الحكومة اللبنانية المرتقبة في ظل التوزانات الإقليمية المعقدة

الحكومة اللبنانية المرتقبة في ظل التوزانات الإقليمية المعقدة
(أ ب)

كما هي العادة في لبنان، تستمر الضغوطات الخارجية والمشاكل الداخلية الشائكة بالحول دون تشكيل رئيس "تيار المستقبل"، سعد الحريري، حكومة لبنانية جديدة، رغم مرور 3 أشهر على تكليفه.

في سياق تفاهمات بين أطراف عربية وإقليمية، كلف الرئيس اللبناني ميشال عون، في 24 أيار/ مايو الماضي، الحريري، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، بتشكيل الحكومة، بعد انتخابات برلمانية أجريت في السادس من الشهر نفسه.

والجنرال عون هو حليف لـ"حزب الله" اللبناني، المدعوم من نظام "الثورة الإسلامية" في طهران، الذي يحاول فرض هيمنته ونفوذه متعدد الأبعاد في لبنان والمنطقة عامة، بينما تحاول السعودية التصدي لطهران، بدعم حلفاء مفترضين للرياض، مثل الحريري، لكنها تؤكد حرصها على أمن واستقرار لبنان واحترام سيادته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، ومن بينها تشكيل الحكومة.

أفرزت نتائج الانتخابات أغلبية واضحة لـ"حزب الله" وحلفائه من الكتل السياسية الأخرى، خلافا لانتخابات 2009، التي فازت بأغلبية مقاعدها كتل سياسية، مثل تيار "المستقبل"، والتي تحظى بدعم سعودي وغربي أميركي وفرنسي.

وتنافس في انتخابات 6 أيار/ مايو الماضي أكثر من 500 مرشح على مقاعد مجلس النواب، بنسبة إقبال من الناخبين بلغت 49.2%، وفقا لبيانات رسمية.

وبات 67 مقعدا برلمانيا، حسب النتائج الرسمية، من حصة "حزب الله" والكتل الحليفة له؛ بما يعادل أكثر من نصف عدد مقاعد المجلس البالغة 128.

ومع إعلان النتائج، قال قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، في 11 حزيران/ يونيو 2018، أن 74 من أعضاء مجلس النواب يؤيدون من بات يطلق على نفسه "محور المقاومة".

وتابع أنه بهذه النتيجة تحول "حزب الله" من حزب إلى حكومة في لبنان، في إشارة إلى التأثير الإيراني واسع المدى في البلد العربي.

ما قاله سليماني أثار النائب فادي سعد، عضو تكتل "الجمهورية القوية"، فقال إن هذا التصريح "يدل أكثر فأكثر على التدخل الإيراني بالشؤون اللبنانية".

ويضم تحالف القوى القريبة من إيران: "حزب الله"، بزعامة حسن نصر الله، و"حركة أمل"، بقيادة رئيس مجلس النواب، نبيه بري، إضافة إلى "التيار الوطني الحر"، الذي أسسه الجنرال عون قبل توليه منصب رئيس الجمهورية.

ولسنوات أعقبت اندلاع الثورة في سورية (عام 2011) التي أدى قمعها إلى حرب مستدامة في لبنان "ترعاها" قوى دولية وإقليمية، ظل لبنان تحت وطأة تنافس إقليمي بين السعودية، والمحور الإيراني في المنطقة وملفات الصراعات الساخنة في سورية والعراق واليمن.

شراكة "حزب الله"

تبدو ولادة حكومة الحريري عسيرة؛ جراء تداخل جملة عوامل داخلية وخارجية، ما أوجد عقبات لابد من تجاوزها لتشكيل حكومته الثالثة (ترأس الحكومة بين 2009 و2011، ومنذ 2016).

إذ أطلت الضغوط الخارجية، والعربية منها خاصة، على القوى اللبنانية المعنية بتشكيل الحكومة من بوابة اعتماد الدعم وتقديم المساعدات مستقبلا.

إذ لا بد أن يشكل رئيس الوزراء المكلف حكومة مستوفية لمعادلة التوازنات الداخلية المجتمعية وانعكاسها على التوازنات الإقليمية، التي تركز على التزام الأطراف اللبنانية بالابتعاد عن دائرة النفوذ الخارجي، الإيراني والسوري.

