخص داخل منشأة جديدة عبارة عن سجن يحوي زنازين، مع أن المسؤولين أطلقوا عليها اسم "مركز تدريب".

باميروت (إيميلي دوك/ نيويورك تايم)

وقال باميروت (39 عاما) للصحيفة، إنه بالكاد تعرف على أحد معارفه المحتجزين بسبب نقص الوزن الحاد الذي نتج عن الظروف القاسية في المعتقل، مؤكدا أنه أجبر نفسه دائما على كبت مشاعره، حيث أن "هناك كاميرات في كل مكان، وإذا ما رأى المسؤولون أنك تبدو غير سعيد، فأنت في ورطة". 

وبحسب منظمات حقوقية فإن السلطات الصينية تحتجز نحو مليون شخص من الأويغر والقازاق والأقليات المسلمة الأخرى في شبكة من معسكرات "التلقين" على امتداد شينجيانج. وعبر احتجازها لهم، وسعت أيضا، جهاز الأمن في المنطقة مترامية الأطراف ذات الأهمية الإستراتيجية البالغة على الحدود الغربية للصين. 

شينجيانج

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن هذا الانتشار السريع للأمن في المنطقة، اعتمد جزئيا على تجنيد أفراد من المجموعات العرقية المضطهدة للأجهزة الأمنية، لضمان تفتيت المجتمعات والترابط العائلي عبر إجبار أشخاص مثل باميروت على تنفيذ أوامر في غاية الصعوبة.

وشرح باميروت في عدّة مقابلات أجراها مراسلو الصحيفة، في كازاخستان التي لجأ إليها برفقة عائلته، العام الماضي، بعض التفاصيل المباشرة عن ممارسات أجهزة الأمن في شينجيانج، والمعضلات التي يصارعها الكثيرون منهم يوميا.

وأشار إلى أنه اختار نقل تجربته بسبب إحساسه بالذنب الشديد لما اقترفت يداه أثناء عمله في مقاطعة قيطاي، لافتا أيضا إلى أنه كاد أن يتحول من شرطي لمُحتجز أيضا. 

وقال الناشط الذي يساعد القازقيين من منطقة شينجيانج، سريكهان بيلاش، إن باميروت تلقى تهديدات كثيرة عبر الهاتف، مجهولة المصدر، باحتمال احتجاز أقاربه في "معسكرات التعليم" في حال لم يتراجع عن كشف تفاصيل تجربته، التي أفصح عنها العام الماضي.

وأوكلت لباميروت مهمة فحص سيارات المسافرين وبطاقات الهوية الخاصة بهم، في حواجز تفتيش نُصبت على الشوارع الرئيسية الكبرى في المنطقة، وكان يفتش هواتف كل من أُدرجت أسماؤهم في القائمة السوداء.

انتشار أجهزة الأمن في المنطقة

وسعت السلطات رقابتها القمعية على شينجيانج، وخصوصا ضد أقلية الأويغر العرقية، بتسارع كبير بعد الاضطرابات العرقية في أرومتشي، عاصمة المنطقة، عام 2009. وهذه مواجهة اندلعت بين الأويغر وأبناء قومية الهان المهيمنة على الصين، وأسفرت الاضطرابات عن مقتل أكثر من 150 شخصا وإصابة المئات واعتقال الآلاف.

(أرشيفية- أ ف ب)

ووصلت الحملة القمعية للسلطات ضد الأويغر إلى أوجها، بعد تفجيرات عامي 2013 و 2014، حيث اتُهمت حركات إسلامية متطرفة منشقة عن الأويغر، بالوقوف وراء العمليات الإرهابية.

وفي تلك الفترة، أطلقت السلطات الصينية حملات واسعة لاستقطاب أكبر عدد من المواطنين إلى سلك الشرطة في المنطقة، لذا وسعت من قبولهم إلى وحدة "مساعدة الشرطة"، مما أدى إلى تضخيم جهاز الشرطة بخمس مرات بحلول عام 2017، واستهدفت أبناء الأقليات بشكل خاص، لإزالة الشعور بانعدام فرص العمل على أساس عرقي. 

وازدادت حدة التوترات بين المجموعتين العرقيتين على مدار عقود من الهجرة الهائلة للهان إلى شينجيانج التي لا زال الأويغر غالبية سكانها، لكن تعدادهم اليوم لا يتعدى الـ46 في المائة من سكان المنطقة، بينما بلغ عدد الهان 40 في المئة، وعدد القازاق 7 في المئة، بحسب تقديرات حكومية.

وقالت "نيويورك تايمز" إن السلطات كانت تأمل أن تؤدي التنمية الاقتصادية لمنطقتها الغنية بالموارد الطبيعية، إلى التقليل من حدّة التوترات العرقية، لكن الأويغر والقازاق يشكون من انعدام المساواة في الفرص، وتعرضهم للإقصاء العنصري المقصود من التنمية وسوق العمل، إلى جانب فرض قيود خانقة على ممارستهم شعائرهم الدينية وثقافتهم ولغتهم.

وأخبر ناشطون من الأقليتين، الصحيفة، بأن أبناء مجموعاتهم العرقية يبغضون الشرطة بشكل عام لأنهم يرون أنها منحازة للهان، وبعضهم يعتبر أن العمل فيها "خيانة" أما البعض الآخر فوجدها إحدى فرص العمل القليلة المتاحة. 

"الخروج من جهنم"، مدينة ألماتي في كازخستان التي هرب إليها باميروت 
(إيميلي دوك/ نيويورك تايم)

وذكر باميروت الذي التحق بالشرطة بهدف العمل فقط، أنه أُخضع لتجارب "ولاء سياسي" خلال خدمته، حيث أُمر بحضور اجتماعات "تلقين" سياسي منتظمة وحفظ جمل قالها الرئيس الصيني، شي جين بينغ. وأضاف أنه تم منع ضباط الأقليات من التحدث بأي شيء غير اللغة الصينية الرسمية فيما بينهم، وكانوا يعاقبون لمجرد نطق كلمة واحدة من لغاتهم الأم.

وهرب باميروت في وقت لاحق من العام الماضي، إلى كازخستان التي حصل فيها على جنسية، قائلا للصحيفة إن "ذلك (الهروب) كان بمثابة الخروج من جهنم".

يٌذكر أن تقارير حقوقية عالمية، قالت إن المحتجزين في هذه المعسكرات في الصين، يُجبرون على التخلي عن معتقداتهم بالإكراه والضرب والتعذيب في بعض الأحيان. 

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص