ماذا تمثِّل آخر قلاع قوات المعارضة السورية في ريف اللاذقية لتركيا؟

ماذا تمثِّل آخر قلاع قوات المعارضة السورية في ريف اللاذقية لتركيا؟
(العربي الجديد)

بدأت قصة المنعطف في العلاقات بين أنقرة وموسكو، في الرابع والعشرين من تشرين الثاني 2015، وكان سبب الانعطاف الذي احتاج إلى وقت غير قصير، لترميم العلاقة من جديد؛ إسقاط تركيا لطائرة روسية من طراز سوخوي 24 في جبال التركمان، بريف اللاذقية الشمالي.

 حينها عندما كانت الطائرة الروسية تحوم في جبل الزاهية، التابع لجبل التركمان، على خلفية هجوم واسع شنّته قوات المعارضة السورية، لاستعادة السيطرة على الجبل الاستراتيجي البالغ ارتفاعه 1145 مترا، وبسبب قربه مسافة 5 كيلو مترات من الحدود التركية، فإنّ الطائرة الروسية عمدت إلى التحليق بادئ الأمر، ثم الالتفاف تمهيدا للقصف، وهنا تلقت عددا من الإنذارات، قبل أن تسقطها المقاتلات التركية بصاروخ من طراز "إف 16".

في ذلك الوقت، كانت قوات النظام تشن أعنف حملة عسكرية برية وجوية مع روسيا لاستعادة مناطق الساحل السوري المحررة منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، حيث أدركت روسيا مبكرا أن الهدف الذي جاءت من أجله، وهو منع سقوط النظام السوري، لن يتحقق إلا بإبعاد المعارضة عن المناطق التي سيطرت عليها الأخيرة في ريف اللاذقية، خصوصا بعد سيطرة "جيش الفتح" على مساحات واسعة في الشمال السوري خلف جبلي التركمان والأكراد، ما جعل خطوط الإمداد مفتوحة حتى مدينة حلب. وكذلك سعت موسكو لحماية قاعدتها العسكرية في قرية حميميم بريف اللاذقية التي تطاولها صواريخ "الغراد" من مكان تمركز المعارضة في جبال الساحل.

وعمدت روسيا بعد ذلك إلى منع تركيا من التدخّل لصالح التركمان في سورية، بعد نشرها منظومة الدفاع الجوي الأحدث في العالم والمعروفة باسم "إس 400"، في مطار حميميم العسكري بريف اللاذقية، في رسالة روسية واضحة مفادها بأنها لن تتوانى عن الرد بالمثل ضد أي طائرة تركية قد تخترق الأجواء السورية، وبالتالي تحقيق حظر جوي.

ومنذ ذلك الحين، وبعد سيطرة قوات النظام على معظم ريف اللاذقية، بقيت بعض المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة، ورغم أن تلك المناطق لم تعد تشكل خطرا على النظام السوري وروسيا، خصوصا استهداف قاعدة حميميم، إلا أنها بقيت صمام أمان بالنسبة لمحافظة إدلب، كما أنها منعت النظام السوري من وصل حدوده مع تركيا.

عادت المياه إلى مجاريها بين روسيا وتركيا، بل وتحسنت أكثر من ذي قبل، على صعيد الخارطة السورية، ودخل ريف اللاذقية الشمالي، ضمن مناطق خفض التصعيد في سورية، المتفق عليها في مفاوضات أستانة، بين الدول الضامنة روسيا وإيران وتركيا.

خارطة التوزع
ينقسم ريف اللاذقية الشمالي، إلى جبلين، هما جبل الأكراد وجبل التركمان، ويفصل النظام السوري حاليا عن السيطرة الكاملة، بعض القرى والمواقع الاستراتيجية، والتي لو استطاع النظام التقدّم إليها، لسهل له ذلك فتح معركة إدلب من الناحية العسكرية، بعيداً عن التفاهمات الإقليمية والدولية.

جبل التركمان
لا تزال قوات المعارضة السورية تسيطر في جبل التركمان على قرى ومواقع الحياة وشحرورة وسلور وكلس واليمضية وشنبر وعين عيسى، وجميع هذه المناطق بالقرب من الحدود السورية التركية.

حاولت قوات النظام التقدم إليها في وقت سابق من عام 2017، وتمكنت حينها من السيطرة على جزء منها ولكن سرعان ما استعادها مقاتلو المعارضة، وتمكنوا بعد ذلك من تحصينها والحفاظ عليها رغم محاولات قوات النظام المتكررة السيطرة عليها.

