خاصّ | دمشق تغالبُ الفقر بظل العقوبات والفساد

خاصّ | دمشق تغالبُ الفقر بظل العقوبات والفساد
انهارت الليرة، كما انهارت البلاد بسبب النظام (أ ب)

لا يعطي تصنيف الأمم المتحدة الذي صدر في عام 2019 صورة حقيقة عن نسبة الفقر في سورية، والتي وصلت حينها وفق التقرير إلى 83% من السوريين. أسابيع قليلة ماضية، جعلت الرقم أقل من الحقيقة، في بلاد باتت أمام خطر المجاعة، مع استمرار انهيار الاقتصاد، والمزيد من العقوبات الأميركية والأوروبيّة.

"جنّ الناس" هكذا وصف صحافي يعيش في دمشق حال سكان العاصمة لـ"عرب 48"، وأضاف "بات من العادي جدا أن يوقفك رجل أو امرأة، وطبعا طفل في أي شارع، ويقول لك بثبات وبلا خجل، إنه جائع، حتى حين يراك أحدهم وبيدك مشروب غازي فلا تستغرب إن طلب منك أن يتذوق القليل".

لا تزال الرواتب والأجور الرسمية في سورية، على حالها منذ الزيادة الأخيرة التي أقرّها النظام السوري في نهاية عام 2019 في المرسوم رقم 23 في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث تضمنت زيادة مبلغ 20 ألف ليرة سورية على جميع الرواتب والأجور في البلاد.

"جنّ الناس"؛ في أحد محلات الصرافة بسورية (أ ب)

كان سعر صرف الليرة السورية حين صدر ذلك المرسوم، قد وصل إلى حدود 660 ليرة سورية، وهو سعر وُصف آنذاك بالتاريخي، قبل أن تهوي الليرة من جديد مع بداية حزيران/ يونيو 2020 لتصل إلى قرابة 3500 ليرة للدولار الواحد.

ووفقا لذات المرسوم، بات الراتب الأعلى في سورية لمن يعملون في القطاع العام، ويحملون شهادة الدكتوراه بين 25995 ليرة، و48740 ليرة، فيما تراوح الراتب الأدنى للفئة الخامسة، بين 16175 ليرة و31030 ليرة.

ووفق أسعار الصرف الحالية، فإن الراتب الأعلى في سورية، يعادل 20 دولارا (وفق سعر صرف 2400 ليرة للدولار الواحد)، فيما يتقاضى موظفو الدرجة الخامسة من حديثي الالتحاق بالعمل 6 دولارات وسبعة وأربعين سنتا أميركيا.

لا تزال الرواتب والأجور على حالها (أ ب)

سننتصر!

من مناطق سيطرة النظام السوري في حمص وحماة ودمشق والساحل السوري ودرعا، إلى مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في الحسكة والقامشلي وأجزاء من دير الزور في الشمال الشرقي، أغلق تجار وأصحاب محال المواد الغذائية محالّهم بعد تذبذُب سعر الصرف وانهيار العملة وعدم القدرة على تحديد أسعار المواد، وخوفا من الخسارة.

وأغلقت الصيدليات أبوابها أيضا، بعد حال سعر الصرف، وتوقفت معامل الأدوية عن الإنتاج، وهاجم مدنيون في بعض أحياء دمشق صيادلةً ظنًّا منهم أنهم يمنعون الدواء عنهم، فيما تُشير المعلومات، حتى تلك التي نشرتها وسائل إعلام النظام، إلى العجز الكامل في تأمين أدوية الأمراض المزمنة.

في المقابل، شنّت كل من أجهزة أمن النظام السوري والأجهزة الأمنية في الإدارة الذاتية حملات لمخالفة مُغلِقي محالّهم ومن أسمتهم بالمتلاعبين بالسوق. بالتزامن مع ذلك، أدلى وزير التجارة الداخلية في حكومة النظام، طلال برازي، في الهامس عشر من الشهر الجاري، بتصريح قال فيه إن سورية "ستحقق انتصارا حاسما في الحرب الاقتصادية الجارية".

