الحل السياسي في سوريا رهن التوافق الدولي: ساحة تصفية حسابات؟

الحل السياسي في سوريا رهن التوافق الدولي: ساحة تصفية حسابات؟

تبدو الأوضاع في المنطقة العربية أكثر توترًا، حيث تتصاعد الأزمات الدبلوماسيّة أكثر فأكثر، لتتجاوز الأزمة السورية قواعد الاشتباك على الأرض السورية، إلى تصفية حسابات دبلوماسيّة علنية بين الأطراف الداعمة للنظام والمعارضة، بعدما كان الأمر في السابق على عكس ما يحدث الآن، حيث استغلّت القوى الإقليمية الأزمة في سوريا لتصفية صراعات تاريخية دبلوماسية وطائفيّة، كان لها عظيم الأثر في مد أمد الصراع عسكريًا وسط تعنّت دبلوماسي كبير من كافة الأطراف.

إعادة تموضع؟

بالإضافة للتطورات التي تشهدها الأرض السورية، والهزيمة المعنوية التي مني بها تنظيم الدولة في خسارته لأجزاء كبيرة من مدينة الرمادي، يشهد الحراك الدبلوماسي في الشأن السوري تغيّرًا وزخمًا، أكبر من زخم التغيير في قواعد الاشتباك على الأرض، فالتنافس المحموم بين القوى الداعمة لفصائل المعارضة المختلفة، التي دعمت كل منها فصائل محسوبة عليها، وصلت حد التعارك فيما بينها في السيطرة على المناصب في المجلس الوطني الانتقالي والائتلاف السوري المعارض، حتى بدا واضحًا قبل أكثر من عام، الانقسام الكبير من الدول الثلاث الأكثر دعمًا للمعارضة: تركيا، قطر والسعودية؛ حيث وصل الصراع مداه في سحب السعودية سفيرها من قطر.

لكن التدخل الروسي، وسيطرة داعش على مناطق شاسعة في سوريا والعراق من قبل، والرفض الأميركي لإقامة مناطق عازلة على الحدود مع تركيا والأردن، بالإضافة للفيتو الذي وضعه البيت الأبيض على تسليح المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات، خوفًا من وصولها لمقاتلي الدولة الإسلامية - داعش؛ أجبر السعودية وتركيا، أساسًا، على التقرب من بعضهما البعض، من أجل التنسيق في دعم المعارضة عسكريًا وسياسيًا، بعيدًا عن المظلة الأميركية.

وبرز هذا التطور للعلن مع وصول الملك سلمان للحكم في المملكة العربية السعودية، حيث علت أصوات في البلدين تنبئ بحلف عسكري عتيد مشترك، مكّن المعارضة السورية من تحقيق اندفاعة قوية في إدلب وحلب، وليس آخر ما بدا ورشح الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها إردوغان في السعودية والإعلان عن مجلس استراتيجي عسكري، سياسي، اقتصادي وثقافي مشترك للبلدين، بعدما وعي البلدان لمحاولات الإضعاف التي يواجهانها وفشل الرهان التركي على مصر محمد مرسي والرهان السعودي على مصر عبد الفتاح السيسي.

أما في الجهة المقابلة، فلا يبدو أن صورة التوافق، التي سادت الدول الداعمة لنظام الأسد طوال خمس سنوات، هي عمر الثورة السورية، ما زالت قائمة، حيث أبرزَ التدخل العسكري الروسي الخلاف الروسي-الإيراني للعلن، إذ نقلت تقارير غربية عن مصادر مقربة من النظام الإيراني أن إيران سحبت معظم قواتها المقاتلة تحت إمرة قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، من معارك ريفي حلب الشمالي والجنوبي، وما يؤكد ذلك، قول وسائل إعلام إيرانية، تعرف بقربها من النظام، إن التنسيق الروسي الإيراني يضعف لصالح التنسيق الروسي الإسرائيلي، وإن ذلك انعكس من خلال الأريحية التي يتمتع بها الطيران الإسرائيلي في تنفيذ غاراته وطلعاته الجوية في سوريا، ولم يكن آخرها استشهاد عميد الأسرى اللبنانيين، سمير القنطار، في غارة قال حزب الله إنها إسرائيلية، في حين يقول النظام إنها من تنفيذ فصائل مسلحة معارضة.

