خاص | "رافقتكم السلامة".. تركيا تفتح حدودها نحو أوروبا

خاص | "رافقتكم السلامة".. تركيا تفتح حدودها نحو أوروبا

الثانية عشرة وعشر دقائق ظهرًا بتوقيت إسطنبول، السبت 29 شباط/ فبراير 2020، يقول الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في خطاب أمام أعضاء حزبه "العدالة والتنمية" إن تركيا قررت فتح الحدود أمام اللاجئين المتواجدين في أراضيها، وذلك بعد قرابة 36 ساعة من بدء التحرك الفعلي للاجئين نحو ولاية "أدرنة" الحدودية مع اليونان، ليكون كلام الرئيس التركي بذلك، أول تصريح رسمي حول فتح الحدود.

أطلقت تركيا بهذا التصريح، رصاصة الرحمة، على الاتفاق الموقع مع الاتحاد الأوروبي، عام 2015، والذي نص على منع تدفق اللاجئين من أراضيها، مقابل مبالغ مالية تقدم كدعم لمشاريع اجتماعية واقتصادية وتعليمية تخص اللاجئين في تركيا.

من بين 6 مليارات يورو تعهد بها الاتحاد الأوروبي، موجهة للمنظمات غير الحكومية المسؤولة عن برامج دعم للاجئين في تركيا، ذكر الاتحاد الأوروبي أنه تم تأمين 4,7 مليارات حُوّل منها بالفعل 3,2 مليارات.

في ذات الوقت الذي كان يتحدث فيه الرئيس التركي، كانت الحافلات التي تنقل اللاجئين، قد اقتربت من الحدود اليونانية التركية، بعد أن أقلتهم من إسطنبول، لينضموا إلى المئات ممن وصلوا منذ ليل الخميس 27 شباط/ فبراير الماضي، حين أعلن مسؤول لم يُكشف عن اسمه عن فتح الحدود مجددًا، مع دول الاتحاد الأوربي، والمقصود هنا، اليونان.

على الحدود.. برفقة اللاجئين

وصل مراسل "عرب 48قصي عمامة، إلى مدينة إیپسالا، التابعة لولاية أدرنة، وهي واحدة من النقاط التي باتت ساخنة، مع توافد اللاجئين إليها.

فيما يصل المئات إلى النقاط الحدودية مع اليونان، يُنظم حرس الحدود التركي اللاجئين في مجموعات، وينشرهم على عدة نقاط على طول الحدود، ويزود العناصر الأتراك اللاجئين بكل التوجيهات حول الطريق وبعض المخاطر.

عند الخامسة من مساء السبت، وبعد ساعات من خطاب إردوغان، انسحب حرس الحدود التركي من الشريط الحدودي، تاركًا إياه للاجئين الذي أشعلوا النيران للتدفئة وافترشوا الأرض.

المناطق الحدودية في مدينة مدينة إیپسالا ("عرب 48")

على الجانب الآخر من الحدود، عزز حرس الحدود اليوناني من عناصره وقواته، وبدا مستنفرًا إلى أقصى الدرجات، مع تزايد الضغط عليه من قبل اللاجئين، وبالذات الشبان الذي يحاولون العبور بأي ثمن.

بعض الشبان الذين التقيناهم، عبروا عن استعدادهم للتعرض للطلقات النارية، مقابل ما سموه "فتح ثغرة" في الشريط الحدودي، كي يتمكن بقية اللاجئين من دخول الأراضي اليونانية.

يأس وتعب وانتظار

ليسوا شبانًا فقط، نساء وأطفال بعضهم رضّع، وصلوا منذ يوم الخميس إلى الشريط الحدودي، بعض العائلات لم تحمل أي متاع، وآخرون رموّا ممتلكاتهم في إسطنبول ما إن سمعوا بنبأ فتح الحدود، فيما تنخفض الحرارة مع دخول ساعات الليل.

تتوالى المحاولات من قبل الشبان لاجتياز الحدود. الأنباء الواردة من الطرف اليوناني تقول إن الداخلين يتعرضون للضرب من قبل حرس الحدود اليوناني، الذي يرمي كل ما يحمله اللاجئون من هواتف خلوية ومتعلقات شخصية، قبل أن يجبرهم على العودة إلى الأراضي التركية.