تصريح برازي، الوزير الجديد الذي شغل منصب محافظ حمص، لسبع سنوات، بين عامَي 2013-2020؛ لم يكن الوحيد الذي تُسَوِّق فيه السلطات في دمشق، صورةَ الواثق بنفسه رغم انهيار الاقتصاد، إذ سبقه تصريح لرئيس الحكومة الجديد، حسين عرنوس، الذي اعتبر أن حكومته ستقوم بإيصال "أي منتج سوري من أماكن زراعته إلى أبعد نقطة جغرافية للناس بهامش ربح بسيط جدًا".

امرأة تحمل الخبز على رأسها أثناء عبورها شارعًا في العاصمة السورية دمشق (أ ب)

سحق التجار؛ "لم يعد ما يمكن احتكاره أو الاستثمار فيه"

أعلن رئيس النظام، بشار الأسد، في 4 أيار/ مايو، عن خطة اقتصادية، تنص على ما سماه بـ"كسر الحلقات الوسيطة بين المستهلك والمنتج" و"دور الدولة في فرض الأسعار" لتعلن حكومته السابقة، عن حرب حقيقة شنت على تجار البلاد، فيما بدأت وسائل إعلامه بكافة أشكالها، بتحميل التجار وحتى الباعة في الأسواق الشعبية، المسؤولية عن ارتفاع الأسعار. وفي هذا الصدد قال المحلل الاقتصادي، عبد الرحمن يونس لـ"عرب48"، إن النظام يحاول سحق التجار بعد إفلاسه.

"كسْرُ هذه الحلقة، هو محاولة من النظام للسيطرة على كل الحركة التجارية في البلاد. الأسد قال إن دولته ستلعب دور التاجر، وهذا ليس لتأمين السلع بأسعار رخيصة للمواطنين، بل لاحتكار كل شيء، لكن المفارقة أن البلاد لم يعد فيها ما يمكن احتكاره أو الاستثمار فيه".

رغم محاولات النظام هذه، لم تنخفض الأسعار في الأسواق، بل إنها سجلت ارتفاعا وصل إلى 40 % لبعض المواد، خلال ثلاثة أسابيع لاحقة.

وأضاف يونس: "لا اعتقد أن النظام مهتم أصلا بخفض الأسعار، على الأقل هو يتّبع طرقًا أمنية للسيطرة على السوق، وهذا شبه مستحيلِ التحقيق، ثم إن إلغاء دور التجار واستبدالهم بأجهزة الدولة الفاسدة، سيساهم في رفع الأسعار وخفض جودة المواد".

خلال الأسابيع الأخيرة، بزر اسم رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد على الساحة، كواحد من كبار أصحاب رؤوس الأموال الذين وضعت دمشق اليد على أملاكهم، لكن أسماءً أخرى ضمتها القائمة ولم تعرف ذلك الصخب الإعلامي، مثل أحمد عثمان العائد، ومحمد حسن الأسطواني، وأيمن الأسطواني، وجوزيف نصير، وحنا مسعد، بغرامات تصل إلى مليار و نصف ليرة سورية، وفق ما أعلنت وزارة المالية التابعة للنظام في دمشق، بداية أيار/ مايو الماضي.

توقف المدنيون عن شراء اللحم والدواجن والفواكه (أ ب أ)

لا تفتحوا الباب؛ "بتنا نخاف من بعضنا البعض"

"تتكرر المشاهد في دمشق؛ مدنيون يبحثون في القمامة عن طعام، وينتشر المتسولون، وجلّهم من الأطفال في الشوارع، يطلبون أي شيء من المارة" تقول سيدة تقيم في دمشق لـ"عرب 48"، وتتابع: "مرّ أسبوعان وأنا أبحث عن مضاد التهاب، لم أجده في أي صيدلية، معظم الصيدليات مغلقة، أو فارغة".

