عصابة جديدة تفوز بـ"لعبة عروش المخدرات" في المكسيك

عصابة جديدة تفوز بـ"لعبة عروش المخدرات" في المكسيك
من المعركة في كولياكان (أ ب)

فشلت الدولة المكسيكية، في الأيام القليلة الماضية، في مواجهة عصابة "كارتل سينالوا" التي يُفترض أنها "الأقوى" في البلاد، فما الذي سيحدث في حال أرادت أن تواجه العصابة الأقوى حقا؟

أعد موقع "دييلي بيست"، اليوم الأحد، تقريرا مطولا عن صعود نجم عصابة جديدة في المكسيك، أظهرت حتى الآن تفوقها الواضح على "كارتل سينالوا" الذي انشقت عنه، مستغلة سجن زعيمه جواكين "إل تشابو" غوزمان في الولايات المتحدة في تموز/ يوليو الماضي.

من المعركة في كولياكان (أ ب)

وجاء التقرير في أعقاب فشل الأجهزة الأمنية المكسيكية باعتقال نجل "إل تشابو"، يوم الخميس الماضي، في مدينة كولياكان الواقعة في ولاية سينالوا، بعدما تحولت المدينة لساحة حرب ضارية قُتل على إثرها 15 شخصا.

وحاول التقرير أن يُركز على عدّة أزمات تسبب بها اتساع رقعة العالم السفلي، منها تهجير السكان للسيطرة على محاصيل مفيدة للمخدرات، واشتداد الحرب بين العصابات المتنازعة وغيرها.

وتوصلت دراسة أُجريت في وقت سابق من هذا العام، إلى أن نحو 1.13 مليون شخص نزحوا داخليا في المكسيك بسبب العنف المتفشي، خلال عام 2019 فقط، وهُجّر معظمهم من ولاية غريرو التي تُعتبر المُصّدر الأكبر لمخدر الهيروين للولايات المتحدة.

تدفق اللاجئين

لفت الموقع إلى أن هناك عاملين أساسيين يدفعان الناس إلى الهروب من البلدات والقرى الصغيرة، وكلاهما مرتبط بالتغيرات الكبيرة التي طرأت على عالم العصابات في الآونة الأخيرة. الأول؛ الصراع المستمر بين العصابات على الهيمنة، في أعقاب القبض على "إل شابو" وتسليمه للولايات المتحدة. والثاني يتعلق بتحول عميق في عادات أضخم "زبائن" هذه العصابات، وهم متعاطو المخدرات في الولايات المتحدة.

بل أن هاتين المسألتين الرئيسيتين، تسببتا برفع معدل جرائم القتل في المكسيك إلى مستويات تاريخية هذا العام، ليسقط ضحيتهما نحو 17 ألف شخص في النصف الأول فقط من عام 2019.

وعظمت قوة عصابة "الجيل الجديد في خاليسكو" على مدار الأعوام الماضية، لتصبح أقوى تنظيم إجرامي، متفوقة على "كارتل سينالوا" بعد اعتقال "إل تشابو"، حيث تنتشر اليوم في 22 ولاية من أصل إجمالي 32 ولاية مكسيكية، وفي الولايات المتحدة وبلدان أميركا الوسطى والجنوبية.

من المعركة في كولياكان (أ ب)

وبحسب الموقع، فإن "إل تشابو" تمكن في السابق من الحفاظ على عدم "انفلات" العصابات الصغيرة، لكن ذلك انتهى عام 2016، إثر اعتقاله وتسليمه للولايات المتحدة في العام الذي تلاه، ما تسبب بحروب وحشية بين العصابات المتنازعة على الهيمنة.

والآن، هوت قوة "كارتل سينالوا" إلى حد غير مسبوق، وذلك يتضح في سهولة عثور الأجهزة الأمنية على ابن "إل تشابو"، واحتجازه مؤقتا نهاية الأسبوع الماضي.

ويبدو أن عصابة "الجيل الجديد في خاليسكو" انتصرت بشكل ساحق تحت قيادة زعيمها المجرم، نميسو أسيوغرا كرفاناتس، الملقب بـ"إل منتشو".

توسع التنظيم الإجرامي

أشار الموقع إلى أن "الجيل الجديد في خاليسكو" عازمة على بسط نفوذها في جميع الولايات المكسيكية.

وقال الأستاذ في الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب العسكرية الأميركية، روبرت بونكر، للموقع إن وصول "إل منتشو" إلى موقعه الحالي في "لعبة عروش المخدرات" المستمرة في المكسيك، يعود إلى مزيج من "الحظ، والقسوة، والتوقيت الملائم، والمهارات التنظيمية، فضلا عن الرشاوي الموضوعة جيدًا في أيادي المسؤولين الفيدراليين".

وعلى سبيل المثال، فقد قتلت كتيبة تابعة للعصابة، الأسبوع الماضي، 14 شرطيا في ولاية ميتشواكان، لرفضهم تلقي أوامرها.

وبحسب بونكر فإن العصابة حققت هيمنتها من خلال كونها تنظيما خطيرا و"مربحا للغاية"، إضافة إلى "بناء وجودها من خلال الاستحواذ على خلايا عصابات إجرامية وفروعها المحلية من خلال تفوق عملياتها في جميع أنحاء المكسيك".

