سورية: الحرب تمزق جسد أبو سليمان تدريجيًا

سورية: الحرب تمزق جسد أبو سليمان تدريجيًا
توضيحية (أ ب)

وجد السوري إبراهيم العلي، في كل مرة نزح فيها بحثًا عن الأمان، أنّ الحرب تقف له بالمرصاد وتطارده، لتحرمه سنواتها التسع من سمعه وبصره ورجليه وأصابع يده.

نزح إبراهيم قبل شهر إلى مخيم في بلدة دير حسان في محافظة إدلب، القريبة من الحدود التركية، وذلك بعد محطات نزوح عديدة خاضها هربًا من التقدّم العسكري لقوات النظام بدعم روسي. ودفع التصعيد العسكري في إدلب ومحيطها منذ مطلع كانون الأول/ ديسمبر، نحو مليون شخص إلى النزوح هربًا من المعارك والقصف، علمًا بأن عشرات الآلاف منهم سبق أن نزحوا لمرات عديدة على غرار إبراهيم.

ويحتفظ إبراهيم الذي يفترش الأرض في غرفة متواضعة في المخيم، بصور قديمة بات عاجزًا عن رؤيتها بعدما فقد عينيه جراء القصف والغارات التي لاحقته من منطقة إلى أخرى، ويبدو في إحدى تلك الصور شابًا معافى يرتدي لباسًا رياضيًا ويحمل طفلته، وفي الحديث عن هذه الصورة تحديدًا، قال إبراهيم إنه "لا أقوى على حمل أطفالي والتنقّل بهم من مكان إلى آخر، ولا أقوى على العمل أو التحرّك".

واسترسل إبراهيم قائلًا إن "كلّ رحلة نزوح تركت أثرها على جسدي الهزيل الذي بات أشبه بخريطة، وأولها في مدينة اللطامنة التي نزحت إليها من قريتي شيزر عام 2013، وأصبت بشظايا في ذراعي جراء سقوط برميل متفجر قريب مني، الأمر الذي تسبب بتفتت العظام في أنحاء مختلفة من جسدي".

وأضاف أنه نزح مجددًا مع عائلته في العام ذاته إلى مدينة معرة حرمة في جنوب محافظة إدلب المجاورة، إلا أنه لم يسلم هناك من قوات النظام التي طال قصفها المدفعي منزله وتسبّب في بتر ثلاثة أصابع من يده اليسرى، وفي عام 2014، نزحت العائلة مجددًا إلى قرية كفرسجنة في إدلب، حيث تسبّب قصف روسي كما يقول بإصابته مجددًا في قفصه الصدري وعنقه.

ولم تتوقّف المعاناة هنا، إذ فر إبراهيم في عام 2015 إلى مزرعة قرب كفرسجنة، حيث استهدف القصف، على حد قوله، منزله وأصيب في رأسه، وفي العام اللاحق، نزح مجددًا برفقة زوجته وأطفاله الذين يبلغ عمر أكبرهم الآن عشر سنوات، وأصغرهم أربع سنوات، إلى مزرعة قريبة من مدينة خان شيخون.

وروى إبراهيم أنه "كان قد مرّ عام تقريبًا من دون أن أتعرّض لإصابة"، إلا أن قصفًا حدث في في الشهر الأخير من العام 2016، تسبب بإصابة في رأسه وفقدانه السمع في أذنه اليمنى، وفي عام 2018 الذي نزحت فيه العائلة إلى قرية الشيخ مصفى جنوبي إدلب، كان بانتظار أبو سليمان كما يدعوه أقاربه بمنأى عن الحرب، ما هو أكبر بكثير من قدرته على التحمّل، إذ داس لدى عودته سيرًا على الأقدام من عمله إلى منزله، على لغم أرضي تسبّب انفجاره بفقدان رجليه ونظره بشكل تام.

وقال أبو سليمان الذي نُقل إثر إصابته إلى تركيا، إن "تلك كانت آخر مرة رأيت فيها العالم"، مضيفًا أن"هذه الإصابة كانت الأصعب"، وبقي في غيبوبة تامة لمدة شهر ليكتشف فور استيقاظه الحقيقة المُرّة، حقيقة أنه لم يعد بإمكانه رؤية العالم.

وفقد الشاب ذاكرته لخمسة أشهر بعد عودته إلى سورية، إلا أنه وبالرغم من وضعه الجسدي والنفسي السيء، لم ينفكّ عن التفكير بتأمين حياة آمنة لعائلته، وقال في هذا السياق إنه "كان علينا أن نواصل النزوح الذي لم يتوقّف".

ونزح إبراهيم برفقة عائلته، مع بدء الهجوم الأخير لقوات النظام على إدلب، إلى بلدة دارة عزة في الريف الغربي لمحافظة حلب المجاورة، إلا إنه سرعان ما بدأت قوات النظام بالتقدم في المنطقة لينزح مجددًا برفقة شقيقه إلى مخيم مكتظ في بلدة دير حسان، علمًا بأنه لم يكن قادرًا على التنقل إلا فوق كرسيه المتحرّك.

وأوضح إبراهيم أن "المرحلة الحالية هي الأسوأ على الإطلاق، لأنه لا يوجد في المخيمات لا مسكن ولا أبسط مقومات الحياة الرئيسية"، ورغم أن المنطقة حيث يتواجد لا تشملها المعارك، واتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته كل من روسيا وتركيا الأسبوع الماضي دخل حيز النفاذ، لا يعلم إبراهيم ما الذي يحمله المستقبل له، إلا أنه أكد أنه "لو قطع عنقي ورأسي، لن أرضى أنا ولا أولادي بأن نعود نعيش تحت حكم بشار الأسد".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