هل يندثر اليسار الأوروبي؟

هل يندثر اليسار الأوروبي؟
تظاهرة للحزب الشيوعي الروسي (أرشيفية - أ ب)

قد تكون خسارة حزب العمال البريطاني الفادحة في الانتخابات العامة مؤخرا، بمثابة مؤشر جديد على ما آلت إليه الأمور بالنسبة للأحزاب اليسارية الاشتراكية في أوروبا خلال الأعوام الماضية، لكن اليسار الأوروبي برمّته، في انحدار مستمر، أو على الأقل هذا ما تراه وكالة "بلومبرغ" الاقتصادية.

وأعدت الوكالة تقريرا عن أزمة اليسار الأوروبي، الأحد الماضي، نقلت فيه تجارب الأحزاب الاشتراكية في عدّة دول أوروبية، مدعية أنه رغم هبوط شعبيتها منذ نحو عقد من الزمن، إلا أنها شهدت هبوطا حادا وعميقا هذا العام، إلى حد "أثار تساؤلات حول ما إذا كان التجديد كافيا لانتعاشها".

ولفتت إلى أن ذلك يأتي بعدما كان رؤساء حكومات بريطانيا وإسبانيا واليونان وحتى المجر، قبل نحو عقد، من اليسار الوسط. ورغم ظهور حكومات اشتراكية في فرنسا وإيطاليا، بعد هبوط هذا النوع من الحكومات على امتداد القارة، إلا أن البصمة السياسية اليسارية، تبدو أنها دخلت في مفرق طرق تاريخي، قد ينهيها.

وفي هذا السياق قالت "بلومبرغ" إن الأحزاب التقليدية اليمينية الأكثر ميلا إلى الوسط، تأقلمت مع الخطاب الشعبوي الناشئ بأوروبا، أكثر من منافستها اليسارية التي لم يعد بمقدورها أن تروج أيديولجيتها الراديكالية منذ عقود.

وبالإضافة إلى خسارة العمال "المهينة" في الانتخابات الأخيرة، بحسب وصف الوكالة، أشارت "بولمبرغ" أيضا إلى انخفاض حاد بشعبية "الاشتراكيين الديمقراطيين" في ألمانيا.

وذكرت في هذا السياق أن وجود أحزاب اليسار وسط في إسبانيا وإيطاليا، جاء بفضل التحالفات غير المستقرة مع الجماعات المناهضة للمؤسسات التي نشأت نتيجة الأزمة المالية عام 2008.

أما الباحث جاكوب فونك كيركيغارد، من معهد "بيترسون للاقتصاد الدولي" في واشنطن، فقد قال إن هبوط شعبية اليسار في أوروبا، يعود إلى حقبة الحرب الباردة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث أنه "لم يظهر أي زعيم يساري حقيقي ويتمتع بكاريزما" استطاع إحداث "فارق حقيقي في أوروبا منذ ويلي براندت"، الذي فاز بجائزة نوبل لبناء الجسور بين الشرق والغرب وتمهيد الطريق لإعادة توحيد ألمانيا.

ما الذي ينتظر اليسار الأوروبي في 2020؟

بريطانيا

قالت "بلومبرغ"، إن الناخبين البريطانيين المستائين من عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى الآن، أُحبطوا من زعيم حزب العمال، جيرمي كوربين، الذي تعهد بإحداث ثورة اشتراكية، والتي كانت ستشمل التأميم واسع النطاق للصناعات وغيرها من الإجراءات المضادة للتقشف.

(أ ب)

ولفتت إلى أن الحزب خسر مصوتي أسكتلندا قبل أعوام، لكن مناطق أخرى، تخلت عن "العمال" أيضا في الجولة الانتخابية الأخيرة، رغم أنها كانت معاقل تاريخية لليسار، وزعمت الوكالة إن كوربين هو أقل زعيم معارضة شعبية في التاريخ البريطاني.

