ضمير لبنان سليم الحص يحصل على جائزة عبد الناصر ويسلمها له د. بشارة

ضمير لبنان سليم الحص يحصل على جائزة عبد الناصر ويسلمها له د. بشارة

«ضمير لبنان» هذا هو الاسم الذي يطلقه اللبنانيون على د. سليم الحص الذي حصل يوم أمس الأول على «جائزة جمال عبد الناصر التقديرية»، وسلمه إياها د. عزمي بشارة وهو شاغل كرسي عبد الناصر في مركز دراسات الوحدة، في احتفال رسمي اقامه مركز دراسات الوحدة العربية للمناسبة في فندق بريستول في بيروت، بحضور ممثلين للرؤساء الثلاثة وشخصيات رسمية وسياسية وثقافية وحضور عربي. ولقي اختيار الحص لتسلم هذه الجائزة ترحيبا واسعا نظرا لإسهاماته على مستوى لبنان والحركة القومية في الوطن العربي.

وبعد كلمة ترحيب لالياس مطران، ألقى مدير مركز دراسات الوحدة العربية الدكتور خير الدين حسيب كلمة عرض فيها ما يتصل بالجائزة و«وقفية جمال عبد الناصر التي تبلغ قيمتها مليون دولار تم استخدامها في تمويل مشاريع متنوعة». وتحدث عن شخصية الرئيس الحص الذي برز «كمفكر واقتصادي وسياسي ورجل دولة ومناضل وناقد وإنسان حضاري متكامل، ما حمل المعترفين بدوره على إطلاق لقب عليه يجمع تلك الصفات والأنوار جميعاً: ضمير لبنان والعرب، رجل الأخلاق والقيم هو رجل المبادئ الذي لا يساوم ولا يهادن، رجل المعارضة الدائمة للفساد والظلم، رجل الحرية والوحدة والاتحاد والتنمية والإبداع الحضاري هو هذا الرجل».

ثم تحدث الدكتور عزمي بشارة، فألقى كلمة بعنوان «أن تكون عروبياً في أيامنا» فقال: «استحق المشروع القومي في عصر عبد الناصر اسم مشروع عربي حديث» ولم يكن قادة المشروع القومي في مصر والجزائر وسوريا والعراق فاسدين، فربما انتشر نوع من سوء الإدارة، أو ربما كانت هنالك حالات من الفساد الفردي. ولا يقارن كل هذا مع فساد الأنظمة الدائرة في فلك الاستعمار وحلفاء أميركا. ورأى بشارة: «أنه أن تكون عروبياً في أيامنا فلا بد أن تجمع الفكرة القومية مع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويعني بالضرورة أن تدعم المقاومة».

ثم ألقى الرئيس الحص كلمة عرض فيها عناوين حركة عبد الناصر من الحرية والوحدة والاشتراكية. وقال: «لا مراء في أن الحرية قيمة حضارية غالية. لا بل لعلها أمّ القيم الاجتماعية والحضارية، فلا ديمقراطية من دون حرية. ولا بد أن تسبق الحرية الوحدة. فمن المفترض، لا بل المحتم، أن تأتي الوحدة نتاجاً لإرادة الشعب الحرة. وثمة قوى على الساحة الدولية لها مصلحة في تغذية أسباب الفرقة بين الأقطار العربية لضمان أمن وسلامة الكيان الصهيوني الذي ما استطاع ترسيخ أقدامه إلا بفعل الانقسامات بين الأقطار العربية، أما الاشتراكية فكانت من أزياء العصر الشائعة في عالم الدول النامية. وكانت تتجسد في أنموذج الاتحاد السوفياتي الذي بلغ حدود التحدي لمكانة الدولة العظمى، وكانت شعوب العالم الثالث تعاني من سياسات أميركا وممارساتها ومشاريعها».

أضاف: «نم يا جمال قرير العين. فلقد انتقمت لك المقاومة في فلسطين وفي لبنان، فغيّرت معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، فلم يعد حروباً تقليدية بل أضحت المواجهة حركة كر وفر تشنها المقاومة فأرغمت إسرائيل على إخلاء قطاع غزة ولبنان، ما عدا مزارع شبعا، في 25 أيار عام 2000 دون قيد أو شرط، وكذلك انتصار المقاومة في تموز عام 2006.

وأخيراً قلّد الدكتور بشارة الرئيس الحص وشاحاً أخضر اللون، مكتوباً عليه اسم الجائزة، ثم قدّم له درعاً تقديرية.
دولة الرئيس سليم الحص

الضيوف الأعزاء

سيداتي سادتي

هذه مناسبة عزيزة تحببنا بالامتثال بين أيديكم، وذلك للجائزة بحد ذاتها ولمن تمنح له بحد ذاته. إنها مناسبةٌ عزيزةٌ للإسم الذي تحمل، وللإسم الذي يحملها هذا العام. ومن نافل القول إلى حد البداهة أنه نالها باستحقاق ووجب تكريمه، ومن لازم القول إلى حد البداهة أن من يكرم الدكتور سليم الحص يتشرف هو بهذا التكريم.

من هنا يشرفني أن أقف هذا الموقف.

تحملُ الجائزةُ اسمَ رمزِ المشروع القومي العربي الحديث وعنوان التوق للتحرر والتمدن والتطور كوجوه ضرورية لهذا التحرر، مشروع بناء الدولة العربية الحديثة الذي كان لا بد أن يمر عبر تحدي الاستعمار والتخلف والتبعية، أسماءً لنفس المسمى، ومترادفاتٍ لنفس المفهوم، ووجوها لنفس العملة.

تحملُ الجائزةُ اسمَ جمال عبد الناصر الذي من جهة حقق انتصارات عظيمة حلَّق بسببها البعض، ومن جهة أخرى لحقت بمشروعه هزائم جعلت البعضَ الآخر يبرر الزحف استسلاما. ولكنه ومن معه في الخيار بقوا أحرارا يعملون في بناء الدولة والقوات المسلحة ويرفضون الاستسلام، ويتحدون حتى الهزيمة حين وقعت. أما من قام نقيضا لمشروعهم من بينهم فقد ورث عنهم أدوات الانتصار، ولكنه سخَّرها وسخّر النصرَ ذاته لكي يستسلم.

استحق المشروع القومي في عصر عبد الناصر اسم مشروع عربي حديث. وإزاء وجود إسرائيل على أنقاض شعب عربي، وإزاء حيثيات هذا الوجود في سياسة وثقافة واستراتيجية الدول الغربية الاستعمارية المتتالية من بريطانيا وفرنسا وحتى الولايات المتحدة، فإن أيَّ مشروع عربي للتحرر والبناء هو في جوهره مشروعُ مقاومة وتحرير إرادة. ولكن التحرير وعملية بناء الأمة والدولة هما أكثر من مشروع مقاومة.

سيداتي سادتي

قبل أسابيع طلب مني الدكتور خير الدين حسيب أن أكتب افتتاحية المستقبل العربي في ذكرى ثورة 23 يوليو. وقد كانت هذه فرصة للتأمل طويلا بصياغة قصيرة لما ميز ذلك النوع من العروبيين الذي ينتمي اليه سليم الحص والذي يستثير في الناس مشاعر الاحترام.

صحيح أنهم اخلصوا لفكرة قومية عربية صاغوها باساليب مختلفة وأجمعوا انها تسيس الانتماء الثقافي، لا العنصري ولا العرقي ولا الطائفي، للأمة، وصحيح انهم لم يقبلوا اي شكل من اشكال الاستسلام للاستعمار الاستيطاني في فلسطين، وصحيح انهم آمنوا بالوحدة العربية وبضرورة بناء مجتمع عربي حديث عبر بناء الدولة، رغم التفاوت في فهمهم للديمقراطية وحقوق المواطن ودور الجيش، وتميزوا بإيمانهم بدور الجماهير وحقوقها الاجتماعية وحقوق الفلاحين والدور التنويري للتعليم، وفهم الحاجة لبناء الاقتصاد الحديث ومراكمة رأس المال الاجتماعي عبر التأميم والقطاع العام، وصحيح أنهم أدركوا مبكرا ان التحديث والاقتصاد الانتاجي غير الريعي يمر عبر المواجهة مع الاستعمار... كل هذا صحيح.
ولكن صحيح ايضا أن جمهوراً غير قليل منهم، وباستثناء قلة من المتماسكين مثل سليم الحص، سقط أحيانا في براثن الخطاب الشعبوي والرومانسي، وحتى من وصلوا إلى سدة الحكم منهم، لم يتمكنوا من المقاربة الجدية لتحقيق الاتحاد حتى بين دول عربية حكموها بشكل متزامن، وأخفقوا في مواجهة إسرائيل والصهيونية إقليميا وعلى المستوى العالمي، ولم يفصلوا دائما بين ضرورات مواجهة القوى الغربية والرجعية المتآمرة وبين استسهال حالة الطوارئ والاعتماد على الجيش والأجهزة الأمنية... وكما تعلمون بات من المسلمات أنه في ظل انعدام الديمقراطية سَهُل تحويل القطاع العام إلى رأسمالية دولة بيروقراطية فاسدة سرعان ما تآكلت مشاريعها وتجوفت مقدمة التبريرات للخصخصة ولتقديم عملية نهب المال العام كأنه عملية إصلاح...

بالإمكان التوسع في تعداد الجوانب المشرقة والإخفاقات عند هذه الشريحة أوتلك من ذلك الجيل، وبالإمكان تعداد الإخفاقات والسلبيات... ولكن المهمة ليست موضوع إنشاء مدرسي تتعدد فيه السلبيات والإيجابيات، بل نحن إزاء موقف تاريخي، لم تشكِّل في سياقه الإيجابيات بدائلَ للسلبيات... بل شكلت فيه الرجعية والتبعية للاستعمار والقبلية والعشائرية والطائفية بدائل للمشروع القومي حتى على مستوى الهوية.

ولكن إذا أعملنا الفكر قليلا نجد انه حتى في ما وراء هذا الموقف التاريخي، الذي يجعلك تنحاز للمشروع القومي متجاوزا، دون تجاهل، المقابلة بين السلبيات والإيجابيات، فسوف نجد أن هنالك ما يمكن الاتفاق عليه في تقييم ذلك الجيل بغض النظر حتى عن الموقف التاريخي مع أو ضد مشروعه.

خلافا للملكيين والإقطاعيين وحتى اللبراليين المحافظين في ظل الوصاية الاستعمارية كان القوميون الجمهوريون من أبناء ذلك الجيل أصحاب مشروع عام يعملون من اجله ويجتهدون، ويصيبون ويخطئون.

إنه تميز "صغير" عن سياسيي اليوم أيضا. وبالنسبة للناس يشكل هذا التميز كل الفرق اللازم لتحديد موقف من السياسة بشكل عام. هذا "الفرق الصغير" هو المسؤول عن هذا الشعور بالاحترام رغم الاختلاف، وعن تشكل الأخلاق والأعراف العامة التي كانت سائدة في الثقافة والفن والأدب والسياسة والحيز العام بوجه عام... أقصد هذا الشعور بأن السياسة تمارس في خدمةِ مشروع عام ومن زاويةِ نظرِ الصالح العام..

لم يكن قادة المشروع القومي في مصر والجزائر وسوريا والعراق فاسدين، كما يدعي حاليا من يحاول أن يسقط على الماضي تجربة الحاضر قسرا. فربما انتشر نوع من سوء الإدارة، أو ربما كانت هنالك حالات من الفساد الفردي. ولكن صنّاع القرار لم يتحولوا إلى أثرياء عبر استغلال الموقع السياسي، ولم يسد فيهم حكم العائلة والأقارب، "نيبوتيزم". فنحن نعرف أسماء أبناء عائلاتهم وأبنائهم من كتابة المذكرات الجارية حاليا.

ولا يقارن كل هذا مع فساد الأنظمة الدائرة في فلك الاستعمار أو بفساد نيو لبراليي اليوم، وحلفاء اميركا، او بالفساد المستشري في الدولة القومية المتأخرة بفئاتها الطفيلية من القرابة والنيابة وحتى الوزارة والحزب. فهي التي حولت الحزبية من موقف وبرنامج ونضال وعبء وواجب وسعي للسيطرة لغرض تطبيق الأفكار والبرامج إلى نفوذ ورأس مال سياسي له قيمة تبادلية مثل أية سلعة، ومثل أي قطاع في اقتصاد الخدمات، ولذلك يجوز استبداله بالثروة... ولذلك صارت المراءاة هي الطريق إلى الجاه، والجاه هو الطريق إلى المال، وصار ابن خلدون مصدرا للمصطلحات في فهم المرحلة.

لقد سعى ذلك الجيل فعلا الى بناء ثقافة وطنية ودولة حديثة والى تطوير الزراعة والصناعة وتعميم التعليم والى العدالة الاجتماعية وإلى تحرير فلسطين. وبغض النظر او بدون غض النظر عن أخطائهم، كانت هذه أولوياتُهم فعلا. كانوا أصحابَ مشروعٍ عام. أما الطبقةَ السياسيةَ في أيامنا فصاحبة مشاريع خاصة، في الجمهوريات وفي الأنظمة الملكية.

وإذا كانت القيادات السياسية في يومنا صاحبة مشاريع خاصة سياسية واقتصادية، مسخِّرة في خدمتها أدوات حزبية وأمنية وعشائرية وطائفية، فلا بد ان تنحلَّ معها الأعرافُ والأخلاقُ العامة.

فليس الصالحُ العامُ عبارة عن مجموع المصالح الخاصة. والدفاع عن المصالح الخاصة في حرب الكل ضد الكل لا يؤسس لأخلاق عامة بل لخيارات: الاستبداد او الفوضى.

تقوم الأخلاق العامة على وجود صالح عام وحيز عام. وتقوم السياسة الجمهورية، خلافا لإدارة الامتيازات الملكية والأرستقراطية، تقومُ على فصل الحيز العام عن الخاص... بما يحافظ على كل منهما.

في يوم منح الجائزة لعزيزنا الدكتور سليم الحص نتذكر انه ينتمي لأصحاب المشاريع العامة، ممن يعتبرون المنصب الرسمي أمانة في خدمة برنامج متعلق بالحيز العام والصالح العام، ويأخذون الحرب على الفساد بجدية. وقد كان سلوكه هذا كما تعلمون مدعاة للتندر في صفوف الفاسدين من السياسيين والإعلاميين الذي يعتبرون الخدمة المدنية نوعا من السذاجة ويرون حسنَ التدبيرِ سوءَ تدبر، ويحسبون الافراط في الإيثار وتجنب الأثرة قلةَ حيلةٍ ، كما يسمون الأخلاقيات المهنية والتمسك بالمعايير المهنية والمؤهلات عند التعيين قلة سياسة، ويعتبرونها جميعا مدعاة للسخرية في مجتمعِ التقاءِ النفوذ السياسي بالمصالح الخاصة للقلة، وتعميم وعلنية الفساد...

وكانت نفس الأسباب مدعاة للاحترام بين الناس العاديين من جهة أخرى. وهنالك أيها الأخوة عدا زعماء الطوائف ومثقفيها، والأجهزة واقلامها المأجورة، ناس عاديون، يبحثون عن معنى حتى في السياسة.

وكانوا يجدون المعنى في خدمة الصالح العام نضالا في سبيل وحدة الأمة أو في مشاريع بناء يعلقون عليها الأمل لابنائهم وأحفادهم. تشعرهم بالكرامة وتستحق ان يضحى من اجلها لأنها ليست مشاريع خاصة لهذا الزعيم أو ذاك واقربائه وانسبائه السياسيين والعشائريين.

هذا تميز واحد صغير، وهو يصنع كل الفرق.

