استهداف مسيحيي سيناء... هروب "داعش" إلى الأمام؟

استهداف مسيحيي سيناء... هروب "داعش" إلى الأمام؟
العائلات القبطية النازحة من سيناء تصل الإسماعيلية (أ ف ب)

شهدت سيناء المصرية، خلال الأيام الماضية، تحولا في خيارات تنظيم 'داعش': الإرهابي باستهداف المسيحيين، بعدما استهدف طيلة سنوات قوات الأمن والمدنيين العزل على مختلف انتماءاتهم. والاعتداءات الأخيرة التي راح ضحيتها 6 مصريين أقباط، وهو ما خلف عمليات نزوح مسيحية أثارت استنكارا واسعا بمصر، وذهبت تحليلات لاعتبارها 'إحراجا' للسلطات و'مساسا' بهيبة الدولة.

واعتبر خبير عسكري مصري توجه التنظيم المسلح الذي يتواجد عبر ذراعه جماعة 'ولاية سيناء'، التي بايعته في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، نحو 'الحلقة الأضعف' وهم الأقباط في سيناء، هو 'هروب إلى الأمام' من مواجهة عسكرية ومأزق كبير يعيشه، عن طريق تعويض خسائره بتمدد معنوي لا يعبر عن سيطرة حقيقية.

فيما اقترح خبير حقوقي شارك في استقبال النازحين المسيحيين القادمين من سيناء مؤخرا، البدء فورا في 3 حلول جذرية لمواجهة تلك الأزمة من بينها مراجعة السياسات الأمنية.

فييما طالب أحد العواقل السيناوية بمراجعة التهجير الحكومي المرتبط بإخلاء مناطق بسيناء، والذي بدأ في عام 2014 لمواجهة الإرهاب، و'احتضان القبائل والتعرف على مطالبها وحقوقها'.

مسيحيون على طريق الآلام

خلال الأسابيع الأخيرة، واجه مسيحيو مصر ضربات متتالية من تنظيم 'داعش' الإرهابي خلفت ضحايا، جراء تفجير ضخم بكنسية عريقة ملاصقة لمقرهم الرئيس بالقاهرة، وبدء عملية نزوح مسيحية من سيناء عقب قتل 6 منهم بجرائم نفذها 'داعش'.

وجاء ذلك بالتزامن مع بث تسجيل مصور منسوب لتنظيم 'داعش' الإرهابي، في 19 شباط/ فبراير الجاري، تضمن تهديدًا باستهداف المسيحيين داخل مصر، بعد أشهر من تبنيه حادث اغتيال القس روفائيل موسى كاهن كنيسة مارجرجس في العريش بسيناء.

كما أقدم شخص، في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، على ذبح مسيحي يمتلك محلاً لبيع المشروبات الكحولية، في محافظة الإسكندرية، ووصف رئيس البرلمان المصري، على عبد العال، الحادث بأنه 'إرهابي'.

وقال وزير شؤون مجلس النواب، عمر مروان، في تصريحات صحفية بمقر البرلمان يوم الأحد الماضي، إن '118 أسرة مسيحية انتقلت من شمال سيناء (حتى ذلك اليوم)، تم إسكانهم جميعًا في 4 محافظات، هي محافظة الإسماعيلية بواقع 96 أسرة، ومحافظة القليوبية بواقع 8 أسر، ومحافظة أسيوط بواقع 12 أسرة، ومحافظة القاهرة بواقع أسرتين'.

وتحرص الحكومة المصرية على إطلاق لفظتي 'المتضررين' و'الوافدين' على المصريين المسيحيين القادمين من سيناء في مقابل لفظ 'النازحين' في البيانات الكنسية والسياسية.

الأسباب: مأزق وإحراج وتقصير

ورصد الكاتب المصري، جمال أسعد، 3 أسباب لما يحدث ضد مسيحيي سيناء، قائلا ' السبب الأول أن التنظيم الإرهابي داعش في مأزق كبير، وأن الضغوط الأمنية ضده كبيرة، وهو يريد أن يستخدم ورقة الأقباط كآخر ورقة له بهدف إعلامي ليهرب من المواجهات الأمنية'.

والسبب الثاني، من وجهة نظر أسعد، هو 'إحراج النظام عالميا بإظهاره ضعيفا ولا يسيطر لاسيما في سيناء'، مشيرا إلى سبب ثالث وهو ما اعتبره 'تقصيرا أمنيا' من السلطات المصرية، موضحا أن 'الجيش والشرطة مستهدفان مثل المسيحيين والمسلمين في سيناء وكل مكان بمصر'.

واستدعى أسعد تجربة العنف في مصر للتأكيد على فكرته، قائلا: 'هذا التنظيم يسعي لتكرار منهج الإرهابيين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فعندما كان يتم الضغط الأمني عليهم يتجهون نحو الحلقة الأضعف وهم الأقباط ويعتدون عليهم وهو ما تكرر بتفجير كنيسة البطرسية (الشهر الماضي)، وتهديد الأقباط باستهدافهم في سيناء'.

ولفت أسعد إلى أن ما يحياه مسيحيو سيناء ليس الأول، بل متكرر في السنوات الثلاثة الأخيرة، مستدركا 'لكن لم يكن بهذه الدرجة من الضحايا وعلى التوالي'.

الإرهاب نحو تمدد معنوي عقب الخسائر

ومتفقا على السببين الأول والثاني، قال المدير السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية (حكومية)، اللواء المتقاعد علاء عز الدين، إن 'الإرهابيين يهربون من مواجهة الجيش والشرطة عقب تلقيهم ضربات قوية إلى مواجهة المدنيين، وهذا يعني أنه لديهم خسائر يريدون تعويضها بتمدد معنوي وإعلامي لا أكثر'.