وذكرت أن رئيس الوزراء الأسبق، وزعيم "العمال"، توني بلير، أعاد حزبه إلى السلطة عن طريق جره إلى الوسط، ليفوز بثلاثة انتخابات متتالية. لكن قراره الكارثي باتباع الولايات المتحدة في غزو العراق دمر تراثه وجعله "سامًا" في الداخل.

واستشهدت "بلومبرغ" بقول بلير مؤخرا إن "الخيار (الوحيد) لحزب العمال هو تجديد نفسه كمنافس جاد وتقدمي وغير محافظ على السلطة في السياسة البريطانية، أو التراجع عن مثل هذا الطموح، وفي هذه الحالة سيتم استبداله بمرور الوقت".

ألمانيا

أشار تحليل "بلومبرغ" إلى أن ناخبي الطبقة العاملة في ألمانيا، تخلوا عن الأحزاب ذاتها التي كان سبب وجودها هو حمايتهم، وباتت القاعدة الشعبية المؤيدة لهذه الأحزاب، في تناقص مستمر، كما أنها تتميز بكونها أكثر ميلا للتيار المحافظ اجتماعيا، والمعادي للهجرة.

مظاهرة معادية للمهاجرين لليمين المتطرف الألماني (أ ب)

وذكر أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا، كافح لعلاج الموجة المتصاعدة للمشاعر المناهضة للهجرة ولمنع الخضر من استقطاب الناخبين الشباب الواعين للبيئة، واليوم، يحظى الحزب، وهو أقدم حزب في البلاد، بما يقل عن 15 بالمئة من تأييد الناخبين في استطلاعات الرأي. حتى أنه من المتوقع أن يحل الخضر مكانه في أي ائتلاف مستقبلي، خصوصا أن قيادته غير معروفة.

وحذّر أستاذ التواصل السياسي في كلية "هيرتي" في برلين، أندريا رومميلي، من أن تحوّل الحزب إلى تبني سياسات أكثر ميلا لليسار، كالدعوة لفرض ضريبة على الأغنياء، سـ"يُبطل" كونه حزبا للشعب.

فرنسا

ذكرت "بولمبرغ" أن القيادي الاشتراكي الفرنسي الأكثر بروزا، فرانسوا هولاند، هو من أكثر الشخصيات الفاقدة للشعبية في فرنسا، كما أن حزبه يُصارع لألا يندثر. مشيرة إلى أن الاشتراكيين الفرنسيين كانوا دائما عرضة لـ"الاقتتال الداخلي"، وفي عام 2002، أتاح فشلهم في التوحد خلف مرشح واحد، لصعود نجم زعيمة اليمين المتطرف جان ماري لوبان، التي خاضت منافسة مع الرئيس الأسبق جاك شيراك.

وأوضحت الوكالة، بحسب تحليلها، أن استعادة الاشتراكيين لقوتهم السابقة في فرنسا، ستتطلب وقتا طويلا. 

إيطاليا

تُعد إيطاليا "مختبرا سياسيا" لأنها تفتقر لنظام الحزبين، شأنها شأن دول أخرى في جنوب أوروبا، حيث تتصاعد الأحزاب وتختفي بـ"غمضة عين".

وفيها، بدّل اليسار الوسط اسمه مرّات عديدة، وتحاول صيغته الأحدث، أي الحزب الديمقراطي، إعادة بناء قاعدة شعبية داعمة، في حكومة مع حركة "النجوم الخمسة" الشعبوية. ويسعى الحزب إلى انتخابات جديدة تأمل فيها أن تجذب الناخبين بعيدا عن "النجوم الخمسة".

بيدرو سانشيز (أرشيفية - أ ب)

إسبانيا والبرتغال

في إسبانيا، راهن بيدرو سانشيز على الأمر ذاته كنظرائه الإيطاليين، عندما دعا إلى إجراء جولتي انتخابات في غضون عام لمحاولة التخلص من اعتماده على الشعبويين اليساريين "بوديموس"، لكن الأمر لم ينجح.

