"فيسبوك": ضربات اقتصاديّة... وانحياز للمستبدين العرب

"فيسبوك": ضربات اقتصاديّة... وانحياز للمستبدين العرب
امتنع "فيسبوك" عن أخذ موقف ضد منشورات ترامب (أ ب)

بداية العقد الماضي، كان يُقال تندّرًا إن "فيسبوك" أكبر دولة في العالم. ومع ازدياد شعبيّة الموقع ازدادت قيمته السياسيّة والاجتماعيّة. فلفت الموقع النّظر إليه مع الاحتجاجات الإيرانيّة التي تلت إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسًا عام 2009، قبل أن يكون لاستخدامه دور أساسي في ثورات الرّبيع العربي عام 2011.

إلا أن الصورة الحاليّة للموقع تبدو مغايرةً تمامًا، وصوّبت الاحتجاجات الأخيرة في الولايات المتحدة الضوء على السياسات التي يتّبعها الموقع، ما أدى إلى حملة مقاطعة واسعة، انضمّت إليها كبريات الشركات الأميركيّة، مثل "مايكروسوفت" و"ستاربكس" و"كوكاكولا" ومؤسّسات ومصارف.

فامتنع موقع "فيسبوك" عن مناصرة موقع "تويتر" عندما أخفى تغريدات للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حرّض فيها على استخدام العنف أثناء التظاهرات الواسعة التي تلت مقتل جورج فلويد خنقًا.

وتتّهم الحملة "فيسبوك" بأنّه يمتنع عن رقابة وإغلاق المجموعات التي يستغّلها محرّضون على التمييز العنصري والعرقي، وعن حذف تعليقات تحوي أخبارًا مضلّلة وتحريضيّة على العنف والكراهيّة ضد السّود وضد مجموعات عرقيّة أخرى، مع استمرار استخدام النازيين منصّة في الولايات المتحدة خصوصًا.

وتبلغ عوائد "فيسبوك" من الأرباح سنويًا أكثر من 70 مليار دولار، وتسعى حملة "أوقفوا الكراهية من أجل الرّبح" إلى ضرب الشركة اقتصاديًا "حتى تفعل ما في وسعها لإزالة المحتوى الذي يروّج للكراهيّة".

ويقدّر خبراء أن المقاطعة الواسعة التي التزمت بها شركات ضخمة حول العالم ستكبّد "فيسبوك" خسائر تصل إلى 4 مليارات دولار شهريًا، قلّل منها مؤسس ومدير الشركة، مارك زوكربيرغ.

وأدّت حملات المقاطعة إلى خسارة زوكربيرغ 6 مليارات من ثروته على الأقلّ خلال يوم الجمعة الماضي فقط، إثر تراجع أسهم "فيسبوك" بـ8٪، مع تتالي بيانات المقاطعة من الشّركات.

لكنّ الشكوك تعمّ مستقبل هذه الحملات على المدى البعيد، إذ تأتي أرباح "فيسبوك" أساسًا من عشرات الشركات الصغيرة، لا من الشركات الكبرى، بالإضافة إلى أنّ هذه الشركات أعلنت مقاطعتها لـ"فيسبوك" لشهر واحدٍ فقط، هو تمّوز/يوليو الماضي.

عربيًا: انحياز للاستبداد... وللسياسة الأميركيّة

ليست الصورة عربيًا مختلفة، وإن كانت لا تحظى برعاية إعلاميّة أو بحملات مقاطعة، ففي المنطقة التي تعاني الاستبداد والاحتلال، شكّل "فيسبوك" لسنوات منفذًا يوفّر مستوى أقصى من حريّة التعبير، غير أنه في السنوات الأخيرة بدأت الصورة تتغيّر، سواءً عبر تبنّي سياسات الحكومات المستبدّة أو عبر اعتبار حركات المقاومة "حركات إرهابيّة" وحظر كل من يعتقد الموقع أن المستخدم يؤيّدها.

حظر "فيسبوك" عشرات الحسابات الفلسطينية (أ ب)
حظر "فيسبوك" عشرات الحسابات الفلسطينية (أ ب)

والجمعة، نشرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية وصفت فيه تغييرات "فيسبوك" بأنها "انصياع لإرادة المستبّدين العرب"، فخلال الأشهر الأخيرة أزال الموقع مئات الحسابات لناشطين من تونس وحتى إيران، بالإضافة إلى حذف مئات الآلاف من الرسائل.

وتلتزم "فيسبوك" بالقانون الأميركي، الذي يصنّف حركات سياسيّة عربية على أنها إرهابيّة، مثل "حماس" و"حزب الله"، ومجموعات سياسيّة أخرى، ورغم أن وسائل إعلام أميركيّة أكثر تخفّفًا من هذه القيود، إلا أن موقع "فيسبوك" يطبّق بشكل صارم هذه القوانين.

وقام "فيسبوك" بحذف عشرات الحسابات التي رفع أصحابها علم فلسطين، أو تضمّنت كلمات مثل "حماس" أو "حزب الله" حتى لو كانت في سياق إخباري أو حتى انتقادي.

وبعد اندلاع "الربيع العربي"، أصدرت الحكومات العربية قوانين ضد "جرائم الإنترنت والإرهاب" لتضييق الخناق على وسائل التواصل الاجتماعي والناشطين، وهو ما أنذر بإغلاق الموقع، فقرّر فتح مكتب في دبي للتواصل مع الحكومات، لتجنّب حظر الموقع.

واستغلت الحكومات هذه الخشية، واستخدمت صنوفا متنوعة ومعقّدة من الضغط، مثل التهديد بفرض ضرائب على أرباح "فيسبوك"، أو عبر تشغيل الجيوش الإلكترونيّة التي تلاحق المعارضين.

فمثلا، تملك إحدى الهيئات الرقابية المدعومة إسرائيليًا "جيشًا إلكترونيًا" قوامه 15 ألف "متطوّع" من 73 دولة لمراقبة "فيسبوك"، ما أدّى إلى حذف كبير في المحتوى الفلسطينيّ الرقمي.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