نعوا وكتبوا عن جوزف سماحة.. | أخبار عربية ودولية | عرب 48" /> نعوا وكتبوا عن جوزف سماحة.."/>

نعوا وكتبوا عن جوزف سماحة..

<font color="black"> نعوا وكتبوا عن جوزف سماحة..</font>

كنتَ كثيراً على قلب الظلام المحيط. الجوقات الموحَّدة تضيق بالمنفردين. البيئة تعاقِب، يعاونها الموت المستهزئ. صنوان. الموت ضَحْل ومملّ كالبيئة، كالسلطة. يتكافل وإيّاهما في القتل. موتٌ كموتكَ قَتْل. ليس لك وحدك بل لصحافة، لقارئ، لصديق، لأمل.
كثيرون مثلي يقولون الآن: ليتنا لم نعرفه.

***
الصحافي اللاشخصي أصبح شأناً شخصيّاً لكل قارئ. أنجح محامي القضايا المظلومة. مطالعاته اجتهادات أمام جمهور متناقض في مسائل تمشي معظم التيارات عكسها، وتنتهي المطالعة بإقناع «الأعداء»، أو على الأقل برمي الشكّ في نفوسهم. شرط أن يتوافر لهم حد أدنى من الشفافية. ذَكَرَ مرّة في إشارة إلى صديق له «من الفريق الآخر»: «قلت له: أنت وأميركا غلبتمونا في كل شيء. تغصّون بهذه المساحة الصغيرة الباقية لنا ننتقدكم فيها؟».

جوزف سماحة هو الصحافي الآخر، نقيض ما اعتادته الصحافة العربية. هو صحافي التحليل والمعلومات وهي صحافة التوجيه الوعظي المباشر. لم يكن يختلف في شيء عن معلّقي كبريات الصحف الأوروبية والأميركية غير كونه يكتب بالعربيّة.

هو صحافي الثقافة الشاملة والعرب صحافة الأيديولوجيا والخطابة. بقعة ليّنة في مساحة متحجّرة. شمولية متواضعة كشمولية المعلّمين. سخرية نبيلة، مترفّعة، عفويّة، مفاجئة وسط رصانته كمفاجأة طفولة تَخْرج فجأة من كهولة. رأسُ جيل من الصحافيين اللبنانيين غيّروا وجه الصحافة العربيّة وخرّجوا تلامذة لا يزالون يغيّرونها نحو الأحدث.

منتهى اللاقمع في ممارسته رئاسة التحرير. الأكثر ديموقراطية بين جميع من عَرَفت. كان يقول لمن يستشيره في ما يكتب: «اكتب ما تريد، حتّى لو كان ضدّ سياسة الجريدة». حين تفرغ من قراءة مقاله يُخيّل إليك، لكثافة ما فيه من علم ومعلومات ولقوّة التركيز وبراعة الحجّة وابتكار المعادلات التعبيرية، أنه سيمرّ وقت قبل أن يستجمع قواه ويكتب المقال التالي. ولا يكاد الصباح يطلع حتى يأتيك باللاحق أدسم من السابق.

«أكثر ما أُدْهَش هو حين أقبض راتبي آخر الشهر. أقول في نفسي: «يا رجل، لماذا يدفعون لك؟»، فليس عندي أمتع ممّا أعمل في الجريدة. أنا من يجب أن يدفع لهم».
أو يقول، هو الذي يصل مع الصباح وينصرف مع الفجر: «كلّما ذهبتُ إلى البيت شعرتُ بالذنب».

أيّها الراهب العلماني البريء من أيّ تعصّب، أيّها الرقيق المعتذر من ظلّه، السخيّ بصداقة لا يضاهي صمتَها إلاّ فاعليّتُها، تكدّستْ فيك الوحدة حتّى فاضت. تكدَّس فيك حزن الأرض تحت نقاب الابتسامة. ليس الجهلُ ما يَقْتل بل المعرفة. المعرفة، الوعي، حدّة وعيك، كلّها تَنْقل الموت. موت المرهَفين. كل شيء يَقْتل المرهفين، وأنت من سادتهم.
والفراغ الذي تتركه لن يملأه إلاّ الشعور أكثر فأكثر بفراغك.