واعتبرت "بلومبرغ" أنه عالق (كنظرائه الإيطاليين)، في تحالف مريح ومؤقت. وهذا يجعل البرتغال واجهة يسارية في أوروبا، لكنها تبدو بشكل متزايد وكأنها استثناء عن القاعدة.

اليونان
كانت سياسة "العصبة القبلية" (أي التكتل وراء أحزاب كبيرة) هي القاعدة السائدة في اليونان حتى أصبحت البلاد مركز أزمة الديون الأوروبية. وتبادل حزبان السلطة منذ سقوط المجلس العسكري عام 1974. لكن بعد أن أصبح حزب "باسوك" الاشتراكي أكبر ضحية سياسية للثورة، ملأت مجموعة يسارية راديكلية الفراغ.

وقالت الوكالة إن تحالف أليكسيس تسيبراس من اليسار الراديكالي، أو سيريزا، وصل إلى السلطة عام 2015 وتحدى أوروبا فعليا، في معركة على التقشف وعضوية اليونان في اليورو. وتراجع عن ذلك لاحقا، ما أجبره على الخضوع لبروكسل ومن ثم خسارة الانتخابات في العام الذي تلاه، ليعود حزب "الديمقراطية الجديد" اليميني إلى السلطة.

مالطا

في هذه الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها نصف مليون نسمة، تمتع حزب العمال، بسيطرة طويلة على السلطة، إلى أن أطاح به الفشل في التصدي للفساد. وأُشيد برئيس حزب العمال، ورئيس الحكومة منذ عام 2013، جوزيف موسكات، بسبب النمو الاقتصادي الذي أحدثه في مالطا، لكنه الآن يتعرض لانتقادات واسعة بسبب فضيحة قتل الصحافية دافني كاروانا جاليزيا، قبل عامين، حيث توصلت الشرطة في تحقيقها، إلى أن بعض الأشخاص من دائرة موسكات المقربة، ضالعة في الاغتيال. 

ورغم أنه ينفي تورطه، إلا أنه استقال، وقال إنه سيتنحى الشهر المقبل.

الدول الإسكندافية

تشهد السويد، موجة من اليمين المتطرف التي هزت نظامها الديمقراطي الليبرالي، وتمكن الاشتراكيون الديمقراطيون من إنشاء حكومة، لكنهم، وللمرة الأولى منذ عقود، لم يعدوا الأكثر شعبية في معظم استطلاعات الرأي، حيث تفوق "الديمقراطيون السويديون" المناهضون للهجرة.

وكان الديمقراطيون الاشتراكيون في الدنمارك على الأقل قادرين على العودة إلى السلطة هذا العام، ولو جزئيا، من خلال تبني بعض سياسات منافستها المناهضة للهجرة من خلال تشديد التشريعات.

انتخابات رومانيا (أرشيفية - أ ب)

أوروبا الشرقية

في أوروبا الشرقية، دخلت الأحزاب الاشتراكية في حالة انزلاق منذ أعوام، حيث عزز الزعماء الشعبويون اليمينيون مثل المجري فيكتور أوربان، وياروسلاف كازينسكي في بولندا، سلطتهم من خلال تصوير بعض المعارضين على أنهم مدافعون عن الشيوعية. وفاز حزب "القانون والعدالة" برئاسة كازينسكي، بفترة ولاية ثانية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بأغلبية برلمانية صريحة، وإن كان ضد خصم رئيسي ينتمي إلى يمين الوسط.

لكن في رومانيا، كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي ذي الميول اليسارية جزءًا من الحكومة لأكثر من عقد إلى أن انهارت إدارة الأقلية الشهر الماضي. بالنسبة لزعيم الحزب السابق ورجل القوى الوطني ليفيو دراغنيا، فقد سُجن بتهم فساد في أيار/ مايو الماضي.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