في إسطنبول، يعلن وزير الداخلية سليمان صويلو، عند الحادية عشرة وخمسين دقيقة من ليل السبت، أن عدد من تجاوزا الحدود التركية اليونانية وصل إلى 47 ألف مهاجر، وفق ما تنقل عنه وكالة "الأناضول" الرسمية، يعود صويلو ليقول صباح الأحد إن العدد بلغ أكثر من 76 ألفاً، ليقول مساء اليوم ذاته وقبل منتصف الليل، إن العدد ازداد عن مئة ألف.

قلة ممن وصلوا إلى الشريط الحدودي يقررون العودة إلى المدن التركية التي أتوا منها، أغلبهم وصل من ولايات قريبة، كإسطنبول وبورصة وأنقرة.

رغم أن الشائعة التي تشير إلى أن اللاجئين الواصلين إلى الحدود هم سوريون، إلا أننا رصدنا لاجئين من أفعانستان والصومال وغينيا والعراق وفلسطين، وكانوا الأغلبية، وقد وصلوا فعلاً إلى الشريط الحدودي.

تسهيلات تركية..

فرضت أنقرة منذ محاولة الانقلاب في تموز/ يوليو عام 2016، إذن سفر على اللاجئين السوريين الراغبين بالتنقل بين الولايات، بالطرق البرية أو عبر الجو، وتشددت في تطبيقه وفرضت غرامات على المخالفين قد تصل للترحيل إلى سورية، إلا أن كل ذلك انهار الآن.

تتساهل الشرطة التركية وحرس الحدود مع السوريين بشكل غير مسبوق، لم تعد شركات الطيران وشركات النقل البري تطلب من أي سوري إذن السفر، حتى الأوراق الثبوتية لم تعد تطلب منهم في محطات المواصلات العامة.

الحافلات التي تنقل اللاجئين من إسطنبول إلى أدرنة، ومن أدرنة إلى الشريط الحدودي، صارت تعمل مجانًا، حيث يجري نقل اللاجئين حتى الشريط الحدودي في رحلة كانت تكلف سابقًا 100 دولار أميركي على الأقل.

أول الضحايا

صباح الإثنين، أعلن ناشطون سوريون عن مقتل شاب سوري برصاص حرس الحدود اليوناني، بعد ليلة حاول فيها الشبان اختراق الحدود، واستخدم فيها حرس الحدود اليوناني، الغاز المسيل للدموع بكثافة ولساعات.

منتصف النهار، يقول التلفزيون التركي الرسمي، إن طفلاً قضى غرقًا، حين منع خفر السواحل اليونانية قارب لاجئين من الوصول إلى الشواطئ اليونانية.

يدب الذعر في قلوب اللاجئين. قسم منهم يبدأ بالعودة إلى الداخل التركي، لكن آخرين، يقررون الاستمرار في المحاولة، أو التوجه إلى نقاط حدودية أخرى.

خزان اللاجئين

تشكل الولايات التركية خزانًا كبيرًا للاجئين، وتستضيف البلاد وفق التصريحات الرسمية خمسة ملايين لاجئ، تقطعت بهم السبل الشرعية وغير الشرعية نحو أوروبا، منذ توقيع اتفاق 2015، تحديدًا منذ الخامس عشر من آذار/ مارس ذلك العام، حيث توقفت الرحلات غير الشرعية، بعد موجات هجرة غير مسبوقة.

المناطق الحدودية في مدينة إیپسالا ("عرب 48")

بقيت طرق الرحلات غير الشرعية موجودة بحرًا وبرًا، لكنها خطرة ومكلفة وباتت غير مضمونة النتائج بعد ذلك التاريخ، بالمقابل استقبلت تركيا ما يزيد عن مليون سوري خلال السنوات الخمس الماضية، بالإضافة للاجئين عراقيين ويمنيين وأفغان وليبيين ومصريين، وإن لم يحمل معظمهم صفة لاجئ بشكل رسمي، إلا أنهم لاجئون عمليًا.

اليوم مع القرار التركي، الذي عاد الرئيس التركي ليؤكد عليه اليوم، فتح الباب أمام مئات الآلاف من المنتظرين منذ سنوات، يضاف إليهم شريحة لم تكن في الحسبان.

كما حدث عام 2015، يصل سوريون يحملون إقامات في دول الخليج العربي، إلى تركيا، استعدادًا للانتقال منها إلى دول الاتحاد الأوربي عن طريق كسر الحدود، كثير منهم يتركون كل شيء خلفهم في دبي مثلاً، تمهيدًا للانتقال إلى دولة في الاتحاد الأوروبي.



خاص | "رافقتكم السلامة".. تركيا تفتح حدودها نحو أوروبا