د. بشارة يغادر بيروت بعد أربع محاضرات مكثفة في السياسة والفكر

د. بشارة يغادر بيروت بعد أربع محاضرات مكثفة في السياسة والفكر

المحاضرة الرابعة استراح الدكتور عزمي بشارة من النقاش في الحالة السياسية، وتحدث في "إشكالية المواطنة في فلسطين والعالم العربي" في ندوة نظمتها الجميعة الإسلامية للتخصص والتوجيه العلمي وأدراها الدكتور وجيه كوثراني.

لكن استراحة هذا المحارب في مسائه البيروتي الأخير للزيارة اللبنانية، هذه الإستراحة بدت خاتمة ضرورية لصف جامعي مكثف ورفيع المستوى امتد على اربع محاضرات واستفاد منه المحظوظون الذين استمعوا إليه يشرح القضية الفلسطينية بأناقة في الفكرة والتحليل، ومن موقع الضمير الخالص الذي لا يعنيه ما يتسلق على فلسطينه من أعشاب سياسية ضارة، ويرفض تفاهة الشعارات كما سفاهة التطرف.

قل كلمتك وامش لكن لا تنسَ أنك ستترك أثراً. هكذا بدا عزمي بشارة في بيروت. تنقل بين مستمعين مختلفين. الأكاديمي والعادي. وفي المرات الأربع ثمة إنصات في القاعات ليس من عاداتنا. ربما لأن المستمعين يسمعون كلاماً لم يتعودوه، وربما لأن كلامه يكاد يكون خيطاً ذكياً يلف فيه مستمعه فلا يعود قادراً على الإفلات من الإنصات.

أمس حكى في المواطنة. قال "إنه لا شك ان مختبر التجارب الأساسي للمواطنة وبامتياز هو الساحة اللبنانية لأن أشكالية المواطنة في لبنان هي الأكثر تعقيداً، لذلك تطرح الأسئلة الصعبة حول الفارق بين الجماعة الأهلية من طائفة وغيره والأمة المدنية المركبة من مواطنين. بين عضو الأمة المواطن في الدولة وبين العضو في الجماعات الأهلية التي يولد الناس فيها ولا يختارونها. بين التعددية السياسية والتعددية الطائفية. المختبر الكبير الذي ستستفيد منه الساحة العربية فكراً هو لبنان. إن وعى الناس أم لم يعوا، فإن النقاش هو حول المواطنة وهو مربتط بمسألة الأمة. النيو ليبراليون العرب الذين انتقلوا بسرعة، لا يقدر غينيس على تسجيلها، من من خطاب الى خطاب في مسألة القومية والأمة العربية لا يدرون أنهم ينتقلون من كارثة الى أخرى. التشديد على المواطنة أو الديموقراطية من دون القومية او الأمة هو الوجه الآخر للتشديد على القومية دون المواطنة او الديموقراطية. هما وجهان لعملة واحدة. لا يوجد مواطنة من دون مفهوم للأمة. عملية إنشاء الأمة هي عملية بناء المواطنة. الخطأ هو في التقليل من اهمية الجامع القومي الذي تصح فيه المواطنة وتصح فيه التعددية لأن هذا الجامع هو الصمغ اللاصق للأطراف، يمنع انهيار الأمة او القومية الى امم وقوميات عند اول نقاش.

الانتقال من هذا الى مواقع نيو ليبرالية يؤكد فقط على الديموقراطية دون مسألة القومية، تنتهي من دون قومية ولا ديموقراطية، بل بدبابة اميركية وصراع طائفي كما في العراق".


تابع: "المسألة القومية حيوية لمسألة المواطنة بالقدر نفسه الذي تمنع فيه المواطنة المتساوية القومية من التحول الى جماعة عضوية جديدة تبرر فكراً فاشياً يحول القومية من انتماء الى ايديولوجية كما حصل مع هتلر وموسوليني".

قال إن "إسرائيل هي كيان كولونيالي قام على أنقاض شعب آخر، ومن ميزاته إبادة مجتمع قائم وتدميره وضرب قراه وطبقته الوسطى وكل ما كان يشكل حداثة ما. وفي الوقت الذي كان الصهاينة يشكلون امتهم عبر بناء الدولة وبناء المواطن الإسرائيلي في إطار عملية بناء الأمة كانت عملية معاكسة تجري في العالم العربي حيث تنهار الأمة. لقد وصلنا الى وضع مشين ويكاد يكون عبثياً. إن مواطنين من 120 دولة من انحاء العالم لا يجمعهم شيء إلا الايديولوجيا استطاعوا تشكيل هوية ولغة ومواطنة، في حين أننا نحن أبناء هذه المنطقة نطرح اسئلة حول وجود أمة عربية أو قومية عربية. إن التعددية السياسية هي التعددية الحزبية، المؤسساتية التي يقوم بها المواطنون بالاختيار بملء إرادتهم. إن التعدديات التي تؤمنها الديموقراطية هي في الدولة المتعددة القوميات والدولة التي تسمح للفرد بحريته. بات كفراً التحدث عن يهودية إسرائيل أما عروبة العراق فلم نعد نسمع بها بل بالكردي والسني والشيعي".

وفي القومية الإسرائيلية قال إن اسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تستطيع الفصل بين الدين والدولة، بعكس إيران حتى، لأنها لا تستطيع ان تفصل بين الدين والقومية. إن حالة اسرائيل مع العلمنة غير ممكنة، لأن اليهودي بموجب الشريعة هو من لم يعتنق ديناً آخر لكن اذا غيرت دينك وصرت يهودياً فذلك مقبول، هذه هي المواطنة التي تميز حالها عن السكان الأصليين للبلاد.

أما في الحالة العربية فقال إن "المواطنة في العالم العربي كما نشأت بقيت اسيرة عدم حل مسألة الهوية القومية العربية. أما مسألة الحديث عن تناقض بين الإسلام والديموقراطية فإنه كلام يمكن نسفه، فالخصوصية في مسألة غياب الديموقراطية ليست إسلامية بل عربية، والكثير من الدول الاسلامية تمارس ديموقراطية ليست سويدية بالضرورة لكنها تؤمن نقل السلطة. النهضة العربية المتأخرة حملت مشروع استقلال وطنياً بقي متأثراً بالبنى السياسية الكولونيالية وقد كان بالإمكان بناء مشاريع وطنية عليه لكن القوميين نسفوا ذلك فارتكبوا خطأ فظيعاً".

تابع: "لا توجد الآن في عصرنا امة واحدة كبيرة لم تحقق حقها في تقرير المصير إلا الأمة العربية. لذلك فالاتحاد العربي يجب ان يكون اتحاداً عربياً ديموقراطياً. وأنا لا أرى مستقبلاً للمواطنة العربية إلا بالتقاء الخطاب الديموقراطي بالخطاب القومي. فالديموقراطية لا تتم بالتدرج والمشروع الديموقراطي بموجب أجندات وطنية غير موجود، في حين أن هناك من يتطلع الى الديموقراطية المحمولة على البارجة الأميركية. هناك ازدواجية في الساحة العربية وهي: إما موقف ديموقراطي وإما موقف وطني، وإما موقف عقلاني او موقف مبدأي مما يؤدي الى شرخ بين أصوليات وموالين لأميركا وهذه هي الكارثة الكبرى".

عزمي بشارة قال إن القومية العربية هي ليست عرقاً ولا ايديولوجيا، بل ثقافة ولغة.
الثقافة واللغة العربية من أدوات عزمي بشارة. لهذا العربي الأسمر أن يفخر بقوميته العربية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018