إلى أين تتجه بريطانيا بعد الانتخابات؟

إلى أين تتجه بريطانيا بعد الانتخابات؟
(أ ب)

تنتظر بريطانيا يوم غد الخميس، ما وُصف على نطاق واسع بـ"الانتخابات المصيرية"، التي ستحدد مسار البلاد لعقود قادمة، حيث أن نتائجها تتعلق بملفات كبيرة طرأت على الساحة السياسية البريطانية في الأعوام القليلة الماضية.

وهكذا وصفت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية الانتخابات المُزمع إجراؤها يوم غد، أيضا، مضيفة أنها ستكون الأكثر مصيرية منذ عقود.

وقالت إن هذه الانتخابات ستحدد موقع بريطانيا في العالم، ونازهتها الإقليمية، وغيرها من الأمور، خصوصا أنها مرتبطة بشكل وثيق ومباشر مع ملف خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، الذي لم يُغلق بعد.

(أ ب)

وأضافت الصحيفة في موقف رسمي لها، أن الانتخابات ستفضي إما عن فوز رئيس الوزراء الحالي، ورئيس حزب المحافظين، بوريس جونسون، الذي يركز على "إتمام بريكست" مهما كانت عواقبه، أو قائد حزب العمال جيرمي كوربين، الذي سيحاول مع حكومته، إعادة تشكيل المجتمع ببرنامج للتأميم والإنفاق العام.

واعتبرت الصحيفة أن الحزبين الرئيسيين، يحاولان إقناع الجمهور بأمور خارجة عن المعتقدات السائدة، كما أنهما يطلبان من الناخبين الانضمام إلى "ثورتيهما"، وأصبحا "أقل تعددية" و"أكثر تحيزا".

وعللت ذلك بقولها إنه تم إقصاء "العديد" من المحافظين والعامل من الحزبين. كما تزيد المعلومات السياسية المضللة، من المزاج "الانكفائي" للحزبين، و"لا يزال هناك توق عميق للمجتمع (في الحزبين)، لكن كيفية التعبير عنه وإعطائه معنى دون إفساح المجال للإقصاء أو كراهية الأجانب، لا تزال غير محلولة".

ومع ذلك أشارت الصحيفة إلى أن العقد الأخير من قيادة المحافظين، والذي تميّز بالدفاع الدائم عن السياسيات التقشفية التي انتهجوها، أنتج متوسط أجور أقل مما كان عليه قبل عام 2008، وأدى لانتشار الفقر في البلاد. وعلى الرغم من التهديد الوجودي لحالة الطوارئ المناخية، فإن بريطانيا ليست على المسار الصحيح لتحقيق أهدافها لخفض ثاني أكسيد الكربون.

وأشارت الصحيفة إلى أنها نصحت في السابق بالعمل بموجب نظام انتخابي مختلف، وإرساء قواعد سياسية أكثر تداولا، تسمح للخاسرين والفائزين بتشارك القرارات السياسية، لكن ذلك لم يتم، وخصوصا في ملف بريكست. بل على النقيض من ذلك، "شكل الصراع على السلطة داخل الحزبين الرئيسيين، انتخابات كان كثيرون يتمنون لو حظوا بخيارات أفضل بها".

رئيس وزراء شنيع

اعتبرت "ذي غارديان" أن المعايير التي تقيس بها الصراعات السياسية الحالية، ومجموعة الخيارات "المنقوصة" التي تواجه الناخبين، نابعة من "معتقداتها" التي تتميز بـ"العالمية، والاستدامة، والعدالة الاجتماعية، والإصلاح الدستوري، والقبول الليبرالي".

 وبهذه الروح، قالت الصحيفة إن "البلاد تتألم. الناس خائفون، من أجل الكوكب، ومستقبل أطفالهم، والسلم الأهلي. ففي عهد دونالد ترامب، سعت الأحزاب البريطانية إلى توجيه سخط الناخبين بدلاً من سماع شكاواهم. ويستخدم جونسون مواقف المحافظين الاجتماعية، لحث الناخبين الفقراء على خيانة مصالحهم الاقتصادية الخاصة. فيما يخطط كوربين أن يقنع المواطن بدولة كبيرة إلى حد تبدو فيه غير عملية (ممكنة)".

وأبدت الصحيفة انحيازا للديمقراطيين الليبراليين، الذين من المتوقع أن يحصلوا على الكتلة الثالثة في البرلمان القادم، حيث قالت إن "رسالتهم المعتدلة" بموقفها الإصلاحي للانتخابات "المثير للإعجاب"، يتعرض لخطر "الأمل بإلغاء بريكست".