سيداتي سادتي

نتيجة للتطور التاريخي منذ عام 1967، وما أضيف إليه من عوامل إقليمية ودولية، وتدهور المشروع القومي إلى إيديولوجية تبريرية لأنظمة لا تطرح إلا مسألة بقائها في السلطة، أو هوية سياسية لأحزاب في المعارضة تنازلت سلفا عن طرح مسألة وصولها إلى السلطة... نشأ وضع باتت فيه القوى الخصم للقومية العربية تتعامل معها كمجرد إيديولوجية، بمعنى الوعي الزائف. وبلغ هؤلاء من الصفاقة حد إنكار وجود قومية عربية خارج إيديولوجية الأحزاب تصلح أساسا لتشكل الأمة. وهو ما لا ينكرونه على شعب من الشعوب، ولا حتى على مجتمع استيطاني مثل إسرائيل.

وضاق الهامش حتى بات كل من يعرف نفسه كعربي في نظرهم قوميا عربيا، لأنهم ينكرون على العرب حتى تعريف أنفسهم كعرب.

لقد جاء هذا التبسيط الحالي الذي قام به خصوم القومية العربية من باب "ولا تكرهوا أمرا عله خير لكم". فهذا التبسيط يكادُ يجعل كلَّ عربي عروبيا.

وهو إذ يطابق بين العربية والعروبة يسمح لنا ان نعيد صياغة مفهوم العروبة. ولا تقلقوا فلن أفعل ذلك اليوم وفي هذه المناسبة. بل سأكتفي بمقدمات لا بد منها متعلقة بالسياق التاريخي لأي تعريف من النوع الذي اختير عنوانا لهذه المحاضرة.

أن تكون عروبيا يعني ان تعرف نفسك كعربي في فضاء الانتماءات السياسية. ليست القومية العربية إيديولوجية شاملة، بل انتماء ثقافي يدعي العروبي. إنه أصلح من الطائفة ومن العشيرة لتنظيم المجتمع الحديث في كيان سياسي. ويثبت الواقع أنه أكثر توحيدا للشعب في أية دولة عربية من الانتماء القطري، وهو بالتالي أضمن لوحدة الدولة القطرية من اختراع هوية وطنية على أسس طائفية أو عشائرية.

أن تكون عروبيا لا يعني ان تجعل الانتماء للقومية أساس المواطنة، بل يعني أن العروبة أساس حق تقرير المصير وبناء الدولة.

والعضوية في الدولة-الامة تعني المواطنة المتساوية إن كان المواطن عربيا ام غير عربي.

أن تكون عروبيا لم يعن، ولا يعني حاليا بالضرورة أن تكون ديمقراطيا. بيد أن التجربة التاريخية أثبتت أن نظام الحزب الواحد مسنودا بتعدد الاجهزة الأمنية وانتشارها في جسد المجتمع لم يحقق وحدة، بل شوه حتى بنية الدولة القطرية التي بنيت في مرحلة المد القومي. من يدعو الى الوحدة العربية لا بد ان يستند إلى إرادة الغالبية الساحقة من الأمة، وأن خير تعبير عن إرادة الأمة وأقصر طريق لحق تقرير مصيرها هو الديمقراطية، وشرطها حقوق المواطن والحريات المدنية.

أن يكون الإنسان عروبيا لا يعني بالضرورة أن يؤمن بالعدالة الاجتماعية. ولكن التجربة التاريخية تثبت أن توسيع الهوة بين الغني والفقير يفتت الأمة، وأنه لا تبنى أمة يتلقى ابناؤها التعليم بمستويات مختلفة وبرامج تدريس مختلفة ولغات مختلفة، أو يتلقى مرضاها العلاج طبقا لوضعهم الطبقي... لا بد إذا من جمع الفكرة القومية مع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية... وطبعا يفضل أن يكون هذا الجمع قيميا أصلا.

ولأن الاستعمار وإسرائيل قد حددا موقفا ضد العروبة هوية لشعوب ودول المنطقة، وموقفا ضد الاتحاد العربي بدأ بفصل الشرق عن الغرب بالسطو المسلح على فلسطين، ونهاية بالاستفراد بكل دول عربية على حدة في شؤون الثروة والثورة والاستراتيجية، وأخيرا في ما يسمى بعلمية السلام... فأن تكون عروبيا يعني بالضرورة أن تدعم المقاومة.

ولكن ذلك لا يفترض ان يعني ولا يعني بالضرورة ان تتغنى بالمقاومة وتترك ممارستها للتيارات الدينية. وهذه مسألة لا بد ان يحسمها التيار القومي. لا يكفي تقريب التيارات الدينية المقاومة من الفكرة العربية وتأكيد انسجام الفكرة العربية في إطار الحضارة الإسلامية، ولا يكفي تنبيه المقاومة من خطر المذهبية على التواصل بين المقاومة ومجمل الأمة، ولا يكفي التحذير من أن المقاومة ضد الأجنبي بذاتها ليست ثقافة ولا تشمل بحد ذاتها برنامجا لما بعد التحرير... فكل تحذيراتنا هذه لا تكفي اذا لم يمارس هؤلاء العروبيين الوحدويين المعارضين للطائفية والمذهبية أصحاب البرامج لما بعد التحرير المقاومة بأتفسهم.

طبعا لم أقل اليوم في إثبات هذه السياقات شيئا عن العكس... فلا يمكن أن تكون ديمقراطيا عربيا ومعاديا للعروبة لأنك ستجد نفسك داعيا لقمع إرادة الأغلبية، ولا يمكن ان تكون لبراليا فعلا ومرتبطا مع التدخل الاجنبي لان هذا الارتباط سيقودك بالضرورة الى التقليل من شأن قمع حربة وحقوق الأفراد، ولا يمكنك حتى أن تكون لبراليا اقتصاديا وتدعم سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة لانهما تساندان أنظمة تقوم على تداخل الامتيازات السياسية بالاقتصادية بتوزيع الوكالات كما توزع الاقطاعيات وبنهب الدولة، والإثراء السريع... ولذلك نقول ان النيو- لبرالي ليس ديموقراطيا ولا حتى لبراليا بل تختزله التجربة ويختزل ذاته الى مجرد ممسوس بلوثة عداء فقد بريقه لكل ما هو عربي، وساخرا سخرية مرة باتت مملة من المقاومة والممانعة وغيرها من التعابير التي تثير لديه لسبب ما الرغبة بالضحك.

لم أخض في هذا الموضوع لكي لا أفسد بفائض التحليل تكريمَ رجلٍ عروبي وديمقراطي معادٍ للفساد ومؤيد ثابت للمقاومة ولحقوق الشعب الفلسطيني.

ليس خطابنا السياسي في هذه المناسبة خطاب هزائم على سقمه وعلله والإفراط في عجزه حتى اليأس والقنوط في مراحل سابقة، ولا خطاب انتصارات على مغالاته ولا واقعيته المحلقة في مرحلة حالية. إنه خطاب متواضع، كما كانت وتكون المقاومة حين تحقق انتصارات فعلية.

يفترض أن يتحلى خطابنا في هذه المناسبة العزيزة بالواقعية من اجل تغيير الواقع لا من أجل تكريسه، والثورية النقدية من أجل ترشيد وعقلنة وأنسنة الحلم حتى لا يتحول الى طوبى غاضبة أو مقرعة او تبشيرية سرعان ما تتحول من الإيديولوجية الشمولية الى الانحلال الشامل.

الأقدام ثابتة على الأرض، ولكن الأقدام فقط على الأرض، لا الصدور ولا الرؤوس وإلا تحولنا إلى زواحف. والرأس في السماء، ولكن الرأس فقط في السماء، وليس الأقدام، وإلا حلقنا كالطيور. والطيور ليست حرة بل هي كالزواحف عبيد غرائزها، ولكنها تمارسها في الفضاء تحليقا.

الإنسان فقط هو الذي أهلته الطبيعة أو العناية الالهية أن يمشي منتصبا محرر اليدين وأن يفكر بحرية. الحرية والواقعية النقدية خياران متلازمان شرطهما الإنسانية الواقعة بين السماء والأرض.هذا ما تشترطه كل نزعة إنسانية بما في ذلك عروبتنا الإنسانية.
مبروك للجائزة ولحاملها ومهنئيه.

والسلام عليكم.