أدرجت الولايات المتحدة ودول خليجية "حزب الله" اللبناني وبعض قياداته على قائمة عقوبات، في ظل اتهامات بـ"دعم الإرهاب، وغسيل أموال واتجار بالمخدرات".

لكن رئيس الوزراء المكلف لا يمكنه الاستغناء عن شراكة "حزب الله" في الحكومة المقبلة، لضمان الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد.

وتشير تقارير إلى توجه إسرائيلي أميركي عربي، بدأ يتبلور بعد فرض العقوبات الأميركية على إيران (في 7 آب/ أغسطس الجاري). ويهدف هذا التوجه إلى تحجيم دور الحزب كجزء من حملة واشنطن للتصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة.

عوائق إقليمية

خلال الأسابيع الماضية، كثف الحريري من تحركاته داخليا وخارجيا، على أمل تجاوز العقبات الخارجية، التي تحول دون المضي قدما في إنجاز التشكيل الوزاري، بعد أن باتت العوامل والعقبات الداخلية على قدر من التأثير الثانوي مقارنة بالعوامل الخارجية.

في العلن ينفي الحريري وجود أي ضغوط أو عقبات إقليمية ودولية، بل صرح في 7 آب/ أغسطس الجاري، بوجود دعم دولي لتسريع تشكيل الحكومة.

وبعد 3 أيام، نفى أن يكون للتدخل الدولي أو الإقليمي أي دور في تأخير تشكيل الحكومة؛ لأن المشكلة داخلية تماما، ولأن كل حزب سياسي يصر على حصته في الحكومة.

غير أن مسؤولا بارزا في "حزب الله" اتهم "سفارات دول المنطقة" بتأخير تشكيل الحكومة، قائلا للوكالة اللبنانية الوطنية للأنباء إن سفارات "أجنبية تضغط على الأحزاب السياسية لرفع سقف مطالبها"؛ ما يعوق تشكيل الحكومة.

يعكس تفوق "حزب الله" والقوى الحليفة له في الانتخابات الأخيرة واقع تراجع الدور السعودي، الداعم لـ"تيار المستقبل"، بعد أن باتت الرياض تركز بشكل أكبر على ما تعتبره تصديًا للنفوذ الإيراني، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، في اليمن ومنطقة الخليج وسورية إلى حد ما، بدلا من لبنان.

وتصر وسائل إعلام لبنانية على أن "حزب الله" وسورية يتمسكان باحترام تمثيل الكتل السياسية الحليفة لدمشق في أية تشكيلة وزارية قادمة، كما أن أطرافا عربية، مثل السعودية، تبعث رسائل غير مباشرة تربط بين دعم لبنان مستقبلا وشكل الحكومة المقبلة ومكوناتها الأساسية.

الحريري تحدث عن "أطراف" لبنانية دعت إلى إدراج تطبيع العلاقات مع النظام السوري في البرنامج الوزاري كشرط مسبق لتشكيل الحكومة.

وهو ما يعني عدم تشكيل الحكومة من وجهة نظر الحريري، الذي يرفض بشكل قاطع أي تطبيع للعلاقات مع سورية في ظل نظام بشار الأسد؛ لأن "عودة العلاقات مع النظام السوري هو أمر لا نقاش فيه"، على حد قوله.

وتأزمت العلاقات السياسية بين لبنان وسورية إثر اتهام الحريري النظام السوري باغتيال والده، رئيس الحكومة الأسبق، رفيق الحريري، في تفجير ببيروت، يوم 14 شباط/ فبراير 2005.

وبشكل تام، انقطعت العلاقات بين البلدين، عقب اندلاع الثورة في سورية عام 2011؛ حيث توقف الاتصال بين الحكومتين، ما عدا وزراء "حزب الله" و"حركة أمل".

مقابل نفي الحريري، أعرب عضو المكتب السياسي لـ"تيار المستقبل"، مصطفى علوش في تصريحات صحفية، عن اعتقاده بأن "العوائق الإقليمية تعوق تشكيل الحكومة".

واتهم علوش في ذلك تحالف قوى "8 آذار"، الذي يضم "حزب الله" وشخصيات من "التيار الوطني الحر".

وهؤلاء يمثلون "الفريق الإيراني في لبنان"، كما يصفهم علوش، الذي لم ينف وجود عوامل داخلية أيضا تسببت في المأزق السياسي؛ بسبب محاولة كل حزب اقتناص أكبر عدد من الحقائب الوزارية لتعزيز دوره في الحكومة المقبلة.

معضلة الحريري

تعقيدات وتحديات عديدة تواجه مساعي الحريري لإنجاز مهمة تشكيل حكومة وحدة وطنية تتوافق مع واقع فوز "حزب الله" والقوى الحليفة له بأغلبية مقاعد مجلس النواب.

في الوقت نفسه يتوجب عليه الخروج بحكومة تبدد مخاوف الدول الغربية ودول عربية من التأثير الطاغي المحتمل لـ"حزب الله" في سياسات الحكومة المقبلة.

يدرك الحريري أن تشكيل حكومة يهيمن عليها "حزب الله" والقوى الحليفة له سيعطل مساعدة الولايات المتحدة للجيش اللبناني.

كما أنها ستقلص إلى حد ما المساعدات الغربية والخليجية للبنان، الذي سيضيف نحو مليون لاجئ سوري مسجل في الأمم المتحدة.

يضاف إلى ذلك احتمالات حرمان لبنان من منحة بـ11 مليار دولار تعهد بها "نادي باريس"، في نيسان/ أبريل الماضي.

إذ ستتردد الدول المانحة في تقديم هذه المنحة ما لم يتم تشكيل حكومة تحترم التوازنات الداخلية، وتنسجم مع الرؤية الدولية والإقليمية لمستقبل لبنان ودور "حزب الله" فيه.

لا ترى واشنطن ما هو أسوأ من سيطرة "حزب الله" على الحكومة المقبلة وتوسيع النفوذ الإيراني في لبنان وسورية والمنطقة عامة.

إلى جانب صعوبة التنسيق لمساعدة اللاجئين السوريين في المخيمات اللبنانية، ومنع إعادتهم قسرا قبل الحصول على ضمانات من الأمم المتحدة بحمايتهم من احتمالات تعرضهم للاعتقال أو القتل على أيدي قوات النظام والأجهزة الأمنية التابعة له.

كما سيعني تشكيل حكومة يهيمن عليها "حزب الله" والقوى الحليفة له تقويضا للجهود الأميركية في إعادة بناء مؤسسة الجيش اللبناني وتعزيز قدراته لتقديم مساهمة فاعلة أكبر بجانب الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب بالمنطقة.

بينما سيكون من مصلحة "حزب الله" أن تكف واشنطن عن مراقبتها للشأن اللبناني والتدخل لصالح "تيار المستقبل" والمتحالفين معه من "الحزب التقدمي الاشتراكي" وحزب "القوات اللبنانية"، الذين يشكلون ما يشبه التحالف الكتلوي في مواجهة تحالف "حزب الله" مع "حركة أمل" و"التيار الوطني الحر".

حكومة مصغرة

ينص دستور عام 1943 واتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية (1975-1990)، على أن تكون رئاسة الحكومة للسُنة، ورئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة.

لكن لا توجد مهلة تلزم رئيس الوزراء المكلف في لبنان بإنجاز التشكيلة الحكومية في فترة محددة؛ إذ لا تتحدث أية مادة من مواد الدستور عن كيفية سحب التكليف من الرئيس المكلف.

لكن تقارير إعلامية لبنانية نقلت عن مصادر في قصر الرئاسة إن عون سيلجأ قريبا إلى "خيارات" (لم تكشف عن طبيعتها) لإيجاد حلول لأزمة تشكيل الحكومة، خلال أيلول/ سبتمبر المقبل، استباقا لاستحقاقات ومؤتمرات سيشارك فيها لبنان.

ومع احتمالات فشل الحريري يمكن أن يتم تشكيل حكومة مصغرة من أقل من عشرين وزيرا من شخصيات مستقلة ذات كفاءة مشهود لها وتمتاز بقبول واسع على المستوى اللبناني.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018