من المعركة في كولياكان (أ ب)

وتُجبر فصائل الأقاليم، التي تعتمد على عائلات محلية تزرع المخدرات وتتجار بها، على التنافس مع نهج الامتيازات الذي تتبعه عاصبة "الجيل الجديد في خاليسكو"، الذي يتضمن تزويد العصابات الصغيرة (وليس العائلات) بالتمويل والأسلحة مقابل الولاء.

وتضطر هذه العائلات إلى منافسة العصابات الصغيرة المتحالفة مع "الجيل الجديد في خاليسكو"، في مواجهة غير متكافئة، حيث تحظى الأخيرة بأسلحة كثيرة وتدريب عالي المستوى.

التحولات في اقتصاد المخدرات

إضافة إلى إستراتيجية الخلايا المستأجرة، ساهم عامل آخر بنمو "الجيل الجديد في خاليسكو"، وتفوقها، ويتمثل بقدرتها على الاستفادة من التحول المفاجئ إلى حد ما، في اقتصاد المخدرات في المكسيك.

قال عالم عالم الأنثروبولوجيا بجامعة ألاباما في برمنغهام، كريس كايل، إن سلطة "الأسياد" التي كانت متبعة منذ الحقبة الاستعمارية عندما جاءت أسرهم إلى السلطة كما وصلت النخبة إلى السيطرة على ولاية غريرو، كانت تعتمد بشكل أساسي على تربية الماشية والخيول. لكن مجيء طفرة الهيروين في سبعينيات القرن الماضي، فإن عائلات "الأسياد" نفسها، هي التي استفادت منها.

وأضاف كايل أن الأمر كان أشبه بـ"الإقطاع" في غريرو، ولهذا فالعائلات كانت جاهزة لزراعة الأفيون بعد انتشاره، حيث "كان المجرمون المحليون حاضرين دائمًا، لكن المركزية (في تجارة المخدرات) كانت نادرة جدًا".

وأكد الموقع أن هذا النهج لم يشكل مشكلة عندما كانت أسعار الهيروين مرتفعة، فقد كان صمغ الأفيون، وهو المكون الرئيسي في مخدر الهيروين، بخس الثمن، ما مكّن التجار من جني أرباح طائلة من تهريبه للولايات المتحدة.

لكن ذلك تغير بعدما انخفضت أسعار الهيروين بشكل جذري في الولايات المتحدة، باطراد مع انخفاض استخدامه، أي الطلب عليه، في الأعوام القليلة الماضية، فقد تحول مستخدمو المخدرات إلى تعاطي المواد الأفيونية الاصطناعية مثل الفنتانيل.

تبعات تغير أهواء المدمنين الأميركيين

تسبب نقص الطلب على الهيروين، بانخفاض أسعار الأفيون في غيريرو وبقية المكسيك، بنسب وصلت في بعض الأحيان إلى 90 بالمئة. وقد أدى الانخفاض المفاجئ إلى تقويض تدفقات إيرادات التجار الصغار، مع تدمير سبل عيش الآلاف من المزارعين الذين سبق أن اعتاشوا من خشخاش الأفيون.

ووصف بونكر التحول من المخدرات المصنعة من مواد طبيعية إلى تلك الاصطناعية بأنه "مدمر للغاية" للمجتمعات الريفية، حيث أن العديد من العائلات التي كانت تعتمد على زراعة الخشخاش "أُجبرت على الهجرة إلى حيث يمكن العثور على عمل".

ومن ناحية أخرى، تمكنت "الجيل الجديد في خاليسكو" وفروعها، من الاستفادة من هذه التغييرات في السوق السوداء. وبحسب بونكر، فإنه بسبب "اقتصادات الحجم والشبكات الواسعة"، تتمتع العصابة بـ"فرصة أفضل لاستغلال سوق الفنتانيل من المجرمين الصغار".

من المعركة في كولياكان (أ ب)

وتتحكم العصابة اليوم، بالعديد من منافذ المحيط الهادئ الرئيسية حيث يستخدم مكونات الفنتانيل من المركبات الطليعية، التي تصل من آسيا، التي يتم نقل المواد الكيميائية إلى مختبراتها في جبال ميتشواكان وغيريرو حيث يمكن معالجتها أو مزجها مع الهيروين الذي يتم شراؤه بثمن بخس.

وهذا يتيح للعصابة تحقيق أرباح هائلة مع القضاء على المنافسين الذي لا يملكون إمكانيات مشابهة، فيكون إنتاج الفنتانيل أسرع وأكثر فاعلية بكثير من الهيروين. كما أنه من الأسهل شحنه وتهريبه عبر الحدود الأميركية.

وقال بونكر إن هذه الممارسات الجديدة "قد تجبر اللاعبين الأصغر على ممارسة أنشطة غير مشروعة أخرى مثل الابتزاز والاختطاف والمقامرة والدعارة أو حتى التجارة بالأعضاء البشرية". كما يؤدي للتشرد القسري الذي يشل المجتمعات الريفية.