فجعت الاوساط الاعلامية والثقافية والصحافة العربية واللبنانية الأحد بفقدان القلم الحر والضمير الاعلامي العربي الصحفي الكبير الاستاذ جوزيف سماحة احد اعلام الصحافة العربية، ورئيس تحرير جريدة الاخبار اللبنانية الذي وافته المنية في العاصمة البريطانية لندن، اثر نوبة قلبية لا تخفي اثار الجهد الفكري الذي بذله في ظل الهجمة التي يعيشها لبنان والعالم العربي حاليا.

وتوقف القلب الكبير الذي ينبض كل يوم في افتتاحية جريدة الاخبار مسابقا تدفق المخططات الخارجية الغادرة ومستبقا اهدافها بالتحليل الموضوعي والاستراتيجية الصحفية المقاومة. واحترم سماحة قارئه العربي فكرس نفسه لنزيف اعلامي يومي على صفحات الاخبار كان يعرف مخاطره ونتائجه في ظل الاحداث المريرة والمخططات الغادرة التى يعيشها لبنان والوطن العربي حاليا، لكنه كان يدرك ان خيار الكلمة الحرة وحده المدافع عن الانسان والوطن.

وقد تفرد الفقيد الكبير بأسلوبه الرؤيوى المستند الى خبرة اعلامية طويلة وشبكة معلومات واسعة نسجها ببحثه الدائم ودراساته الدؤوبة فكان شخصية اعلامية يصعب تكرارها استطاعت مصداقيتها ان تواجه بالكلمة مشروع الشرق الاوسط الكبير وتتصدى لاستراتيجية المحافظين الجدد تجاه لبنان وفلسطين والعراق وسورية.

وعرف الراحل الكبير بابتعاده عن اضواء الاعلام المرئي لكنه سلط ضوء رؤيته بالكلمة فاضاف الى بيروت منارة اخرى ستظل تشع بضوء المعرفة على مدى تاريخ شهداء الكلمة وصانعي الاعلام العربي.

والفقيد الكبير من مواليد /1949/ وقد انهى دراسته الثانوية في مدرسة الفرير في بيروت لينتقل بعدها الى الجامعة اللبنانية حيث تخرج حاملا شهادة الماجستير في الفلسفة، وبدأ حياته المهنية صحفيا ملتزما بقضايا النضال العربى فى صحيفة السفير اللبنانية وشارك في اصدار صحيفة الوطن التي كانت الناطقة باسم الحركة الوطنية اللبنانية خلال السنوات الاولى من الحرب الاهلية اللبنانية، ثم انتقل لاحقا الى باريس حيث عمل في مجلة اليوم السابع، ثم الى لندن حيث عمل في صحيفة الحياة العربية التي تصدر فى لندن، ثم عاد الى بيروت بعد انتهاء الحرب ليرئس تحرير صحيفة السفير بضع سنوات قبل ان يتركها ليشارك فى تأسيس صحيفة الاخبار حيث تولى رئاسة تحريرها.

ونعت نقابة المحررين في لبنان الصحفي الكبير الراحل مشيرة الى انها تلقت نبأ وفاته بالم وذهول كبيرين مشيرة الى ان الراحل الكبير كان قامة لبنانية وعربية مشهود لها بوقوفها الى جانب الحق ومناصرة المستضعفين ومقاومة الاحتلال والدفاع عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية، مؤكدة انه اطل على الصحافة في لبنان والبلدان العربية كعادته قلما تدين له الصفحات، واسلوبا يشق طريقه الى القلوب ورأيا يخترق العقول ويسهم في تشكيل القناعات وتكوين الرأي العام وتوجيهه.

وأعلنت نقابة الصحافة اللبنانية عن فتح ابوابها يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين لتقبل التعازي بالراحل الكبير فيما سيتم في وقت لاحق تحديد مراسم الدفن.

فقدان الاستاذ سماحة خسارة كبيرة في الاحداث التي يعيشها لبنان والوطن العربي.

وأكد اتحاد الصحفيين السوريين ان وفاة الكاتب والصحفي الكبير جوزيف سماحة هى خسارة للاعلام العربي بشكل عام والصحافة اللبنانية بشكل خاص نظرا لما يمثله الراحل وما يحمله من فكر وطني وقومي امن به وعمل من اجله ورحل وهو يدافع بقلمه عن عروبة لبنان وعن هوية لبنان المقاوم.