ووجهت الصحيفة نقدا حادا لجونسون، قائلة إنه تصرف بطريقة "شنيعة"، حيث كذب على الملكة، وكذب بملف بريكست. مضيفة أنه "شخصية مسببة للخلاف، تحظى بسجل حافل بالتعليقات المسيئة المتعمدة. ويتنمر على مؤسسات مثل هيئة الإذاعة البريطانية، والقضاء، لتجرئهم على محاسبته"، كما أنه يتبنى خطابا شديدا ضد الهجرة، وأدت سلطته القصيرة نسبيا إلى "ازدهار الكراهية والانقسام"، ساخرة من زعمه أنه قادر على توحيد البريطانيين. ومؤكدة على أنه لن يجلب نهاية للتقشف.

ولفتت إلى أنه في حال فاز المحافظون بأغلبية، فإن البلاد ستغادر الاتحاد الأوروبي، في 31 كانون الثاني/ يناير 2020، وهو بنظر المحافظين، بمثابة احترام لرغبة الناخبين في استفتاء عام 2016، منبهة على أن الانفصال عن التكتل الأوروبي، سيكون كارثيا، لكن وجود جونسون في السلطة سيكون أكثر كارثية، فهو يهدف إلى إبرام صفقة تجارية مستقبلية مع الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية عام 2020؛ وهذا ممكن فقط إذا وافق على شروط الاتحاد الأوروبي.

وبعكس ذلك، يشتهي جزء كبير من حزب المحافظين تحرر بريطانيا قانونيا من الاتحاد، لكي تتنافس معه، أي أنه كلما زاد الخلاف التنظيمي حول ما تريده الحكومة، كلما أصبح من الصعب التفاوض على صفقة ناجعة وكلما طالت المدة اللازمة للقيام بذلك. وإذا ما اتبعت بريطانيا نهج جونسون، فلن تعقد صفقة أخرى، الأمر الذي سيكون أسوأ بكثير بالنسبة للاقتصاد من حكومة بقيادة كوربين.

(أ ب)

وفي المقابل، فإن كوربين، بحسب الصحيفة، يقود حملة ضعيفة نسبيا، كان أفضل ما جاء فيها، تحذيره لمساوئ صفقة جونسون التجارية مع الولايات المتحدة على التأمين الصحي الذي يتمتع به المواطنون. 

وفي المجمل قالت الصحيفة أن العمال يحملون أفكارا جيّدة، لكنها ربما تكون غمرت الناخبين بتعهدات ضخمة، فيسعى بيان حزب العمل إلى إزالة السوق الرأسمالي التنافسي، من أكبر عدد ممكن من جوانب الحياة ويريد تقليص قوة الأثرياء، ويخطط لبناء 100 ألف مسكن شعبي سنويا. كما أنه يعد برعاية اجتماعية وطنية مجانية، وإلغاء الرسوم الدراسية، ومنح مدفوعات التقاعد للنساء اللواتي عوملن بطريقة غير عادلة.

ليست مثالية ولكنها تقدمية

يسعى حزب العمل إلى التخفيف من الأضرار التي بدأت في عصر رئيسة الوزراء الأسبق، مارجريت ثاتشر، قبل 40 عامًا، واستبدالها بسياسات أكثر اجتماعية ديمقراطية مما سيحسن الدولة، بحسب "ذي غارديان"، لكنها أشارت أيضا إلى أن التوجه "الفصائلي" الذي "تبناه" كوربين، وتكراره الوعود المفرطة، أضعف فرصه أمام الناخبين. 

وزعمت الصحيفة أن "عدم شعبية" كوربين، قد تؤدي إلى "إفساد حزب العمال"، متذرعة بالحملة الإعلامية الشرسة التي تُشن ضده لمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، بوصفها "معاداة للسامية".

واعتبرت "ذي غارديان" أنه رغم "انعدام الخيارات المثالية" إلا أنه توجد أمام الحكومة المقبلة مهمة ضرورية، لأن هذه الانتخابات ستحدد مصير بريكست، وفي حال فاز المحافظون، فإن ذلك سيعني الخروج من الاتحاد الأوروبي، والجلوس في "أحضان حكومة أميركية رجعية. ما قد يهدد تفكك بريطانيا، وتدمير السلام الهش في إيرلندا".

وفي هذا الصدد قالت إنه "لا يكفي معالجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بل يجب على رئيس الوزراء المقبل معالجة أسباب بريكست" الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضا.

ولهذا السبب قالت الصحيفة في موقفها الرسمي من الانتخابات: "على الرغم من مخاوفنا، نعتقد أن التصويت لحزب العمل يوفر أفضل أمل للبلاد"، داعية الليبراليين الديمقراطيين إلى التحالف مع العمال، لأن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الأمل الوحيد لفوزهم بالسلطة، هو عبر التحالفات.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة