نفوذ بن زايد لدى ترامب يعزز عدوانيته تجاه المنطقة

نفوذ بن زايد لدى ترامب يعزز عدوانيته تجاه المنطقة
(أ ب)

باتت بصمة الإمارات بقيادة ولي العهد محمد بن زايد، على السياسات بالمنطقة واضحة في الأعوام القليلة الماضية، خصوصا بما يتعلق في دعم الثورات المضادة في العالم العربي بعد الربيع العربي عام 2011، والضلوع بدعم الأنظمة والجماعات العسكرية القمعية.

وأعدت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، تقريرا مطولا عن المكانة التي يحظى بها بن زايد في واشنطن، معتبرة أنه قد يكون "أقوى" حكام العالم العربي، ومعنونة تقريرها بـ"الحاكم العربي الأكثر قوة هو محمد بن زايد وليس محمد بن سلمان".

واستعرضت الصحيفة تاريخ العلاقات الأميركية مع بن زايد والتي بدأت بعد أشهر قليلة من حرب الخليج الثانية عام 1991، ومُستمرة حتى اليوم، لافتة إلى أنه كان يبحث عن مصدر لتسليح بلاده فاحشة الثراء، الأمر الذي خشي منه الأميركيون، خوفا من أن يقوم بزعزعة استقرار المنطقة، ليستوعب مسؤولو البنتاغون بعد ذلك أنه حليف "واعد"، فقد كان طيارا مروحيا مُدرب على أيدي البريطانيين، وأقنع والده الذي أسس الإمارات، أن يرسل أربع مليارات دولارات للولايات المتحدة لمساعدتها في حربها على العراق.

لكن مساعد وزير الخارجية آنذاك، ريتشارد كلارك، "طمأن" المشرعين الأميركيين، أن بن زايد لن يصبح "معتديا".

وذكرت الصحيفة أن بن زايد هو من أكثر الشخصيات غير الأميركية المؤثرة في واشنطن، ويحث الإدارة الأميركية على تبني نهجه العدواني المتزايد تجاه المنطقة.

ولفتت الصحيفة إلى أنه قد يكون أغنى رجال في العالم حيث أنه يُسيطر على ثروة الإمارات التي تبلغ نحو 1.3 تريليون دولار.

واعتبرت الصحيفة أن جيش بن زايد، وتقصد بذلك الجيش الإماراتي، "أقوى قوة" في العالم العربي، ومجهز بدرجة عالية، لكنه أيضا يستعين بالولايات المتحدة لإجراء عمليات مراقبة عالية التقنية خارج حدودها.

وأشارت الصحيفة إلى أن بن زايد حليف مركزي للولايات المتحدة منذ عقود، لكنه الآن يسير بطريقته الخاصة، على حد تعبير الصحيفة، حيث أنه ينشر قواته الخاصة في اليمن وليبيا والصومال وشمال سيناء في مصر، وساهم في إحباط التحولات الديمقراطية في الشرق الأوسط، ودعم وصول مستبد مصر عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم، وعزز من نفوذه في السعودية.

(رويترز)

عصر ترامب

قالت الصحيفة إنه رغم استمرار تبعية بن زايد للولايات المتحدة لعقود طويلة، إلا أنه منذ وصول رجل الأعمال دونالد ترامب، لرئاسة البلاد، تضاعف تأثير بن زايد على السياسيات الأميركية أكثر من أي وقت مضى. فقد تبنى ترامب وجهات نظره تجاه عدّة قضايا، كالموقف من قطر وليبيا والسعودية، وفي بعض الأحيان كان الرئيس الأميركي يتخذ موقفه بناء على آراء بن زايد حتى وإن كان ذلك يُخالف مواقف الخبراء والمسؤولين الأميركيين.

وأشارت الصحيفة إلى أن الدبلوماسيين الغربيين الذين تربطهم علاقة ببن زايد، أو يعرفونه، يقولون إنه مهووس بعدوين أساسيين، إيران والإخوان المسلمين. لافتة إلى أن ترامب سعى إلى تصعيد قوي ضد كليهما متأثرا ببن زايد الذي أصبح "لا ينتظر" ضوءا أخضر من أحد.

ووفقا للصحيفة، فإن بن زايد حاول كثيرا الدخول إلى دائرة ترامب الداخلية قبل الانتخابات الرئاسية عام 2016، كما سعى إلى توسط المحادثات بين إدارة ترامب وروسيا، الأمر الذي أدى إلى إدراج اسمه في التحقيق الخاص بالتدخل الأجنبي في الانتخابات.

(أ ب)

ويبدو أن قرار بن زايد بعدم زيارة الولايات المتحدة خلال العامين المنصرمين برغم كونه زائر دائم لها، نتج عن خوفه من التعرض للمسائلة القانونية بهذا الشأن، خصوصا بعدما خضع خمسة أشخاص يعملون مع بن زايد إلى تحقيقات جنائية بشأن هذا التدخل.

