الانتحار في العالم العربي: استسلام لواقع بائس

الانتحار  في العالم العربي: استسلام لواقع بائس
توضيحية (Pixabay)

ألقى شاب مصري يبيلغ من العمر 17 عامًا نفسه يوم أمس، الأحد، أمام قطار مترو الأنفاق في محطة المرج القديمة شرقي القاهرة، ليلقى مصرعه فورًا بعد أن صدمه القطار، وفقًا لما أفاد به بيان عممته شركة هيئة مترو الأنفاق، وذكرت " أن كاميرات المراقبة في محطة المرج أظهرت الشاب وهو يلقي بنفسه عن عمد أمام القطار، ليفاجأ به السائق ويدهسه".

وأشار البيان أيضًا إلى أنّ "محضرًا أعدّ بالواقعة، ونقلت جثة الشاب إلى مستشفى المرج، وفتح التحقيق في الحادث بمعرفة النيابة العامة، للوقوف على ملابسات انتحاره، والأسباب التي دفعته إلى إلقاء نفسه تحت المترو".

وتحيل هذه الحادثة إلى حادثة انتحار مشابهةٍ وقعت في محطة أخرى من محطات مترو الأنفاق في مصر، وذلك قبل أقلّ من شهر، إذ انتحرت شابة عشرينية تحت عجلات القطار بمحطة مارجرجس في حلوان، في الأول من هذا الشهر.

وتضع هاتان القضيّتان قضية الانتحار عامّةً وبين الشباب خاصّةً، تحت المجهر بحثًا عن الأسباب والدوافع، إذ تقف البيئة الاقتصادية سببًا رئيسيًّا خلف الانتحار وارتفاع معدّلاته. وفي دراسة أجرتها وزارة الصحة المصرية ونشرت في وقت سابق من العام الحالي، تبيّن أنّ 21.5% من طلاب الثانوية في مصر، تتراوح أعمارهم بين 14 و 17 يفكرون بالانتحار!

فيما أوضحت الدراسة نفسها أيضًا، أنّ نحو 29.3% من المشتركين بالدراسة يعانون من مشاكل نفسية بينها القلق والتوتر والاكتئاب، و19.5% بلغوا حد إيذاء النفس. بينما لجأ 33.4% من عينة الطلاب للعلاج لدى طبيب نفسي، و19.9% لجأوا لصيدلي، و15% لجأوا لنصائح الأصدقاء.

ووفق تقرير لمنظمة الصحة العالمية نشر في نيسان/ أبريل الماضي، فإنّ عدد المنتحرين سنويًّا يبلغ 800 ألف شخص في العالم، ما يعادل حالة انتحار كلّ 40 ثانية، أي ثلاث حالات انتحار في الدقيقتين. كما أعلنت منظمة الصحة العالمية والمركز القومي للسموم ووزارة الداخلية في مصر أن عدد المنتحرين سنويًا تجاوز 4250 منتحرًا تتراوح أعمار أغلبهم بين الثلاثين والأربعين، فضلًاعن عشرات الآلاف من محاولات الانتحار التي تشهدها بيوت وشوارع مصر كل عام، وتؤكد احتلال مصر المركز 96 على مستوى العالم من حيث عدد الأفراد المقبلين على الانتحار.

وتتلو مصر التي تبلغ فيها نسبة الانتحار 4 حالات لكلّ 100 ألف، عُمان التي تبلغ فيها نسبة الانتحار 3.9، وتأتي بعدها تونس، بنسبة انتحار بلغت 3.9. وأشار تقرير لمنظمة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في شهر كانون الأول/ ديسمبر الفائت، إلى أنّ 219 تونسيًّا انتحروا خلال شهر واحد.

ويذكر التقرير نفسه أنّ "ظاهرة الانتحار بدأت تأخذ شكلًا جديد هو محاولات الانتحار الجماعي"، والذي يأتي غالبًا بصيغةٍ احتجاجية، وذكرت أنّ "عدد الاحتجاجات الفردية والاجتماعية في شهري تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر وحدهما قد ارتفع ليتجاوز 1770 حالة في مختلف محافظات البلاد".

ولكن، رغم المعدّلات المرتفعة والأرقام المفزعة التي تتناولها الإحصائيات المختلفة حول الانتحار في مصر وتونس، فإنّ كلتيهما تقعان في متوسّط تدريج الدول العربية في معدّلات الانتحار، إذ تسبقهما اليمن بمتوسط انتحار بلغ 8.5، والسودان بمتوسط 8.1، وقطر بمتوسط 6.6، والبحرين بمتوسط 5.9، وليبيا بمعدل 5.2 والصومال بمعدل انتحار بلغ 4.7 لكلّ 100 ألف شخص.

ويظلّ الانتحار بقسوته والحزن الذي يعتصر القلب لكلّ حادث، ظاهرةً مهمّةً تستلزم علاجها، في ظلّ تشكّل "حراكات انتحارية" تتمرّد على الحياة بالموت وتهرب من الواقع إلى ما شاتهاه خيالها بالموت. فمن يمكن أن ينسى الانتحار الثوري الذي احتجّ به البوعزيزي عام 2011 على البطالة وضيق الحال والتضييقات السياسية، والذي أشعل شرارة الثورة التونسية والربيع العربي آنذاك!

فهل تحوّل البوعزيزي نموذجًا للبطولة بالتضحية؟ أم نموذجًا لصرخةٍ أخيرةٍ في محاولة التغيير الذي لا يحدث؟ وفي ظلّ تردّي الأحوال وسوء السياسات وضيق الواقع العربي، كم "بوعزيزي" يمكن أن نشهد وحتّام سنعدّ حالات الانتحار المستشرية؟

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018