في ريف دمشق الغربي، بات المدنيون يخشون أن يفتحوا أبوابهم إلا بعد التأكد من هوية الطارق، وقال يحيى سالم (اسم مستعار) لـ"عرب 48": "بتنا نخاف، نخاف من بعضنا البعض. نعم الناس جائعة، تخيل أن سعر كيلو اللحمة وصل إلى 14000 ليرة سورية، نحن نشتري ما يكفي لوجبة واحدة في النهار، أنا أوصي زوجتي بعدم فتح الباب لأي كان أثناء عدم وجودي في المنزل".

ووفقا لشهادة صحافي يقيم في دمشق، تحدث إلى "عرب 48"، فإن العاصمة تُسجّل حوادث اختطاف متزايدة خلال الأسابيع الأخيرة، فيما بات الناس أقل حركة في الأحياء والشوارع التي لا يعرفونها. يؤكد الصحافي ذاته، أنه كان شاهدا على عمليتَي خطف منذ نيسان/ أبريل الماضي، طلب فيها الخاطفون فدية مالية.

توقف المدنيون عن شراء اللحم والدواجن والفواكه والكثير من الخضار، بعد أن وصلت أسعارها إلى أرقام استثنائية، إذ وصل سعر الكيلو الواحد من لحم البقر إلى 18000 ليرة سورية.

في أحد أسواق حلب (أ ب أ)

حرب القمح

ويتنافس النظام السوري، مع الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية، على شراء محصول القمح الذي ينتج في شمال شرق البلاد كل عام، إذ يعرض كل طرف ميزات إضافية؛ فمن عروض مجانية لنقل المحصول، إلى تأمين أكياس التغليف، ووصولا إلى رفع الأسعار، تتنافس السلطتان المحليتان على جعل المزارعين يصرفون البضائع إما عن طريق المؤسسة العامة للحبوب التابعة للنظام، أو تلك المماثلة التابعة للإدارة الذاتية.

هذا العام، اشتدّت المنافسة، وأعلنت هيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية لشمال شرق سورية، في الخامس من حزيران/ يونيو عن قرارها بمنع إخراج القمح إلى مناطق النظام، متعهدةً بمصادرة أي شحنة تغادر مناطقها؛ الرقة والحسكة ودير الزور باتجاه دمشق، فيما حسمت الجدل حول الأسعار، بسبب تذبذُب سعر صرف الليرة، بتحديد سعر ثابت للكيلو غرام الواحد بـ"17 سنتا أميركيا" أيًّا كان سعر الصرف.

وردّت دمشق، واجتمع مجلس الوزراء الجديد التابع للنظام، في حزيران/ يونيو، وقرر رفع سعر شراء الكيلو من القمح إلى 400 ليرة سورية، وهو ما يُقارب سنتًا وثلاثة أجزاء من السنت وفق سعر صرف 3000 ليرة للدولار الواحد.

وُجهةُ النظر الرسمية الخاصة بالنظام حول العقوبات واضحة، كما كررها التلفزيون الرسمي التابع للنظام، وكل وسائل الإعلام الناطقة باسمه؛ "إرهاب اقتصادي بعد أن عجز الإرهاب الدولي عن هزيمة سورية"، في المقابل ينقسم الرأي في مناطق المعارضة حول جدوى عقوبات قانون قيصر وقدرتها الحقيقة على إحداث تغيير سياسي في البلاد.

ويرى مدير الدفاع المدني السوري، رائد الصالح، أن العقوبات تستهدف شخصيات في النظام وشركات تتعامل معه، وقال لـ"عرب 48"، إن العقوبات لن تؤثر على الشعب السوري لأن "العقوبات تستهدف الأفراد، وهي حتى الآن ليست عقوبات قطاعية تستهدف خدمات الشعب بشكل مباشر. سنجد هذه العقوبات غير مؤثرة على المدنيين، غير أنهم سيتأثرون بسبب فساد النظام وليس العقوبات".

وفقا للخارجية الأميركية، إن ما أعلن عنه من حزمة عقوبات ضمن القانون في السابع عشر من هذا الشهر، ستليه لاحقا إجراءات وحزم جديدة، لا تزال غير واضحة المعالم، وإن ما كانت ستشمل قطاعات عامة ومتعلقة مباشرة بالأمن الغذائي والصحي في البلاد.