 ويرى منتقدو الحلف الأميركي الإماراتي، أن لتصاعد نفوذ بن زايد عواقب غير محسوبة، حيث أنه يعمل اليوم على تأجيج نيران الشرق الأوسط. وقالت المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية، تامارا كوفمان ويتيس، إنه من خلال تسليح الولايات المتحدة للإمارات وتزويدها بتقنيات المراقبة، والقوات الخاصة، فإنها خلقت "وحشا صغيرا".

ولقد بنى بن زايد جيشه وأجهزة الاستخبارات الإماراتية، عبر جلب ضباط أميركيين للتدريب، كما حصل على أسلحة كثيرة في السنوات الأربع التي سبقت عام 2010 مقارنةً بجميع الدول الخليجية الأخرى مجتمعة.

وقالت الصحيفة إنه بدأ تطوير أسلحة إماراتية، ويعمل على تعزيز قوة جيشه طوال الوقت.

أما بالنسبة لعلاقته بإسرائيل، والتي أوضح مرارا لمسؤولين أميركيين أنه يراها حلفيا ضد إيران والإخوان المسلمين، فإن إسرائيل تثق به إلى درجة أنها منحته تطويرات على طراز مقاتلات "إف 16" التي كان قد حصل عليها من الولايات المتحدة، بالإضافة إلى برامج تجسس متقدمة.

الخلاف مع أوباما

وأوضحت الصحيفة أن بن زايد والرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، جمعتهما علاقة قوية جدا، لكن اندلاع الثورات العربية عام 2011، وموقف أوباما منها، أحدث شرخا بينهما خصوصا أن الأول رافض صريح للديمقراطية في الوطن العربي، وداعم للثورات المضادة والقمع والبطش، لكن الصحيفة أشارت أيضا إلى خلاف آخر، وهو العلاقة مع إيران.

كان أوباما في تلك الفترة يُجري مباحثات نووية سرية مع إيران قبل أن يُعلن عن الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وقال مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جورج بوش الابن، ستيفن هادلي، المقرب من بن زايد: "لقد شعروا بالتجاهل (حكام الخليج)، وشعروا بخيانة إدارة أوباما، وأظن أن الأمير محمد شعر بذلك بشكل خاص وشخصي".

(أ ب)

وقالت الصحيفة إنه في الوقت الذي أطلق فيه بن زايد آلته القمعية في البلاد بالتزامن مع الثورات العربية، وبدأ بتجنيد مرتزقة من أنحاء في العالم، كانت الإمارات أيضا من بين أكثر الحكومات الأجنبية إنفاقا على جماعات الضغط (اللوبيات) في الولايات المتحدة.

وانطلقت مساعي بن زايد لإحداث تغيير في السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، بعد أنت اجتمع بشكل سري مع صهر ترامب، جاريد كوشنر، والذي يخدم اليوم ككبير مستشاري البيت الأبيض، في كانون الأول/ ديسمبر 2016، دافعا بمستشاري ترامب الذين شاركوا بالاجتماع إلى تبني مواقفه من "الخطر الإيراني" والقضية الفلسطينية، والتي تُترجم اليوم بدعم بن زايد لتصفيتها عبر ما أُطلق عليه اسم "صفقة القرن". كما أنه حاول إظهار نفسه على أنه وسيط مع روسيا، وذلك في إطار محاولاته لإبعاد موسكو عن طهران، بحسب دبلوماسيين أميركيين. وهو ما ظهر في تقرير المحقق الخاص بتدخل روسيا في الانتخابات، روبرت مولر.

وأشارت الصحيفة إلى أنه رغم تدخل بن زايد الكبير في دول الربيع العربي، فإنه فشل في جعلها مستقرة. وتطرقت الصحيفة إلى أدواره السلبية في المنطقة، مشيرة إلى أنه عمل على منع أي انتقال ديمقراطي في مصر، وساعد على وصول مستبدين إلى السلطة في مصر والسعودية. وناقض، في بعض الأوقات، السياسة الأميركية، وعمل على زعزعة استقرار جيرانه.

(أ ب)

وأوضحت الصحيفة أنه فشل في تغيير سياسات قطر بعد حصارها. وفي ليبيا، لا يزال القائد العسكري السابق، خليفة حفتر، يكرس الحلقة الدموية في البلاد. وفي الصومال تم نقل القوات الإماراتية من مقديشو إلى صومال لاند وبونتلاند. وقامت جيبوتي العام الماضي باستبدال شركة إماراتية لإدارة الموانئ بأخرى صينية.

وذكرت الصحيفة كيف تنتقد جماعات حقوق الإنسان سجن المعارضين في بلاده، ودوره في خلق أزمة إنسانية في اليمن، ودعمه لبن سلمان، الذي قتل أتباعه الكاتب والصحافي جمال خاشقجي. وأشارت الصحيفة إلى أن بن زايد أصيب بحرج جراء استنتاج الاستخبارات الأميركية أن بن سلمان قتل خاشقجي.

وقد يتلخص فشله هذا بمقولة نقلتها الصحيفة عن المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية، بروس ريديل، وصف فيها بن زايد بأنه "يعتقد أنه مكيافيلي لكنه يتصرف مثل موسوليني في الحقيقة".


 

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"