خاص | هولوكوست سورية: صور "قيصر" تتحول لأسماء

خاص | هولوكوست سورية: صور "قيصر" تتحول لأسماء
(أرشيفية - رويترز)

"آلاف الاتصالات وعشرات آلاف الرسائل وردتنا خلال أيام قليلة، لم نكن قادرين على الإجابة بالسرعة المطلوبة"، يقول عضو الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي، الدكتور شادي جنيد، ويتابع " لا، الصور ليست حديثة النشر، لقد نشرت سابقًا، لكن ذوي المعتقلين السوريين، كثفوا من بحثهم خلال الأيام الأخيرة".


55 ألف صورة صارت موضع بحث من قبل ذوي المعتقلين السوريين في سجون النظام السوري، والتي تظهر جثث تعرضت للتعذيب والتجويع، والاعتداء الجسدي، نشرت للمرة الأولى قبل خمس سنوات، إلا أن عمليات البحث تكثفت خلال الأسابيع الأخيرة، مع دخول "قانون قيصر" الأميركي حيز التنفيذ في السابع عشر من حزيران/ يونيو 2020.

ما الجديد؟

تمكن خبراء ومراكز متخصصة بمتابعة ملف المعتقلين السوريين، من ترميم 84 صورة، لم تنشر سابقًا، كانت الجثث فيها مشوهة، وهي فقط التي نُشرت حديثًا عبر الإنترنت.

وأوضح عضو الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي، د. جنيد، في حديث لـ"عرب 48"، أن "الصور الخمسة والخمسين ألفًا، تضم صورًا لقرابة أحد عشرة ألف ضحية فقط، فلكل ضحية أربعة صور".

مكان التقاط الصور هو المشفى العسكري في منطقة المزة المعروف باسم "مشفى 601"، وحتى اللحظة لا يزال المشفى مركزًا للاعتقال وعمليات التعذيب والقتل، وفق ما أكد خبراء ومتخصصون لـ"عرب 48".

جمع قيصر 55 ألف صورة لـ11 ألف معتقل (أ ف ب)

وأيد أمين سر اللجنة السورية للمعتقلين والمعتقلات، مروان العش، المعلومات التي ذكرها جنيد حول عدد الضحايا في صور "قيصر"، ويضيف "قرابة ستة آلاف وثمانمئة وستين منهم، هم ضحايا مباشرون للحراك الثوري الذي انطلق عام 2011".

ووفقًا للعش وجود أربعة صور لكل جثة، يعود للطريقة المتعبة في التوثيق من قبل "الجهاز القضائي" في سورية، الذي يصور أي جثة تصله، من أربع اتجاهات، ويرفقه بالضبط الذي يوضح سبب الوفاة.

أربعة آلاف جثة، أوضح العش لـ"عرب 48"، تعود لضحايا لم يتعرضوا للتعذيب، ولم يعتقلوا من قبل أجهزة الأمن السورية، بل يتوزعون على قضايا جنائية وجنج، من حوادث سير إلى جرائم قتل، ولفت العش إلى أن "الأمن يوثق كل حادث لعسكري أو على صلة مع عسكري بهذه الطريقة".

هناك المزيد

أربع وعشرون جهازًا أمنيًا في سورية، توثق بالصور كل الجثث التي تخرج من زنازينها، بحسب العش الذي كان معتقلًا في المخابرات الجوية عام 2013، ويؤكد أن آلاف الصور لا تزال موجودة ومحفوظة في سجلات تلك الفروع.

لكن لماذا توثق المخابرات تلك الجرائم؟ "لأنها ترفع تقارير تصل حتى إلى القصر الجمهوري، لتؤكد أن المرؤوسين ينفذون الأوامر عن طريق التقارير والضبوط والصور".