وتقع هذه المناطق تحت سيطرة "الفرقة الأولى"، و"الفرقة الثانية"، و"فيلق الشام"، و"هيئة تحرير الشام"، ويقول أبو زيد الجبلاوي، القائد السابق للواء "النصر" التابع لـ"الفرقة الساحلية الأولى"، إحدى أقوى فصائل المعارضة في ريف اللاذقية لـ"العربي الجديد"، إن قرية عين عيسى تعد الأقوى بين هذه المواقع.
جبل الأكراد

أما بالنسبة لجبل الأكراد فهناك أيضا عدد من القرى التي لم تتمكن قوات النظام من التقدم والسيطرة عليها رغم جميع محاولاتها، وأهم تلك القرى هي قرية كبانة التي تعد من أهم المناطق في الساحل بسبب ارتفاعها، والتي تشرف على مناطق في ثلاث محافظات وهي سهل الغاب في محافظة حماة ومعظم قرى جبل الأكراد باللاذقية ومدينة جسر الشغور وصولاً إلى أريحا في ريف إدلب.

كما تسيطر قوات المعارضة على قرى الكندة وتردين وعين الحور والتفاحية وبرزة وجميعها تشكل خطا متصلا لتكون معظمها على جبهات الاشتباك، وتكون هي المناطق الفاصلة بين مواقع المعارضة في إدلب وقوات النظام في اللاذقية.

وتسيطر على هذه المناطق أيضا كل من "الفرقة الأولى"، و"الفرقة الثانية"، و"فيلق الشام"، و"هيئة تحرير الشام"، إضافة إلى وجود الحزب التركستاني.

استهداف قاعدة حميميم
لطالما كان مطار حميميم، الذي تحول إلى قاعدة روسية بعد التدخل العسكري لموسكو إلى جانب النظام السوري في سورية في الثلاثين من أيلول 2015، الهدف الأهم بالنسبة لقوات المعارضة السورية، والتي نجحت في مرات كثيرة باستهدافه.

لكن وبعد استعادة قوات النظام السوري لمعظم الريف الشمالي، أضحى استهداف المطار أمرا بالغ الصعوبة، حيث يؤكد القائد السابق للواء "النصر"، أبو زيد الجبلاوي، أن أقرب نقطة تفصل مناطق سيطرة المعارضة عن المطار تبعد نحو 45 كيلو مترا، مشيرا إلى أن المعارضة لا تملك سلاحا يصل مداه إلى هناك.

صمام أمان

حاولت قوات النظام السيطرة على تلك القرى بريف اللاذقية بعد سيطرتها على معظم مناطق جبل الأكراد والتركمان عام 2016، ولكن دفاع قوات المعارضة حال دون السيطرة والتقدم باتجاه إدلب. بعد ذلك دخلت مناطق سيطرة المعارضة السورية في ريف اللاذقية في اتفاق خفض التصعيد، الذي تم التوصل إليه خلال المباحثات التي جرت في أستانة، برعاية إيرانية روسية تركية.

ويقول الناشط الإعلامي أحمد حاج بكري إن "اتفاق خفض التصعيد لم يطبق في أي من مناطق سورية ليطبق في ريف اللاذقية، فهو حبر على ورق لا أكثر، إذ استمرت قوات النظام في التقدم على أبو ظهور في إدلب والغوطة في دمشق رغم دخولهما اتفاق خفض التصعيد".

وحول نقاط التثبيت التي وضعتها تركيا أخيرا في ريف اللاذقية، في قرية شنبر بين جبل الأكراد وجبل التركمان، وقرية اشتبرق، التي تقع بين جسر الشغور وقرية كبانة، وعما إذا كانت المناطق المتبقية هي بمثابة خط أحمر بالنسبة لتركيا، يرى حاج بكري في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "تلك النقاط جاءت لمنع أي محاولة تقدم جديدة لقوات الأسد".

ويضيف الناشط الإعلامي، بأن "الرفض التركي، بل الرفض الدولي لسيطرة النظام على مناطق ريف اللاذقية، يأتي من باب أنه في حال سقوط هذه المناطق التي تعتبر سلسلة ممتدة على الحدود التركية السورية، فإن الباب سيصبح مفتوحا أمام الدخول إلى جسر الشغور، والوصول إلى إدلب بعد ذلك".

وعن السيناريو المتوقع هناك، يرى المصدر أن "مستقبل ريف اللاذقية يتجه لاستعادة قوات المعارضة جبلي الأكراد والتركمان، بهدف إعادة الضغط على النظام السوري، خصوصا بعد سيطرة قوات النظام على ريف دمشق وحمص".

بدوره، يؤكد القيادي العسكري أبو زيد الجبلاوي، أنه "إن لم نقل أن هذه المناطق هي خط أحمر تركي، فيمكننا القول إن أنقرة تفضل وجود قوات المعارضة على الحدود بدل النظام، وهي تسعى جاهدة، لإبعاد قوات النظام من هناك، وكي تبقى هذه المناطق صمام أمان بالنسبة لإدلب".