عمال سوريون يحصدون القمح شمال حلب (أ ب أ)

اعتماد الليرة التركية في الشمال

قررت عدة مجالس محلية، وحكومة النظام المؤقتة، وحكومة "الإنقاذ" التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب، اعتماد الليرة التركية في بعض المعاملات المالية اليومية، فيما قال وزير الاقتصاد، عبد الحكيم المصري، بعد ساعات من بدء سريان قانون قيصر، إن عميلة ضخّ الفئات النقدية الصغيرة من العملة التركية قد بدأت في شمال سورية.

من جانبه، يرى الاقتصادي السوري، الدكتور فراس شعبو، أن عملية استبدال الليرة السورية بتلك التركية في شمال البلاد، ليست بتلك السهولة، كما أنه أوضح لـ"عرب 48"، أنها ليست قرارا سوريًّا فقط، إذ أنها "عملية أكثر تعقيدا من ذلك، فما يجري حقيقة هو التسعير بالليرة التركية حفاظا على القيمة، وليس تبادل تجاريا بها، أي أن المدنيين يتعاملون بالليرة السورية بعد أن يصرفوا رقميا السعر من التركية إلى السورية".

وأضاف شعبو: "هناك حديث عبر الإعلام، أكبر من الحقيقة حول ذلك، لا تزال الليرة السورية هي السيدة في الشمال، ثم عليك أن تلاحظ أن الإدارة الذاتية لشمال شرق سورية، قررت تسعير القمح بالدولار الأميركي لكنها لن تسلم المزارعين إلا الليرة السورية".

وأفاد شعبو "بوجود كميات كبيرة من الأموال بالليرة السورية في خزائن الجهات المسيطرة على شمال سورية، مثل فصائل المعارضة وقوات سورية الديمقراطية، وهذه ليس لها مصلحة الآن في التحول إلى عملة أخرى وما يعنيه ذلك من خسائر، كما أن دمشق والنظام لا يزالان مسيطران على الحركة التجارية الكبرى في البلاد".

لا تفتحوا الباب؛ "بتنا نخاف من بعضنا البعض" (أ ب أ)

العدوى اللبنانية

تزامَن انهيار سعر صرف الليرة السورية الأخير، مع انهيار سعر مثيلتها اللبنانية، وفيما توقفت المصارف اللبنانية عن السماح للمواطنين اللبنانيين بسحب مدخراتهم، تكشفت أرقام مرعبة، حجمَ الأموال السورية المُودعة في المصارف اللبنانية، وكشف عن الرقم حاكم مصرف سورية المركزي السابق، أديب ميالة، حين كتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن قرابة 30 مليار دولار، لم يعد هناك من إمكانية للوصل إليها.

وقال المحلل الاقتصادي السوري، يونس الكريم، لـ"عرب 48"، إن لبنان الذي كان يُمثّل حديقة خلفية للنظام السوري طوال سنوات، بات يعاني من أزمة شلت آخر منافذ دمشق الاقتصادية، ولا سيّما أن لبنان باتت أشبه "برئة النظام ما بعد العقوبات الأوربية والأميركية منذ عام 2011، إذ إن النظام يسترد البضائع عن طريق لبنان، وقدمت المصارف اللبنانية الكثير من التسهيلات للتجار المحسوبين على النظام إن كانوا لبنانيين أم سوريين".

تزامَن انهيار سعر صرف الليرة السورية مع انهيار مثيلتها اللبنانية (توضيحية - أ ب)

وأضاف يونس أن "علميات المُضارَبة التي تمّت في لبنان لصالح الليرة السورية، لم تفلح أبدا في إنقاذها، ورغم محاولات ’حزب الله’ لجعلها ترتفع من جديد، إلا أنه فشل في ذلك، وعلينا ألا ننسى أن لبنان مشمول ضمن قانون قيصر، ومع ما يعانيه من هشاشة فإنه لن يستطيع مساندة النظام اقتصاديا".