نكء الجراح

في الدوحة، دخل "مطيع-ن" (35 عامًا) إلى رابط الصور (الاسم الكامل محفوظ لدى هيئة التحرير)، كان يريد البحث عن شقيقه الذي اختفى في دمشق منذ عام 2012، لم يجد مطيع شقيقه، لكنه وجد شخصًا آخر "وجدت صورة خالي، عرفته، إنه هو دون شك، كان فرع الأمن الجوي في دمشق قد أبلغ عائلتنا بأنه مات عام 2015، لكننا لم نكن متأكدين لأنهم لم يعطوننا أي شيء، لا هوية ولا ملابس، وطبعا لا جثة، شاهدت الصور، تأكدت إنه هو".

في إدلب، تداول ذوو المعتقلين الصور، بعضهم لم يحتمل فكرة التأكد، مثل نادر عبود، الذي وجد صورة ابنه الوحيد يوسف، بين الصور المسربة، إذ توفي بعد ساعات من تيقنه أن يوسف مات.

رفض عدد كبير من ذوي الضحايا الذين تم التعرف عليهم في مجموعة الصور المسربة، الحديث لــ"عرب 48"، توجهنا إلى الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي في سورية، لنجد أنها تعرضت لذات الرفض من قبل العائلات، لأسباب لها علاقة مباشرة بالخوف من الملاحقة الأمنية من قبل النظام السوري.

"الكثير من العائلات لا تزال تخشى من عمليات انتقامية من قبل النظام، شهادة هذه العائلات مهمة جدًا من أجل إعداد ملف لمحاسبة مجرمي الحرب في سورية"، بحسب الجمعية.

لكن "فاطمة" وافقت على الحديث معنا، بشرط إخفاء اسمها الحقيقي. وجدت فاطمة صورة تعود لجثة زوجها الذي اختفى عام 2012 في دمشق، ورغم محاولاتها المستمرة، لم تنجح بالتوصل إلى أي معلومات عنه حتى لحظة مشاهدتها لصورته.

وفي حديثها لـ"عرب 48"، قالت فاطمة، "عرفته من وشم على كتفه، في بداية الأمر، لم أكن متأكدة من ملامحه، حيث فقد الكثير الكثير من الوزن، حتى ظهر عظم وجهه، لكن حين شاهدت الوشم، تأكدت أنه هو خلدون".

كانت فاطمة مشوشة طوال سنوات حول مكان اعتقال أو اختطاف زوجها، إذ شهدت دمشق خلال عام 2012، عمليات اختطاف واعتقال واختفاء قسري، ولا يزال الآلاف من المختفين مجهولي المصير حتى اليوم، بالتالي لم تكن متأكدة أنه معتقل، كل ما تعرفه أنه اختفى من منطقة "برزة البلد – شرق دمشق" في كانون الثاني/ يناير 2012.

ترفض فاطمة التواصل مع أي جهة قانونية سورية، "تجنبا للمزيد من المشاكل على الأقل في الوقت الحالي"، على حد تعبيرها، إذ لا تزال تعيش في دمشق مع عائلتها حتى اليوم.

من هم؟

تعود الجثامين التي تظهر في الصور، إلى معتقلين اعتقلوا في الفترة بين آذار/ مارس 2011 حتى آب/ أغسطس 2013، وهي الفترة التي كانت الأجهزة الأمنية السورية، أشد شراسة في عمليات الاعتقال والقتل على الهوية في البلاد، وفقًا لجنيد.

وطالب "من ذوي المعتقلين الذي يشكون في صورة ما، أن يرسلوا عددا من الصور للضحية المحتملة قبل الاعتقال. نحول كافة الصور، إلى خبراء في الطب الجنائي، نبحث عن أي علامة مميزة، عن أي دليل، وحين نتأكد مئة في المئة، نخبر العائلة بصحة الصورة المسربة، هذه ليست عملية سهلة أبدًا".

الكثير من العائلات لا تحتاج إلى خبراء للتأكد، تستدل العائلات على الضحايا، من خلال صورة واحدة فقط، نشرت على عدة مواقع وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.