حروب الأحلاف؟

أما المعارك الدبلوماسية، التي لا تقل شراسة عن المعارك على الأرض، فقد كان آخر تجلياتها الأزمة الدبلوماسية بين الرياض وطهران، على خلفية اقتحام متظاهرين إيرانيين للقنصلية السعودية في مشهد والسفارة في طهران، حيث اتهمت السعودية قوات الباسيج "بتسهيل دخول المتظاهرين لداخل السفارة، ما يعرّض حياة دبلوماسييها للخطر"، ما حدا بالسعودية لطرد الدبلوماسيين الإيرانيين من الرياض خلال 48 ساعة، بعدما قامت بإجلاء رعاياها من إيران، وصولًا حد قطع العلاقات بين البلدين، وهو أمر غير معهود في السياسة الدبلوماسية السعودية، التي، عادةً، ما لا تأخذ طابعًا حاسمًا، مع الاكتفاء حتى في أكثر الأزمات حساسيّة، باستدعاء السفير الإيراني والاحتجاج لديه.

أما في المقلب الآخر، فما زال التوتر الشديد يسيطر على العلاقات بين تركيا وروسيا، منذ أسقط الجيش التركي طائرة مقاتلة روسية اقتحمت المجال الجوي التركي في لواء الإسكندرونة المحتل، وفشل المساعي الدولية في عقد أي لقاءات بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين والتركي، رجب طيّب إردوغان.

ولا يمكن في هذا السياق، أيضًا، تجاهل التراجع الكبير لقوات الحوثي المدعومة إيرانيًا في اليمن، حيث تلاشت النشوة الإيرانية بعدما استلم الحوثي مقاليد السلطة في اليمن، إذ خُيّل إليها، وقتئذ، أنها تسيطر على أهم مضيقين في شبه جزيرة العرب: هرمز وباب المندب، ما يعني تحكمًا مباشرًا بخط تصدير البترول العربي إلى العالم.

إذًا، يمكن تلخيص الصورة بالتالي، لا تريد إيران خسارة سوريا بعدما خسرت اليمن، أو قل، فشل رهانها على الحوثي في اليمن، خصوصًا أنه جاء نتيجة لتدخل عسكري سعودي مباشر. وبالمقابل، لا تريد تركيا أو السعودية أن يستمر نظام الأسد في الحكم، بعدما خاضتا ضده معارك دبلوماسية كبيرة ودعمتا فصائل سورية معارضة بالمال والعتاد والسلاح.

كيف سينعكس ذلك على المفاوضات في جنيف؟

صحيح أن التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا جاء مفاجئًا، لكنه، مع مرور أكثر من شهرين عليه، لم يغيّر الأوضاع على الأرض كثيرًا لصالح قوات النظام، مقارنة بالغارات العسكرية الكثيفة التي تشنّها، إذ لم تنجح الغارات الروسية إلا في ارتكاب المجازر وهدم البيوت، لكنه، بالمقابل، ضمن الهيمنة الروسية على قرارات النظام السوري.

