انقلاب 3 يوليو المصري: قمع وتنكيل ومهانة

انقلاب 3 يوليو المصري: قمع وتنكيل ومهانة
الجنرال رئيسًا (أ.ف.ب)

تحل الذكرى الثالثة لانقلاب الثالث من يوليو في مصر، اليوم، دون حشود مليونيّة في ميدان التحرير أو قبالة قصر الاتحاديّة الرسمي، فالتظاهرات ممنوعة في مصر السيسي والحشود المبارِكة والمؤيّدة، باتت ضربًا من الخيال، فلا قدرة لنظام السيسي، وفقًا لمراقبين وسياسييّن، على تحشيد الجماهير مؤيّدةً مهلّلة حوله.

فالسيسي، الذي لم يتوقّع يومًا أن تكون أقداره بهذا السخاء، بأن يضحي في بضعة سنين من لواء مغمور في جيش مصر الذي يضمّ مئات الضبّاط، وزيرًا للدفاع ومن ثم حاكمًا من وراء ستار، والآن، رئيسَ الدولة العربيّة الأكبر والأهم؛ يجد نفسه اليوم وحيدًا، فرفاق 'ثورة' 30 يونيو، التي بنى عليها السيسي شرعية انقلابه العسكريّ، انفضّوا عنه أو كادوا، ولم يبقَ منهم إلا مهلّل مفضوح أو ذراع إعلامي مكشوف أو سياسيّ لا يسعى إلا إلى جاهٍ أو سلطة.

فحين ينظر أي متابع للشأن المصريّ، وما أكثرهم، إلى المشهدين الإعلاميّ والسياسيّ المصري، يكتشف أن السيسي ونظامه باتا يفتقدان إلى الهالة السحريّة التي أحيط بها السيسي، ووصلّت حدّ الادعاء بأنه 'قابل الله مرّتين' (جريدة الفجر، عادل حمّودة)، و'نساؤنا حبالى بنجمك' (الوطن الكويتيّة، مختار عيسى)؛ قد تلاشت، وأصبح يتعرّض للانتقاد علنًا من قبل الكثير من الإعلاميين والسياسيين الذين غادروا سفينه نظامه.

فآخر الانتقادات التي تعرّض لها السيسي كانت من الإعلامي المصريّ الشهير، يسري فودة، الذي وجّه أسئلة سبعة للسيسي في مقال نشره أمس، السبت، لمناسبة ذكرى الانقلاب، متهمًا إيّاه بتحويل 'الدستور المصريّ إلى حبر على ورق' و'بمصادرة المجال العام كلّه من حياة سياسيّة أو مدنيّة أو إعلاميّة ‘لا في ما يوافقه'.

لم يكن يسري فودة وحده الذي انقلب على السيسي، بل فعل ذلك من قبل عدد كبير من المثقفين، هم: الحائز على جائزة نوبل للسلام ونائب الرئيس المصري بعد الانقلاب، محمّد البرادعي، المتحدّث باسم حزب الدستور، خالد داوود، الإعلامي والطبيب الشهير، باسم يوسف، الحقوقي والمرشّح الرئاسي السابق، خالد علي، بالإضافة إلى عدد كبير من شباب ثورة يناير، الذين استفاقوا من سُكر حشد الثلاثين من يونيو إلى سوأة انقلاب الثالث من يوليو، ناهيك عن عدد كبير من السياسيين الذين لم يتخذوا موقفًا معارضًا صراحةً، لكنّهم انفضّوا عن السيسي وتأييده، ومنهم المرشّح الرئاسي الدائم، حمدين صباحي، الذي سبق أن وصف السيسي بالقول 'يا سيدي بدلًا من يا سيسي'، والإعلامي محمود سعد، الذي أوقف برنامجه الحواري نهاية العام الماضي.

وفي التطرق إلى حصاد حكم العسكر، لا يمكن أن تجدّ إلا السجن والقتل والتعذيب واستباحة أموال الدولة لمشاريع لا تؤتي أكلها، فتحت عناوين وهميّة ضخمة اتضّح، في ما بعد، زيفها، أعلن السيسي عن افتتاح قناة السويس الجديدة بأرباح متوقعة تصل إلى 200 مليار دولار سنويًا، لكن على أرض الواقع تبيّن أن القناة الجديدة ليست سوى تفريعة وأن الـ200 مليار دولار انقلبت خسائرَ وتراجعًا في عائدات قناة السويس لأول مرّة منذ افتتاحها، وعلى ذلك يمكن القياس على مشاريع أخرى، كالمليون وحدة سكنيّة والعاصمة الجديدة والمؤتمر الاقتصادي، الذي يلهي السيسي بها الرأي العام المصريّ أسابيعَ، ومن ثم يعود لسيرته الأولى، اعتقال وتنكيل وقتل.

مرسي والسيسي وقنديل، ساعات قبل الانقلاب (رويترز)
مرسي والسيسي وقنديل، ساعات قبل الانقلاب (رويترز)

ومع فشل هذه المشاريع، تبرز إلى الواجهة الصفقات العسكريّة الضخمة التي أبرمها السيسي مع فرنسا وروسيا لشراء معدّات وأسلحة وعتاد لمحاربة الإرهاب، كان من الممكن أن تُخصّص لتنمية سيناء والمناطق المنسيّة الأخرى.

ورغم ذلك، فقد حقّق النظام المصريّ نجاحات عديدة بعد الانقلاب، لم يسبق لها مثيل، فقد منح ضبّاط الجيش علاوةً في المعاشات الشهريّة تبلغ قرابة الـ200%، وكذلك، ولو بنسبة أقلّ، للقضاة؛ والنجاح الباهر في بناء السجون وهذا العدد الضخم جدًا من المعتقلين، الذين يقدّره مراقبون بأكثر من 40 ألف معتقل سياسيّ.

ورغم أن السيسي جاء من المؤسسة العسكريّة المصريّة، التي دافعت عن أرض سيناء بدمها في الحروب المتعاقبة مع إسرائيل قبل كامب ديفيد، إلا أن لم يقم اعتبارًا لدماء شهداء مصر، حين تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريّتين لصالح السعوديّة، في مشهد قلَّ نظيره.

ثلاثة أعوام مرّت على الانقلاب العسكري، بدأت بجريمة عزل رئيس منتخب، ومصادرة الدستور والقمع، ومن ثم مجزرة رابعة المريعة، تلاها قمع في الحريات ومهانة في القرار وعبث في مقدّرات مصر... لكن الأخطر هو التنازل عن الأرض المصريّة، الذي فتح السيسي بابه، مؤخرًا.

ثلاثة أعوام على الانقلاب العسكريّ، يمكن تلخيصها بثلاثة أقوال للسيسي، من 'مصر أم الدنيا وحتبقى قد الدنيا' مع بداية الانقلاب، إلى صرخته القامعة 'أنا مش قادر أدّيك، أنا مش مش عايز، أنا مش قادر'، وصولًا إلى تصريحه مؤخرًا بأن 'مصر شبه دولة وليست دولة حقيقيّة'.