خالد أبو صلاح لـ"عرب 48": أنا عاتب على الفلسطينيين

خالد أبو صلاح لـ"عرب 48": أنا عاتب على الفلسطينيين
الدمار في بابا عمرو (أ ب)

يقارن الناشط السياسي السوي، خالد أبو صلاح، بين الثورة الفلسطينية والثورة السورية، حين نسأله هل لا زالت سورية تعيش ثورة، بعد ثماني سنوات من الصراع المسلح، الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف من المدنيين، وشرّد أضعافهم في كل أصقاع العالم؟ يقول أبو صلاح "الثورة الفلسطينية لا تزال قائمة في نفوس كل الفلسطينيين، وكذلك هي الثورة السورية، تلك حقيقة، الثورة لا تزال في نفوس أكثر من مليون عائلة سوريّة فقدت أبناءَها، وآلاف العائلات التي تنتظر معتقليها المغيبين في سجون النظام السوري".

أبو صلاح
خالد أبو صلاح

عُرف خالد أبو صلاح، كناشط سياسي، منذ عام 2011، حين كان يعيش في حي بابا عمرو الحمصيّ، التي عُرفت باسم عاصمة الثورة السورية، وبقي فيها حتى يوم تهجيرها، الذي يصفه في حوار مع "عرب 48"، بأنه كان تهجير الموت "لم تنقلنا حافلات خضراء إلى شماليّ سورية، لقد دخلت علينا الدبابات، دخل علينا الموت إلى بابا عمرو".

المقارنة الصعبة

شهدت الأسابيع الأخيرة موجةً ثانيةً من الربيع العربي، فسقط عمر البشير في السودان بعد ثورة شعبية لم يغادر فيها السودانيون الشوارع، وسبقهم الجزائريون الذي أجبروا الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، على التنحي بعدما سحب ترشحه لولاية خامسة.

حدثان عربيان يقف أمامهما السوريون بكثير من الحسرة والتساؤل، لماذا لم ننجح كما غيرنا في العالم العربي من تونس إلى مصر عام 2011، إلى السودان والجزائر 2019؟ يقول أبو صلاح إن طبيعة النظام السوري تختلف كثيرًا عن غيره من الأنظمة العربية "النظام هو نظام شمولي بالكامل، لا وجود لأحزاب معارضة ولا لمجتمع المدني، فيما الجيش السوداني، مثلًا، يمتلك تاريخًا قد يفتخر به، يعود لأيام سوار الذهب".

من المظاهرات في بابا عمرو.. "عاصمة الثورة" (أ ب)
من المظاهرات في بابا عمرو.. "عاصمة الثورة" (أ ب)

تستمر المقارنة التي يسردها أبو صلاح "في الجزائر لك أن تعدد الأحزاب المعارضة وطبقة رجال الأعمال، وأجهزة الدولة والنقابات، التي تعطي هامشًا للتحرك بعيدًا عن القرار المركزي الذي من الممكن له أن يقمع انتفاضة الشعب".

على كتف "إسرائيل"

أكثر النقاط التي أوصلت الثورة السورية إلى ما هي عليه اليوم، هي حدودها مع دولة الاحتلال، يقول أبو صلاح، يليها التدخل الخارجي وعدم الرغبة الدولية بالقيام بأي تغيير في سورية.

يعدّد أبو صلاح، الذي قابل وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، عام 2012، ما يسميه الأسباب الجيوساسية المحيطة بسورية، والتي يذكر منها عدم الرغبة الدولية بأي مساعدة للسوريين في الحصول على حقوقهم.

"كانت الولايات المتحدة ولا تزال، تريد إدارة الصراع في سورية وليس إنهاءه، وبالتالي تريد أن تستنزف سورية وتركيا وحتى إيران، ثم لاحقًا تريد أن تجر روسيا إلى المنطقة لاستنزافها في البلاد".