وأضاف أن 'الإرهاب أيضا يريد إحراج النظام لاسيما قبل زيارة مرتقبة للرئيس عبد الفتاح السيسي لواشنطن (لم يتم تحديد موعدها بدقة بعد)، خاصة وإمكانية استغلال ما يحدث للتدليل على وجود اضطهاد للأقباط في مصر وهو غير حقيقي'.

وتابع عز الدين أن 'الإرهاب يريد أن يثير قلاقل في مصر تارة في سيناء باستهداف المصريين المدنيين هناك، وتارة بالحديث عن أزمة في النوبة ليزيد الفرقة ولكنها محاولات فاشلة'.

وحذر المسؤول العسكري السابق من استمرار الحديث عن وجود تنظيم 'داعش' بمصر، قائلا 'ليس معنى وجود 10 أو 100 أو ألف شخص أعلنوا ولاءهم لتنظيم أنه موجود على الأرض'.

وأوضح عز الدين أن 'إلصاق داعش بسيناء بحسن نية أو عمد هو تمهيد لتدخل خارجي في سيناء وهذا مرفوض'، مستدركا 'لكن هناك إرهابيين متواجدون والدولة تنجح في مواجهتهم وستستأصلهم جميعا والدليل هروبهم الآن باتجاه المدنيين'، رغم أن هذه المواجهات تأتي في كثير من الأحيان عنيفة وغير مراعية لحياة المدنيين في المنطقة.

على العكس، أكد الشيخ خالد عرفات، أحد عواقل محافظة شمال سيناء (لفظ يطلق على كبار ممثلي القبائل والمجتمع المحلي)، وجود تقصير أمني في سيناء، قائلا: 'التقصير الأمني الكبير هو سبب رئيسي فيما يحدث'، متسائلا 'كيف يحدث ذلك مع وجود جيش وشرطة وإجراءات مشددة وإعلان حالة طوارئ مستمرة؟'.

نزوح... لافتقاد الأمان

مدير برنامج الأقليات في المفوضية المصرية للحقوق والحريات (منظمة غير حكومية مقرها القاهرة)، مينا ثابت، الذي تواجد في محافظة الإسماعيلية تزامنا مع توجه غالبية النازحين من سيناء إليها، استمع لشهادات عديدة من أهلها ويرى أن هناك 'أزمة كبيرة' بالفعل في سيناء.

وقال لوكالة 'الأناضول' إن 'التنظيم لم يسيطر في سيناء، لاسيما العريش، ولكنه موجود ويقوم بعمليات من وقت لآخر، والمسيحيون غادروا من هناك لعدم إحساسهم بالأمن'.

ورأى ثابت أن هذا التنظيم يريد أن يكرر ما حدث في السبعينيات في مصر، لاسيما في أسيوط، مع الأعمال الإرهابية هناك التي سعت لتغيير التركيبة السكانية وتقليل المكون المسيحي.

وأوضح أن أسيوط كان بها وجود مسيحي كبير، لكن بعد الإرهاب وقتها، قل المكون المسيحي مع تهجير قسري له، في ظل تيار كان يكفر المسيحيين وجزء من أفكاره استحلال دماء المصريين والقتل على الهوية.

وليس هناك إحصاء رسمي عن أعداد المسيحيين في شمال سيناء، غير أن تصريحات كنيسة رسمية تقدر تعداد أقباط مصر بنحو 15 مليونا من بين سكان البلاد البالغ عددهم 92 مليون نسمة.

ثلاثة حلول جذرية

وضع ثابت في حديثه، رؤية لعلاج هذا الخلل في مواجهة داعش، تنحصر في 3 حلول يعتبرها 'جذرية' بقوله : 'نريد وقف التعامل العنيف والإجراءات المرتبطة به ضد أهالي سيناء، لأنها سمحت لتلك التيارات العنيفة أن تنمو بين الناس وتكون لها حاضنة اجتماعية'.

والشهر الماضي أعلن تجمع عشائري في العريش المصرية التي تشهد عمليات ضد المسيحيين رفضه ما أعلنته وزارة الداخلية في وقت سابق بشأن واقعة مقتل 10 من أبنائه خلال تبادل لإطلاق النار، معلنا العصيان المدني بعدم دفع فواتير الكهرباء الحكومية.

وأضاف 'الأمر الثاني: يجب أن يشمل قرار مواجهة الإرهاب في سيناء حلولا غير أمنية، لاسيما على مستوى العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر والبطالة ودعم الثقافة، بجانب أمر ثالث هام وجذري وهو إصلاح ديني شامل وليس تجديدا كما يقال'.

الحلّ من وجهة نظر سيناوية لمواجهة داعش، قريب من هذا الطرح الحقوقي، حيث طالب الشيخ خالد عرفات، بـ'مراجعة قرار التهجير المستمر من 3 سنوات بقرار حكومي أيا كانت أهدافه'.

ولفت إلى أن 'هناك أعداد كبيرة من السيناوية خرجوا لمدن عديدة منذ فترة، وتركوا أراضيهم ومن لم يتركها الآن معظمهم من غير القادرين ماليا على التنقل أو من يرفض ترك أرضه'.

وشدد عرفات على أهمية وقف ما وصفه بـ'الترهيب الأمني لأهل سيناء' مع 'احتضان القبائل والتعرف على مطالبها وحقوقها، وتأمين شمال سيناء بصورة كبيرة'.

وفي 2014، بدأت السلطات المصرية إخلاء منطقة الشريط الحدودي مع رفح من السكان لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة، قائلة إن هذا يأتي لـ'مواجهة الإرهاب'.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018