وكان من المتوقع أن يزور المبعوث الدولي للسلام في سوريا، ستيفان دي مستورا، العاصمة السورية، دمشق، الإثنين، لكنه أجّل الزيارة أسبوعًا، من أجل جولة في العواصم المعنية بالقرار السوري، منها الرياض وأنقرة والدوحة وربما طهران، حيث لم يعلن عن ذلك حتى الآن، وأبرز "التعنت" الذي يواجهه دي مستورا، هو "خلق" التوافق بين الدول المختلفة على تشكيل الوفد السوري المعارض إلى مفاوضات جنيف، حيث تصر السعودية على أن الوفد الذي تم اختياره في اجتماع الرياض الأخير، برئاسة رئيس الوزراء السوري المنشق، رياض حجاب، هو الممثل الشرعي والوحيد للمعارضة السورية، نظرًا لأنه انبثق عن مؤتمر موسع شمل "كافة أطياف المعارضة السورية المسلحة وغير المسلحة"، وهنا مربط الفرس في الخلاف بين روسيا والسعودية، حيث ترفض روسيا مشاركة ممثلين عن المعارضة المسلحة، خصوصًا أحرار الشام، في الوفد المعارض، إذ تعتبرها روسيا حركة إرهابية، بالإضافة إلى استهداف الطيران الروسي المباشر لزهران علوش، الذي وافق على التفاوض مع النظام ووقّع على بيان الرياض، ما يعني أنه موافق على كافة مخرجات مؤتمر جنيف مستقبلًا، وما يعني أيضًا، أن مؤتمر الرياض أغضب الروس جدًا.

ولا تقتصر "المواجهات الدبلوماسية" بين الأحلاف على تشكيل وفد المعارضة ومكوناته، إنما على تفسير إعلاني مؤتمر فيينا 1 و2، وقرار مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا رقم 2254، حيث يرى النظام السوري أن "الأولوية هي في محاربة الإرهاب واستعادة الجيش السوري السيطرة على الأراضي التي تخضع لغير سلطة الدولة (لا يشمل الجولان المحتل) قبل بدء أي عملية سياسية"، إذ يرفض النظام مصلح العملية الانتقالية.

ومما يصر عليه النظام السوري، أيضًا، عقد حوار بين النظام السوري و"المعارضة الوطنية" بتوافق دولي في جنيف السويسرية، بعيدًا عما وصفه النظام بـ "العصابات المسلحة وعملاء الخارج" من أجل الوصول لحكومة وحدة وطنية تؤدي اليمين الدستورية أمام الأسد في دمشق، تتفرغ بعدها لصياغة دستور جديد يطرح للاستفتاء العام في البلاد.

أما تفسير النظام لكلمة الانتخابات التي وردت في القرار 2254، التي لم تعرّف بمضاف إليه في القرار، فهي انتخابات برلمانية لا رئاسية، تجري في نهاية العملية السياسية بعد الاستفتاء على الدستور، أي بعد 18 شهرًا من بدء العملية السياسية، أما الأسد، فهو باقٍ في منصبه حتى انتهاء عهدته الرئاسية الأولى، وفق الدستور الجديد في العام 2021، مع إمكانية ترشحه لولاية رئاسية جديدة إن أراد، وللحق، فإن النظام السوري قد يبدي مرونة في تقديم الانتخابات للعام 2019، انسجامًا مع "أجواء التوافق الدولية".

أما هذه الثغرة في القرار الدولي، فسببها، وفق دبلوماسيين غربيين، وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، الذي أقنع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، بضرورة إزالة كلمة رئاسية بعد كلمة انتخابات "فلربما توافق السوريون أن تختار الحكومة رئيس البلاد الجديد مؤقتًا".

هذا عن الموقف الرسمي للنظام السوري، أما روسيًا، فيبدو الموقف أقل تعنتًا، وسط وضوح جلي لمدى سيطرة روسيا على مقاليد القرار في دمشق، حيث قال مسؤول سوري في جلسة خاصة إن الروسي "يعطوننا الدواء المر تدريجيًا"، إذ يفسرون الدواء المر بالحل السياسي، فقد قال مسؤول روسي لجهات غربية، أثناء جلسة مباحثات إن النظام كان لا يستجيب للضغوط الروسية سابقًا، لكنه، الآن، لا يمكن إلا أن يستجيب، في إشارة لتأثير التدخل العسكري الروسي على النظام.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018