عبد الباسط الساروت( من اليمين) وخالد أبو صلاح (من اليسار) خلال إحدى التظاهرات
عبد الباسط الساروت ( من اليمين) وخالد أبو صلاح (من اليسار) خلال إحدى التظاهرات

يعطي أبو صلاح دورًا محوريا لروسيا في تأخر انتصار الثورة السورية، أو حتى تحقيقها لأقل مطالبها، يقول إن روسيا، وبعد التدخل العسكري في ليبيا تحديدًا، أدركت أن آخر منافذها إلى المتوسط والمياه الدافئة، بات محصورًا في سورية، وهي ليست مستعدة، بأيّ شكل من الأشكال، لخسارة ذلك.

ويضيف أنّ "روسيا القيصرية خاضت 13 حربًا مع الدولة العثمانية كي تسيطر على المعابر البحرية الواصلة إلى المياه الدافئة، لم تكن مستعدة للتخلي عن موانئها في السواحل السورية، بالتالي يمكن القول إنّ تطور الأحداث في ليبيا جعل من الثورة السورية تقف أمام واحدة من أكبر عقباتها، القوة العسكرية الروسية".

هل كانت ستنجو؟

هل كانت سورية ستنجو من كل خرابها الحالي، لو أن الجيش انقلب على الأسد عام 2011؟ هل كان سيتغير مصيرها عن مصير ليبيا التي تعيش صراعا داميًا منذ سقوط نظام معمر القذافي؟

يرفض أبو صلاح العودة إلى الخلف وافتراض ما يمكن أن يحدث "لا يمكن لنا أن نحاكم الماضي بعيون الحاضر، لم يكن السوريون خائفون من السيناريو الليبي لأنه لم يكن حدث بعد".

يُحمل أبو صلاح النظام السوري أولًا المسؤولية الأخلاقية والقانونية عما حدث في سورية، يعود بالذاكرة إلى عام 2011، تحديدًا إلى خطاب الأسد الأول في مجلس الشعب، يقول "جميعنا كنا نعتقد أن الأسد إصلاحي مختلف عن والده، لكنه قال في ذلك الخطاب، من ليس معنا فهو عدونا، عرفنا لاحقًا أنه مجرم حرب، تمامًا كوالده".

يشدّد أبو صلاح على عدم محاكمة الشعب السوري، الذي لم يستطع تنظيم نفسه بالشكل المطلوب، فهو شعب لم يمتلك أحزابًا ولا مؤسسات ولا مجتمعًا مدنيًا، ولا أيّة حياة سياسية منذ عام 1963.

الفلسطينيون، شبيحة أو ثوار؟

يطلب أبو صلاح أن ننقل كلامه حرفيًا، حين نسأله عن موقف اللاجئين الفلسطينيين في سورية من ثورة البلاد، يقول إن السوريين عاتبون على بعض الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني والمهجر، بناء على موقفهم المؤيد للنظام، ويُذكّر ببعض محطات الصراع العربي الإسرائيلي ودور النظام السوري فيه، ويبدأ بالتذكير من عام 1970، حين سحب حافظ الاسد، وكان حينها وزيرًا للدفاع، قوات للجيش السوري من إربد في الأردن، تاركًا لأحدث أيلول الأسود أن تذهب إلى الاتجاه الذي يوصف بـ"المقتلة بحق المقاومة الفلسطينية"، التي حوصرت في عجلون.

من الدّمار في تل الزعتر.. لا يختلف عن الدمار في حمص (أرشيف)
من الدّمار في تل الزعتر.. لا يختلف عن الدمار في حمص (أرشيف)

يقول أبو صلاح إنّ جزءًا من الفلسطينيين يعتقدون أن النظام يقف مع القضية الفلسطينية، ويصفونه بالمقاوم، رغم أن التاريخ يقول إنّ أول ما فعله حافظ الأسد بعد أن بات رئيسًا للبلاد، هو الدخول في الحرب الأهلية اللبنانية، وارتكب هناك مجزرة تل الزعتر، فيما تُركت المقاومة الفلسطينية في عام 1982، لتقاتل وحدها لأشهر، بعد أن وقّع النظام اتفاق هدنة مع الاحتلال.

في عام 1982، أيضًا، حيث وصلت قوات الاحتلال إلى أطراف بيروت سريعًا، وتمت محاصرة قواعد المقاومة الفلسطينية في شرق البلاد، بعد أن انسحب النظام من راشيا والبقاع الغربي.