النظام: فوتوشوب

"هذه أكاذيب وفبركات... ليكشفوا عن اسمه الحقيقي إن كان صحيحًا" قالت مستشارة بشار الأسد بثينة شعبان، خلال لقاء تلفزيوني مع قناة الميادين، واعتبرت أن كل الصور هي محض افتراء على سورية، ولا صحة لها.

وكان الأسد نفسه قد قال في لقاء تلفزيوني عام 2017، إنه لا يمكن التحقق من صحة الصور، معتبرًا وهو يمسك صورة منها بيده، أنها معدلة بوساطة الفوتوشوب، رافضًا أي خوض فيها أو اعتبارها أدلة، ومتهمًا المخابرات الأميركية، بتزوير الحقائق حول سورية بشكل مستمر ومنذ سنوات.

وثقت عدة جهات حقوقية سورية، آلاف الأسماء لمعتقلين في سجون النظام، وأوضح العش أن هناك 134 ألف اسم موثق، مع كافة البيانات حول مكان الاعتقال والجهة المعتقلة، فيما يشير إلى وجود أضعاف هذا الرقم، ممن لم يوثقوا لأسباب لها علاقة بخوف الأهالي من الإدلاء بأي معلومات حول أبنائهم لجهات حقوقية لا تتبع للنظام.

ورجّح العش أن عدد المعتقلين من السوريين يصل إلى قرابة مليون، مع تكتم عائلات كثيرة، أو جهلها بالمصير الحقيقي لأبنائها.

رعب الصور

في إسطنبول، يمضي المصور السوري، تامر تركماني، ساعات من العمل، على كل تلك البيانات المذهلة من الصور، ويوثق الأسماء والمعلومات المتوافرة عنها، لتتكشف الهوية الحقيقة للضحية التي ترك النظام عليها رقمًا دون اسم، يحوله تركماني بعد تواصلات مع ذوي الضحايا إلى أسماء تُذكر وتُؤكد الجريمة التي قد تكون الأكبر في تاريخ سورية.

وفي حديث لـ"عرب 48"، وصف تركماني تعامله مع الصور: "كنت على تماس مباشر مع الصور منذ أن ظهرت الدفعة الأولى منها قبل سنوات، عائلات كثيرة أرسلت لي صور أبنائها قبل الاستشهاد وبعد ذلك، في بعض الأحيان أرسلت إلي العائلات شهادة الوفاة التي منحها النظام من بعض المراكز الحكومية، دون جثث، كانت تلك عملية مؤلمة وموجعة طوال سنوات".

عاش تركماني نفسه قصة ضحية، حيث كان ينتظر صديقه الذي اعتقل قبل سنوات، لتكتشف والدته مؤخرًا أن جثمان ابنها بين الصور "قلت لها بإمكانك أن تطمئني الآن، لقد بات شهيدًا وتوقف تعذيبه".

وثق تركماني، أكثر من 350 ضحية حتى الآن بالاسم والصور والمنطقة التي تنتمي إليها الضحية، يرسل لنا مجموعة من الصور المؤلمة، التي تحمل كل واحدة منها قصة سوري قتل تحت التعذيب في معتقلات النظام السوري.

واستطرد تركماني "هو تعامل النظام الرخيص مع الجثث، كيف يرقمها وكأنها بضاعة وليسوا بشرًا" فيما لا تزال الكثير من العائلات ترفض أن تصدق أن المفقود والمعتقل قد مات.

لا يزال الآلاف من السوريين معتقلين لدى النظام السوري، آلاف منهم لا يزالون مجهولي المصير، مئات منهم دون سن الثامنة عشرة عامًا، وبينهم نساء وكبار في السن، كشفت شهادات بعض ممن أفرج عنهم خلال السنوات الماضية. وحشية غير مسبوقة تمارس في تلك المعتقلات السرية، فيما كشفت أيضًا تقارير لمنظمات دولية، عن جرائم حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم من قبل النظام السوري.

(تَحفّظ "عرب 48" على نشر الصور التي شاركنا بها تركماني لهولها والمشاهد المؤلمة التي توثقها، وهي محفوظة لدى هيئة التحرير).

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"