وأعرب السيد الياس مراد رئيس الاتحاد عن اصدق مواساته لنقابة الصحافة ونقابة المحررين اللبنانيين بخسارة الصحفي الكبير سماحة.
كما تقدم بالعزاء من العاملين في صحيفة الاخبار التى يترأس تحريرها.
وبدورنا في شام برس نتقدم بأحر التعازي من محبي الراحل على امتداد الوطن العربي وللزملاء في جريدة الأخبار.
«بهدوء»، كما تعوّد أن يكتب «القلم الأخضر»، رحل جوزف سماحة..
«بهدوء» وكما عوّد أهله وأصدقاءه، المعجبين بكتاباته والمنزعجين من موقفه المعزز باتساع معرفته، رحل جوزف سماحة، بغير وداع، هو الذي قصد لندن ليكون إلى جانب رفيق عمره و«منافسه» حازم صاغية فيودع معه صديقة عمريهما المبدعة مي غصوب.

«بهدوء» أخلى مكتبه وبيته و«الافتتاحية» التي طالما شكّلت علامة فارقة في الصحافة في لبنان خاصة وفي الصحافة العربية عموماً، وهي التي كان يجد فيها القارئ ما يساعده على أن يفهم كيف يصنع «القرار»، وأين يصنع، وبمن، ليكون من ثم قدرنا إذا ما عجزنا عن مقاومته وإفشاله.

لقد انكسر واحد من الأقلام هي بين الأغنى ثقافة، والأصلب في مقارعة الغلط، والأكثر استنارة، والأقدر على استيلاد الأفكار البكر والمؤهلة لأن تجدد في نمط الإنتاج الصحافي بحيث يغدو أقرب إلى العصر.

«بهدوء» غادر جوزف سماحة المشروع الصحافي الجديد الذي يحمل الكثير من بصماته، الزميلة «الأخبار»، وقد وضع له أسس انطلاقته مع الزميل إبراهيم الأمين ومجموعة من أبناء المهنة وأهل الرأي، ولكننا في «السفير» نستشعر الفقد بقدر ما يعيشونه وأكثر، لأنه في «السفير» نشأ ومعها كبر، وإليها أضاف بعض ما نعتز به فيها.

لقد استحق جوزف سماحة، وبجدارة، أن يحتل موقع الرأي في «السفير»، وأن يكتب افتتاحيتها لسنوات طويلة، ومن حقه اليوم أن يحتل بخبر غيابه المفجع رأس «السفير» التي فيها خطا خطواته الأولى في الصحافة، وفيها تعلم وأخذ من أساتذة كبار في هذه المهنة ـ الرسالة، بينهم من قضى نحبه اغتيالاً أمثال الراحلين إبراهيم عامر وناجي العلي، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً مثل بلال الحسن ومحمد مشموشي وميشال حلوه وغيرهم كثير..

ولقد جاء جوزف سماحة ومعه رفيق عمره حازم صاغية، أعانه الله على مصابيه، إلى «السفير» وهي مشروع ـ جنين. كانا يحملان الحلم بالتغيير، والرغبة بأن يساهما في ولادة «جريدة مختلفة»: صريحة في خطها وشعاراتها، شجاعة في فتح صفحاتها للمختلفين معها، ومؤهلة لأن تعطي أصحاب الأحلام موقعاً أو منبراً يسمح بتخطي المألوف والتبشير بإعلام أكثر حداثة.

ومنذ العدد الثاني كان جوزف سماحة قد احتل ـ بتعليقه اليومي ـ مساحة في صفحة الرأي... وفي حين اكتفى حازم صاغية بأن يحصر اهتمامه بالثقافة والرأي والنقاش المفتوح مع الذات ومع الآخر، فإن جوزف سماحة قرّر أن يكون «صحافياً»، فأفاد من «الكبار» لكي يعرف عن المهنة أكثر، كما أن إطلالته على الصحافة الغربية، والفرنسية تحديداً في البداية، ثم البريطانية والأميركية بعد ذلك، قد ساعدته على أن يقترب أكثر من مكمن السر في الصحافة الحديثة: أن تكون وسيلة للمعرفة، وأن «تصنِّع» الخبر، وأن تضيف إلى «الأخبار» التحقيق بحيث تزوّد القارئ بالوقائع الكاملة، والأرقام الدالة، والمصالح الكامنة خلف الظواهر..

بعد سنوات قليلة ولكنها حافلة بالتجربة، غادر جوزف سماحة «السفير» أول مرة ولفترة قصيرة... ثم عاد إليها وقد قرّر أن الحزبية لا تصنع صحافة.

وبعد الاجتياح الإسرائيلي غادرنا ـ بالاضطرار ـ بعض أركان «السفير»، وأولهم بلال الحسن الذي لم يلبث أن أنشأ مجلة «اليوم السابع» في باريس، فاستعان بجوزف سماحة كمدير للتحرير... وعندما أعجزت الظروف القاهرة بلال الحسن عن الاستمرار في إصدار مجلته، غادر جوزف سماحة إلى لندن ليلتقي ـ مجدداً ـ مع حازم صاغية في جريدة «الحياة».
ومؤكد أن جوزف سماحة كان واحداً من الزملاء الذين أفادوا من «زمن الغربة» ليقرأوا أكثر فيعرفوا أكثر عن «الغرب» والعلاقة الشوهاء بين هذا الغرب الفرنسي ـ البريطاني ثم الأميركي بالمطلق، مع العرب.

كان جوزف يقرأ كثيراً ويكتب قليلاً... ولكن في هذا القليل كل ما قرأ عنه في «الكتب السميكة» وفي التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات وليس فقط في المطبوعات السيارة.
... وكنا في «السفير» نعرف أن جوزف سماحة عائد إلينا، بغير اتفاق، تماماً كما غادرنا بغير وداع... وهكذا فقد جاء إلى مكتبه وكأنه كان في إجازة قصيرة. وحاول أن يجدّد في «السفير» وأن يضيف، في ظروف مختلفة تماماً عن ظروف المؤسسات التي كان يريد ويتمنى ويعمل لأن نقترب من مثالها..

ومرة ثالثة غاب جوزف سماحة عن «السفير»، ومرة ثالثة عاد إليها رئيساً للتحرير... ومن جديد أضاف، بغنى التجربة والإصرار على التجدد، صفحات وأبواباً وزوايا تحمل قدراً من المعاصرة.
.. وحين غادرنا جوزف سماحة إلى تجربته الأخيرة في الزميلة «الأخبار» كان قد ترك خلفه مجموعة من «تلامذته» الذين ما زالوا يجهدون في تقديم الجديد والمختلف، أسلوباً وإخراجاً، في الجريدة التي أعطاها جوزف سماحة أكثر من ربع عمره.

٭ ٭ ٭
«بهدوء» غادرنا جوزف سماحة، الذي كان يكره الوداع..
ولأن جوزف سماحة قد تنكب قلمه الأخضر ومضى في الرحلة التي لا عودة منها، يمكنني الحديث عنه متخففاً من حرج الزمالة التي تضعني في موقع يضعفني أمامه، لأقول إن خسارة الصحافة في لبنان جسيمة.

لقد كان قلماً مضيئاً في زمن العتمة التي تكاد تسد علينا الطريق إلى الحقيقة، بل إلى معرفة الوقائع والتثبت من صحتها. إنه زمن الغلط، وأهل الغلط، في السياسة كما في الاقتصاد، في الثقافة كما في الاجتماع. ولذا ترانا على حافة الحرب الأهلية، ليس في لبنان فحسب، بل على امتداد هذا العالم العربي ـ الإسلامي.

وتفرض عليّ الأمانة بأن أشهد بأن جوزف سماحة كان من أوائل مَن تنبّهوا ونبّهوا إلى خطر الحرب الأهلية هذه، في لبنان وفي فلسطين وفي العراق ومن ثم في سائر الأرض العربية.

وفي لحظات اليأس من الواقع، كاد جوزف سماحة يفترض أن على القوى القادرة على الإنقاذ، بالأفكار كما بصلابة العقيدة، وأساساً بالتنظيم، أن تحضر نفسها لخوض هذه الحرب التي ستفرض عليها، لكي لا تباغت بها، وأن عليها بالتالي أن تنتصر فيها على دعاة الفتنة ممن يعملون للأجنبي ويخدمون المشروع الإسرائيلي ـ الأميركي الذي لا مكان فيه للعرب ـ كل العرب ـ في مستقبله القريب... بل هو يريدهم طوائف ومذاهب وعناصر وقبائل وعشائر مقتتلة في خدمة الغير، في دويلات ـ مزق، متهالكة ولا تعيش إلا في حضن الأجنبي وبإمرته، ضد أهلها وتاريخها ومستقبلها.

كان جوزف سماحة يرى أن على القوى المؤهلة لصناعة الغد أن تستبق دعاة الحرب الأهلية، فتفجّر الصراع ضد أهل الشر، والخاضعين ـ سلفاً ـ لأمر الأجنبي، المندفعين إلى الصلح مع إسرائيل بشروطها اللاغية لحاضرهم، والمسلِّمين بالهيمنة الأميركية على حساب أمتهم بشعوبها وثرواتها وحقها في الحياة.

... لكن النهاية جاءت أسرع ممّا نقدر، وأقسى مما نتوقع: لقد رحل جوزف سماحة، في الغربة، وهو يسعى لأن يكسر قسوتها على بعض رفاق العمر، فصارت الخسارة أثقل من أن نستطيع احتمالها، سواء في «المهجر» أو في «المقهر» على حد ما كان يقول كبيرنا الذي فقدناه المبدع بهجت عثمان.
«بهدوء» رحل جوزف سماحة، وسكت «القلم الأخضر» الذي طالما نبّهنا إلى ضرورة التصدي للغلط حتى لا يحكمنا أو يتحكّم فينا.

و«السفير» التي تستشعر مع الزميلة «الأخبار»، فداحة الخسارة، لا تجد ما يعوّض عن جوزف سماحة إلا في حماية ما جعله واحداً من مؤسسيها والذين وجدوا فيها منبراً للتبشير بضرورة العمل من أجل الغد الأفضل.

و«بهدوء» علينا تقبّل هذه الخسارة الجديدة في العصر الذي يحتاج الكثير من الأقلام الخضراء، مثل قلم جوزف سماحة، لكي نخترق الليل فيه أو نحدث فيه ثغرة لشمس الغد... أوليست «السفير» صوت من لا صوت لهم.
هل يهم متى كانت آخر مرة سهرنا فيها مع جوزف؟ أو آخر حديث هاتفي؟ أو آخر زيارة له في مكتبه؟ وماذا قال وآخر تعليقاته وآرائه؟

سأدع لغيري تعداد صفات جوزف، فكل واحدة منها تدفع الى تحسس أعمق للخسران. وسأحتفظ لنفسي بذكرياتي معه وساعات من الأحاديث أضاءتها أفكاره المشعة وذكاؤه اللماح. وسأمتنع عن الخوض في تقييم خياراته المهنية والسياسية، خصوصاً في العامين الماضيين.

كما لا أراني قادراً الآن على كتابة كلمات عن عوالم جوزف سماحة وأدواره الثقافية والصحافية والسياسية والانسانية، وعن رهافة مشاعره وتواضعه الاصيل.

منذ استقالته من «السفير» مطلع آذار الماضي، افتقدت أكثر ما افتقدت نزهاتي الى مكتبه بعد الظهر حيث أجده عادة مستلقياً على كنبة في الزاوية يقرأ أكداساً من مقالات الصحف أو تقارير مراكز الدراسات. فنجان قهوة وتداول في الاخبار وبعض النميمة والنكات ثم عودة الى العمل. استراحة ضرورية، تحمل دائما إضاءة على ما تغفله عين متسرعة. وبين الحين والآخر، أسرق في نهاية الزيارة كتاباً وصله. يتغاضى في أكثر الاحيان عن سرقاتي التي نتواطأ على تبريرها بضيق وقته الذي لا يسمح بقراءات موسعة.

وجوزف قائد بالفطرة. كانت القيادة تسعى اليه من حيث لا يرغب أو يريد. ولأنها فطرية فيه، اعتقد أن في وسعه ممارستها بفيض من طبعه الدمث وسحره العارم، فيما هي في بلدنا هنا تسلط وإرغام، لم يكن الرجل على استعداد للقيام بأي أمر يمت اليهما بصلة.

٭٭٭
كانت قد مرت خمس دقائق منذ أقفلت سماعة الهاتف مختتماً حديثاً مع حازم لسؤاله عن أحواله وعن الاجراءات اللازمة في وداع ميّ التي غادرتنا قبل ثمانية أيام، واذ بزهير يتصل غاضبا: لماذا لا تقول؟ ـ أقول ماذا؟ ـ مات جوزف سماحة!!

أثناء الاتصال وعند سؤاله عن جوزف الذي توجه الى لندن لمواساة صديقه، قال حازم انه «نائم في الداخل»، ليكتشف ونكتشف بعد هنيهات أن جوزف قرر المغادرة على هذا النحو ليتركنا مع سؤال لن نعثر له على إجابة: لماذ تغادر دائما كأنك تهرب؟

عندما استشهد سمير قصير، كتب جوزف ان «زاوية في القلب انطفأت». واليوم ها هما، زاوية في القلب وأخرى في العقل، تنطفآن، ليبقى جوزف نائما داخل القلب والعقل.

توكأ على قلمه ومشى، لم ينظر الى الخلف حيث صفحات بيضاء كثيرة ما زالت تنتظره، تشتاق الى ‏ريشته المنداة بحبر الحقيقة، ولن تمل من الإنتظار.‏

جوزف سماحه رحل في الوقت الصعب، فالوطن في محنة، في أزمة، والإنقسام استفحل حتى الثمالة، ‏ولعله لم يتحمل رؤية وطنه ينزلق الى الهاوية، ويتضرج بدم ابنائه من جديد، فاعتصر الألم في ‏قلبه حتى انفجر.‏

جوزف سماحه لمع إسماً مميزاً في عالم الصحافة، فارتضت الكلمات ان تطيعه، والمنابر ان تفسح ‏له، والصفحات ان تعشق قلمه، فكتب الحقيقة بجراحها، والاقتناع بثباته، والجرأة بصلابة ‏المقدام، والكلمة المغناج حيث نبضات القلب تتسارع.‏

جوزف سماحه نجم لم يأفل، لأن ارثه الصحافي كبير وكبير جداً، وركن الزميلة الأخبار الذي تهاوى ‏أمس برحيل سماحه سيرمم من جديد، طالما أن هذا الوطن ينجب رجالاً كباراً كسماحه وغيره من ‏الذين امتطوا صهوة الكلمة وكان رمحهم القلم.‏
تغصّ الكلمات حين يُطلب منها وداع الصحافي الكبير جوزف سماحة. وتعجز المقالات عن الوفاء لشفيعها. ولكنّه الموت.. وحده الذي لا يعرف خطوطاً حمراء، وحده مَن يقتحم خصوصيّة الحياة والناس ليتركنا على ضفافه حائرين..مُتألّمين..ومُترقّبين: مَن التالي؟

وحدهم الكبار لا يرحلون. بل يتوارون عن الأنظار فحسب. وحدهم الكبار الكبار يكتبون التاريخ ويستشرفون المستقبل ليكونوا أبداً الحاضر المُفعم بالحياة، ليفترشوا حتّى أضعف ذاكرة وطنية.

كان المرحوم سماحة من أكثر المفكّرين العرب قدرة على التحليل وقراءة ما بين سطور السياسات الدولية والإقليمية ودهاليزها. حتّى إنّ الصحافيّين المختلفين مع فكره العروبيّ واليساري، المُمانع للسياسات الأميركية والصهيونيّة في المنطقة والعالم، كانوا يشهدون بمهنيّته الفائقة والفريدة في صياغة مقاله اليوميّ وبنائه المنطقيّ.

سيفتقد القرّاء إلى خطّ "جوزف" الأحمر الذي كان يرسمه كلّ صباح. سيفتقده قلمه.. كرسيّه..وصباحه المُناضل. سيبحث عنه حبره في صفحات الصحف كافّة عبثاً حتّى يتلمّس أنّ صاحبه أمسى خبرها الأساس كلّها.

اليوم تُكرِّم الصحافة نفسها. وللمرّة الأولى سيشعر روّادها أن فقدانهم لشخص يتجاوز حدود المكان والشكل، يتخطّى حواجز "النوستالجيا" إلى الخسارة الفكريّة الفادحة.
خائفةً ستبقى الصحافة من دونه، وحزينة حدّ اليتم. فكما كان قلم سماحة مُختلفاً حدّ الرؤيا والحدس، كذلك كان رحيله عنّا مختلفاً حدّ الصدمة والاعتصار والتساؤلات المفتوحة على مصراعيها...

تعلّمنا منه الكثير، فلم يكن يتردّد في تشجيع المواهب الصغيرة عندما كان يرى فيها بذرة لمشروعِ صحافي. وكان خطّه الأحمر أوّل ما يخترقنا، قبل احتسائنا فنجان القهوة الصباحيّ.
اليوم، ستّتشح قهوتنا بالسواد، كما لم نكن نراها يوماً من قبل. اليوم، سنشعر، للمرّة الأولى، بمرار في نكهتها، مع أنّنا لم نحتسها، مَرَّة، إلّا مُرَّة.

الرحيل كسر خطّ غياب سماحة الأحمر..ولكنّه لا ولن يستطيع محو خطّ قومي ووطنيّ وإنساني وعروبيّ ومُقاوِم، جعل منه قضية وسمت شخصيّته وبلورتها.
سيتغيّر، من الآن فلاحقاً، إخراج صفحة جريدة "الأخبار" الأولى.. بعد إخلائها، قسراً، من "عمودها" الفقري.


صدر عن الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي ما يلي:
تنعي الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي الصحافي والكاتب العربي الكبير الأستاذ جوزف سماحة رئيس تحرير "الأخبار" اللبنانية، وعضو المؤتمر منذ عام 1996 وشارك العام الماضي في الدورة السابعة عشر للمؤتمر التي انعقدت في الدار البيضاء ما بين (5 – 8 أيار/مايو 2006).
لقد تميّز جوزف سماحة بجرأته والتزامه ومعرفته وكتاباته الغنية بالمعلومات الدقيقة، والتحليلات العميقة، والاستشرافات الصحيحة، فاستحق أن يكون واحداً من الكتاب الكبار في صحافة العرب الحديثة.
لقد تبوأ جوزف سماحة مسؤوليات هامة في صحف عربية بارزة "كالسفير" و "الوطن" و "الحياة" وصولاً إلى "الأخبار" التي ساهم في تأسيسها لتصدر في الصيف الماضي، فكان منذ بداية عهده بالصحافة قلماً مميزاً وصوتاً قوياً ورأياً حراً لا يهادن في حق ولا يساوم في قضية.
قضايا الأمة كانت تحرك كل اهتماماته الصحفية، فيحاول عبر متابعاته الدقيقة والواسعة أن يفتح لها نوافذ، ويستشف رؤى، ويصوغ تحليلات بعيدة عن الخطابية والحماسة والتفكير الرغبوي.
عاش الكفاح الفلسطيني المعاصر بكل جوارحه، مدركاً أن قضية فلسطين هي القضية الأساس في كل قضايا الأمة، وان غالبية الجراح العربية إنما تتصل بذلك الجرح النازف الذي انطلق من فلسطين.
وعاش المحنة اللبنانية بكل تفاصيلها، وكان يطمح إلى إخراج بلده من دوامة الصراعات الطائفية والمذهبية التي وجد فيها أعداء لبنان تربة خصبة لمكائدهم ومؤامراتهم، وتمسك من اجل ذلك بالوحدة والديمقراطية في علاقات الداخل اللبناني، وبالمقاومة والممانعة في مواجهة الاحتلال والهيمنة، فلم تكن مصادفة أن تخرج "الأخبار" في عددها الأول صبيحة انتصار لبنان المقاوم على العدو الصهيوني في 14 آب 2006.
وفي العراق، كان جوزف في طليعة الذين استشرفوا الحرب الأمريكية عليه، وتوقعوا احتلاله، باعتباره كان من أوائل الصحافيين والمحللين العرب الذين رصدوا ظاهرة المحافظين الجدد ودورهم في السياسة الأمريكية مع وصول بوش إلى السلطة، تماماً كما كان أيضاً من أوائل الذين أدركوا عمق المأزق الأمريكي المتصاعد في العراق وانعكاساته على موازين القوى الإقليمية والعالمية، وذلك بفضل المقاومة العراقية الباسلة التي حرص جوزف دوماً على التمييز بينها وبين الارهاب المتوحش ضد الشعب العراقي.
لقد شكل غياب جوزف سماحة خسارة كبرى للصحافة اللبنانية والعربية، كما للمشروع النهضوي الحضاري العربي الذي كان في طليعة من حمل لواءه وسعى، ويسعى إلى تجسيده في الواقع العربي.
كما شكل غياب شخصيته الوادعة المتواضعة النبيلة، خسارة شخصية لكل من عرفه وصادقه لاسيّما من الكثر من أعضاء المؤتمر القومي العربي.
هذا وفور شيوع وفاة جوزف سماحة، توجه الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي الأستاذ معن بشور إلى صحيفة "الأخبار" معزياً باسمه، وباسم الأمانة العامة للمؤتمر، بالراحل الكبير، كما توجه عدد كبير من أعضاء المؤتمر القومي العربي في لبنان للمشاركة في التعزية.
كما كتب الاستاذ معن بشور بتاريخ 26/2/2007، كلمة في فقيد لبنان والعروبة هذا نصها:

كيف سنبدأ صباحنا ...
دون قراءتك يا جوزف
بين قلة من الصحفيين والكتاب اللبنانيين والعرب استطاع جوزف سماحة أن يجمع بين المهنية الراقية والالتزام العميق، فلا جنح باسم المهنية إلى التحلل من الالتزام ولا تلطّى وراء الالتزام كي يعفي نفسه من شروط المهنية القاسية.
قال احدهم "كان جوزف صحفياً يقرأ" فأجاب الآخر"لذلك كان يقرأه الناس"، فهو كان يذهب إلى مصادر الخبر يرصدها، يتابعها، يحللها، يفكك عناصرها، فيقدم لقارئه خدمة تحليلية مميّزة جنباً إلى جنب مع الخدمة الإخبارية الممتازة.
لم يكن جوزف سماحة مجرد صحافي لامع، أو كاتب متألق ينتظره القارئ كل صباح، كما ينتظر فنجان القهوة أو كلمة "صباح الخير" من حبيب أو قريب،بل كان جوزف أيضاً مدرسة في الكتابة الصحافية تجمع بين المعلومة الموثقة، والتحليل العميق، والالتزام الصافي من شبهة العصبوية والفئوية، وخصوصاً من شائبة الذاتية التي أجهضت قدرات ومواهب وطاقات كثيرة.
بين المثقفين كانت ثقافته عميقة تطارد السطحية والارتجال والانفعال والانتفاع، لأنه كان يدرك انه مع الثقافة لا يوجد أنصاف حلول أو أنصاف مثقفين، فالثقافة قيمة سامية يتطلب الارتقاء إليها انقطاعاً يشبه انقطاع الصوفيين، انغماساً في عذابات الناس يشبه انغماس المناضلين.
لم يخسر جوزف قراؤه الكثر على امتداد لغة الضاد فقط، ولم تخسره "الأخبار" وهي تشق الخطوات الأولى في طريقها الصعب والطويل فحسب، بل خسره لبنان الواحد كله، وخسرته العروبة الديمقراطية، كما خسرته حركة النهوض الحضاري في الأمة ...
خسره لبنان الواحد لأنه من القلة التي أفلتت من بين متاريس الطوائف والمذاهب، وخنادق الحروب الأهلية، المعلنة والكامنة، فتحولت كتاباته إلى جسر بين عقول اللبنانيين يستعينون بها على الغرائز المنفلتة.
وخسرته العروبة والديمقراطية معاً، فجوزف لم يكن يقبل أبداً الفصل بينهما، أي بين هوية مستهدفة من كل أعداء الأمة، وديمقراطية تثبت كل يوم أنها حصن الهوية المنيع في كل الظروف وبوجه كل التحديات.
أما حركة النهوض الحضاري العربي فقد خسرت في جوزف احد الحالمين الكبار بنهضة العرب، مجدداً تراث نهضويين لبنانيين انطلقوا من قلب الجبل اللبناني ليعم نورهم سهول الوطن العربي الكبير وبواديه وأوديته ومرتفعاته.
وداعاً يا جوزف، فلقد اقتلعت برحيلك الباكر جزءاً جميلا من صباحنا .. إذ كيف سنبدأ صباحنا إذا لم نقرأ جوزف سماحة.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018