أزمات السعودية وتحدياتها في المرحلة الجديدة

أزمات السعودية وتحدياتها في المرحلة الجديدة

تزامنت وفاة الملك السعودي، عبدالله بن عبد العزيز، مع مرحلة حساسة إقليميا وإقتصاديا إذ يتجه مصير المملكة العربية السعودية إلى مصير مجهول مع التعيينات الجديدة التي سيباشر بها الملك الجديد، سلمان بن عبد العزيز، لتعزيز مكانته وتثبيت عرشه، وحقيقة بقاء أميرين فقط من الجيل الثاني بإمكانهما تولي العرش.

وستكون السنوات العشر المقبلة صعبة جدًا على المملكة السعودية، خاصة مع تزايد التحديات الأمنية والسياسية الخارجية ومنها من تجاور حدودها، والتي بحسبها ستصيغ السعودية سياساتها الجديدة.

وسيكون أكبر تحد للسعودية هو تنامي قوة إيران في الشرق الأوسط وتحالفاتها التي منحتها موقعًا مهمًا ومؤثرًا في المنطقة، وقرب توصلها إلى اتفاق مع الولايات المتحدة 'الحليف التاريخي للمملكة' بشأن البرنامج النووي. الأمر الذي من شأنه تعزيز مكانة إيران وحلفائها  بينما ستحاول السعودية منع التمزق والتشرذم في معسكرها.

وجاء الربيع العربي بالعديد من المشكلات التي تؤرق مضاجع السعودية على رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي تشكل منافسًا حقيقيًا لها، حيث تمثل الأخيرة النموذج الجمهوري للحكم الإسلامي، وهذا النموذج يشكل تحديًا مباشرًا لنموذج الحكم الملكي السعودي القائم على دعم السلفية الرجعية، ونتيجة لهذه المشكلة أصبح رفاه مصر المادي والأعباء الاقتصادية لها ملقاة على كاهل الملك الجديد.

 وبنت السعودية آمالها على أن تحد الأزمة في سوريا من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، وبناء عليه دعمت بقوة وسخاء الجهاديين في سوريا، لكن هذا الدعم جاء بنتائج غير متوقعة. فمع صعود تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) كقوة مؤثرة على المشهد السياسي في العراق وسوريا، وتردد الولايات المتحدة في دعم رغبة السعودية بتغيير النظام في سوريا بأي ثمن، أملت السعودية أن تقوم داعش بمهمة الحد من نفوذ إيران. لكن داعش تحول إلى خطر حقيقي يهدد السعودية التي كانت تحارب التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة داخلها وعلى حدودها الجنوبية مع اليمن.

ولن تستطيع السعودية محاربة إيران وحلفائها ما لم تهزم 'الجهاديين' وتستعيد صورتها كـ'حامية للسلفية' وكلا الحالتين تشكلان خطرًا عليها كدولة. فمن ناحية يتحدى 'الجهاديون' نموذج السعودية السلفي، ومن ناحية أخرى يتجه 'جهاديون' آخرون نحو نموذج الانتخاب الديمقراطي، كما حصل مع حزب النور في مصر.

وعلى صعيدي البلدان المجاورة، تكافح السعودية من أجل دعم الأردن بعد الأزمة السورية، حيث يمكن أن يصل الربيع العربي إليها (السعودية) في حال وصل الأردن. ومن الجهة الشرقية تقع البحرين، الدولة ذات الأغلبية الشيعية والتي كادت أن تنجح الثورة فيها بالإطاحة بالنظام الملكي، لولا تدخل القوات السعودية والأردنية وقمع الثورة بالقوة المفرطة.

وعلى حدودها الجنوبية تقع اليمن، الدولة التي لا تستطيع المحافظة على أمنها واستقرارها مع انتشار تنظيم القاعدة فيها، وتمكن إيران خلال الشهرين الماضيين أن تحول حلفاءها الحوثيين إلى القوة المركزية هناك، واستطاعوا السيطرة على القصر الرئاسي واستقالة رئيس الحكومة، وأصبح الحوثيون القوة الوطنية الأكثر تماسكًا وبصدد السيطرة على مقاليد الحكم.

كما انخرط السعوديون في ملفات لا يستهان بها كالمغرب وليبيا ولبنان وأفغانستان وباكستان. وتشكل هذه الملفات الساخنة عبئاً على الخزينة السعودية.

وفوق كل هذه الملفات، تدهورت أسعار النفط بشكل كبير وتراجع الاعتماد الدولي على الخام السعودي.

 يضاف إلى ذلك، مسألة الأقليات السعودية الشيعية والإسماعيلية في المملكة والتي يجري احتواؤها من خلال مزيج من الحوافز والعقوبات. وضمن الأكثرية السنية، هناك الليبراليون والسلفيون المتشددون الذين ينبغي إرضاؤهم.

وجاءت كل هذه الأمور في وقت أسرفت فيه العائلة المالكة في السعودية بالإنفاق في الداخل في محاولة منها لمنع وصول الربيع العربي إليها، واعتراف أفراد كثر في العائلة الحاكمة بضرورة الإصلاح. ومع ذلك، ستستصعب العائلة المالكة إقرار الإصلاحات المطروحة كي لا تتدهور علاقتها مع المؤسسة الحاكمة.

وعلى الأرجح أن لا تتمكن السعودية خلال العقدين المقبلين من التعامل مع المشكلات الداخلية والخارجية  المتزايدة والحفاظ على الوضع الراهن معًا، وستكون مرغمة على تغيير سياستها التي اتبعتها منذ نشأتها.