بغداد مدينة الحضارة والخلافة في مهب الحرب العدوانية

بغداد مدينة الحضارة والخلافة في مهب الحرب العدوانية

بدأت القوات الأميركية والبريطانية التي يبلغ قوامها نحو 300 ألف جندي بالاستعداد لشن هجوم آخر على العاصمة العراقية بغداد مدينة الحضارة الرابضة على ضفاف نهر دجلة باعتبارها الآن هدفا حربيا.

وتمتعت مدينة الخلفاء التي كانت عاصمة العالم الإسلامي لمئات السنين بنفوذ قوي لدى ملايين العرب وتاريخ عريق كحاضرة للثقافة والعلم. فقد كانت بغداد مركزا مزدهرا للعلم والفلسفة والأدب في القرن التاسع الميلادي وتربعت على الذروة عندما كانت أوروبا تعيش في ظلمة القرون الوسطى وقبل قيام الولايات المتحدة بنحو 1000 عام.
وأحدث تدمير بغداد على أيدي المغول عام 1258 فاجعة في العالم الإسلامي وقت اضمحلال الثقافة والعسكرية العربية التي امتد نفوذها إلى مختلف أرجاء المعمورة. ولكن العراقيين يعتقدون الآن أن المدينة لا تزال عزيزة على قلوب العرب في كل مكان. وقال رئيس قسم التاريخ بجامعة بغداد صادق الحلو "تنظر الأمتان العربية والإسلامية إلى بغداد كعاصمة سابقة للدولة الإسلامية.. إنها ليست مدينة بسيطة ولكنها تراث دينهم وحضارتهم وثقافتهم".ولا تزال بغداد تفخر بأنها قدمت بعض أفضل الشعراء والكتاب والفنانين في الشرق الأوسط. وقد وصفها وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مقابلة صحفية بأنها "زهرة الحضارة العربية والإسلامية".

اضمحلت قوة بغداد ولكنها استمرت مقر الخلافة الإسلامية إلى أن دمرها هولاكو حفيد زعيم المغول جنكيز خان عام 1258 في هجوم قال الرئيس العراقي صدام حسين إن الولايات المتحدة تدبر مثله "هولاكو العصر الحديث يهاجم أمكم.. الحضارة العراقية". وأضاف أن سكان بغداد مصممون على إجبار الأميركيين على الانتحار على أسوارها.

وتبقى القليل من بقايا الماضي التليد في بغداد الحديثة التي تضم خمسة ملايين نسمة. وتعبر طرق علوية شيدت وقت الطفرة النفطية في السبعينات فوق بيوت مبنية بالطوب. وحالت حرب باهظة التكاليف مع إيران استمرت ثماني سنوات وهزيمة في حرب الخليج عام 1991 وعقوبات دولية منذ 12 عاما دون تطوير العراق. ولكن تشمخ في أفق المدينة نصب تذكارية هائلة ومساجد ضخمة وقصور رئاسية فخمة. وغادر المدينة عدد كبير من السكان في الأيام الأخيرة إلى أماكن بعيدة مثل سوريا المجاورة في حين بقي آخرون رغم أن الحرب على الأبواب.

ومن جهته قال رئيس مركز الوثائق ببغداد ظفر عبد القادر الذي يضم سجلات تاريخية عن المدينة "نحن فخورون بالمدينة.. أمضي أغلب الوقت في الخارج.. ولكن أشعر دائما بالحنين إليها.. كانت مركزا للحضارة عندما كان طالبو العلم يحضرون إلى هنا للدراسة، وحاليا يسافرون إلى الولايات المتحدة. ورغم الحديث عن الحرب والهجوم فإننا لا نزال هنا".تقود دوامات رمال الصحراء إلى معبد قديم وردي اللون في مدينة أور السومرية التي نجت على مر القرون من العديد من الكوارث، لكن في غضون بضعة أسابيع ربما تجد المدينة نفسها وسط حرب تدار بأحدث التكنولوجيات مع تدفق الدبابات والقوات الأميركية وتطاير للصواريخ الموجهة بالليزر فوق الرؤوس في غزو وشيك للعراق وهو ما يصفه الخبراء بأنه تهديد لكنوز العراق الأثرية.

وتبعد الكويت التي قد تكون قاعدة الانطلاق لأي هجوم أميركي مسافة نحو مائة كيلومتر إلى الجنوب من تلك المدينة التي يرجع عمرها إلى أربعة آلاف عام مضت والتي كان البابا يوحنا بولص الثاني ألغى خططا لزيارتها عام 2000 في إطار جولة في المواقع المقدسة.

وقالت نوال المتولي خبيرة اللغة السومرية في المتحف العراقي ببغداد إن إجراءات اتخذت بالفعل لحماية المجموعات الأثرية التي لا تقدر بثمن من النهب والقصف في المتحف الذي شهد سرقة أربعة آلاف قطعة أثرية عام 1991.

وأضافت أنه إذا وقعت حرب أخرى فسنأخذ جميع المقتنيات ونخزنها من جديد بقدر المستطاع، مشيرة إلى أن بعضها سينقل إلى مواقع سرية كما أن معظم التماثيل والرسوم الجدارية من العهدين البابلي والآشوري يجب أن تبقى في مكانها بسبب كبر حجمها وأن تغطى بمواد خاصة.

لكن القطع التي نقلت قبل حرب الخليج إلى متاحف نائية تعرضت للسرقة من قبل عراقيين أثناء الفوضى بعد الهزيمة والانتفاضة الشعبية في الجنوب، ومازالت السرقات مستمرة منذ ذلك الحين كما يشك كثيرون في تورط مسؤولين كبار. وتابعت المتولي أن الحرب آخر ما يحتاجه العراق في إطار جهوده لحماية تاريخه، مضيفة أن أميركا تؤمن بالحضارة لذلك يجب أن توقف هذه الأعمال ضد الشعب العراقي لأن كل الآثار العراقية لا تقدر بثمن.

وافتُتح المتحف بمجموعته النادرة من العصور السومرية والآكدية والبابلية والآشورية والإسلامية منذ عامين فقط بعد أن أغلق وقت حرب الخليج بسبب الأضرار التي لحقت به إبان حروب العراق المتوالية أثناء قصف مبنى قريب للاتصالات الهاتفية.

ويمتلئ المتحف البريطاني ومتحف اللوفر في باريس ومتحف برلين بالآثار العراقية ومنها بوابة عشتار القديمة في بابل وعامود بابلي نقش عليه قانون حمورابي في أقدم وثيقة على وجود قانون شرعي. وقد اختفت لوحة بابلية بعد عام 1991 أعادها المتحف البريطاني في عام 1995 في حالة نادرة تمكن فيها العراق من استعادة ما فقد من آثاره.




المصدر :رويترز