يُعدد أبو صلاح الكثير من ممارسات النظام السوري بحق الفلسطينيين، من معاداة ياسر عرفات لسنوات طويلة، إلى محاولات شق منظمة التحرير، إلى مجازر مخيمات الفلسطينيين في لبنان، ووصلًا إلى أن أكثر من 3668 فلسطينيًا قتلوا في سورية على يد النظام السوري، وأكثر من 500 فلسطيني قتلوا تحت التعذيب في معتقلاته.

لكن أبو صلاح يقول إن الفلسطينيين السوريين هم أخوة للسوريين "عاشوا معنا منذ عام 1948، فكيف لا يكونوا جزءًا منا، منذ بداية الثورة، كان سكان مخيم حمص يصلون إلى حي باب عمرو للمشاركة معنا في التظاهر السلمي".

يرفض أبو صلاح إلا أن يرى الفلسطينيين السوريين جزءًا من المجتمع السوري بشكل كامل، ويسأل أبو صلاح "كيف بعد كل هذا هناك من يعتقد أن النظام مقاوم ويقف مع الفلسطينيين، من الفلسطينيين أنفسهم؟".

الأيام الصعبة

يتنهد أبو صلاح حين نسأله عن الفترة الأكثر قسوة عليه في السنوات الثمانية الماضية، يقول إنها تلك التي أدرك فيها "اللعبة الدولية" حين كان لا يزال في بابا عمرو، ثم هُجر إلى ريف حمص ثم إدلب، يقول "حين بدأت أرى الصورة من خارج الصندوق السوري، باتت المسألة أوضح بالنسبة إليّ، تحدثت مع الكثير من الدبلوماسيين الغربيين، أدركت الكثير الكثير عن ما يحدث في البلاد".

يقول أبو صلاح إنه قاوم بعد أن اطّلع على كل هذا، كي لا يكون جزءًا من منظومة الفساد، رغم أنه تلقّى الكثير من العروض لشغل مناصب سياسية، لكنّه، في نفس الوقت، لا يخون كل من وصل إلى منصب سياسي، بالنسبة له، لا بد أن يبقى حرًا كي يبقى يعمل على قضيته المحقة.

ثورتا الجزائر والسودان تلهبان القلوب (أ ب)
ثورتا الجزائر والسودان تلهبان القلوب (أ ب)

واجه أبو صلاح الموت كثيرًا، يذكرنا بلقطات مصورة موجودة على YouTube، حين استشهد أربعة من رفاقه بصاروخ مرّ بالقرب منه، لكنه لا يملك اليوم ما يخسره، يقول إنها قضية شعب "لا بد لها أن تنتصر وستنتصر".

يجد أبو صلاح في أحداث السودان والجزائر ما يجعله أكثر تفاؤلًا من أي وقت مضى، المستقبل للشباب العربي يقول، فيما يرى أن كل الشعوب وحتى الأنظمة تعلمت من الدماء السورية، الشعوب لم تتوقّف عن المطالبة بأحلامها، والأنظمة، وبالذات الجيوش، لم تقلد النظام السوريّ في بطشه وجبروته، لأنها أدركت أن هذا ليس بحل.

وماذا بعد؟

لن تنجح إعادة إنتاج النظام من جديد، يؤكد الناشط السياسي ويضيف أنّ "المماطلة في الوقت لا تعني إعادة إنتاجه، فملفّه القانوني بات يزكم الأنوف في المحاكم الدولية، بإمكان الدول استخدامه متى أرادت، ثم أن هناك ملايين السوريين الذين لن يعودوا إلى الخضوع لنظام الأسد".

أكثر ما يجعل أبو صلاح متأكدًا من النظام ذاهب، ولو بعد حين، هو عجزه التام اليوم وسابقًا، عن تأمين احتياجات المجتمع السوري، ويقول "كيف لنظام فشل في إدارة شؤون البلاد أيام السلام، أن ينجح بعد ثماني سنوات من الحرب ودمار كامل، ومليارات الدولارات من أجل إعادة الأعمار؟".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية