تحليلات | زيارة البشير لدمشق انعكاس لأزمات السودان

تحليلات | زيارة البشير لدمشق انعكاس لأزمات السودان

تباينت التحليلات بشأن طبيعة وجدوى وتوقيت الزيارة السرية التي قام بها الرئيس السوداني، عمر البشير، الأحد، إلى دمشق، والتي لم تعلن عنها الخرطوم إلا بعد ساعة من عودته، واعتبرتها "تحركا سودانيا خالصا يهدف إلى التقارب العربي"، خاصة وأن مصدر دبلوماسيا سودانيا أكد على أن البشير درس بجدية عرضا من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لزيارة الخرطوم.

وحظيت الزيارة باهتمام إعلامي نظرا لكون البشير أول زعيم عربي يزور دمشق منذ العام 2011، إضافة إلى أنها جاءت في وقت تشهد فيه السودان ضائقة اقتصادية متفاقمة استدعت مظاهرات محدودة في مناطق مختلفة.

وتركزت التحليلات أساسا في العلاقات الخارجية للسودان مع السعودية والإمارات وقطر وإيران والولايات المتحدة وروسيا، بما يشير إلى أن هذه الزيارة هي نتاج أزمات السودان.

تغير في الموقف من محور السعودية - الإمارات

وذهب بعض المحللين إلى أن الزيارة لها علاقة وثيقة بتغيير الخرطوم لموقفها من المحور "السعودي – الإماراتي"، الذي شهد تقاربًا في السنوات الأخيرة، باعتبار أن حكومة البشير تضع حدًا لعلاقتها مع هذا الحلف، بتقاربها مع دمشق الحليف الأكبر في المنطقة لإيران.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن موقف "السعودية والامارات" من الأزمة الاقتصادية، التي تعاني منها بلاده، لم يكن مرضيًا للحكومة، ولم تبديا أي استعداد للوقوف مع السودان في أزمته الممتدة منذ مطلع العام الحالي.

وفي أوقات سابقة علت الأصوات الناقدة والحانقة على "قلة" الدعم المالي الخليجي للخرطوم من أطراف سودانية ذات تأثير، وعلى رأسها البرلمان والصحافة التي دعت لسحب القوات السودانية - المنضوية تحت التحالف العربي - من اليمن.

يذكر في هذا السياق أنه منذ آذار/مارس 2015 يشارك السودان في التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن.

ولم يعلن السودان رسميًا عن تعداد قواته المشاركة في عمليات التحالف، لكنه سبق أن أبدى استعداده لإرسال 6 آلاف جندي إلى اليمن.

ينضاف إلى ذلك توسع السعودية والإمارات في دول شرق القارة الإفريقية، من دون أن يكون للخرطوم دور في هذا التوسع، ربما أقلق السودان من نوايا حلفائها في حرب اليمن.

هذا الواقع، بحسب بعض المراقبين، جعل العلاقات بين السودان ودول الخليج تشهد فتورًا في الأشهر الأخيرة، رغم إعلان الرئاسة السودانية المتواصل بأنها مستمرة في التحالف العربي دفاعا عن السعودية.

كذلك فإن تقارب الخرطوم مع الرياض وأبوظبي لم يأت بأي نتائج سالبة على علاقات "الخرطوم بالدوحة"، والتي ظلت متماسكة، في ظل تقارير عن ضغوط غير معلنة من هذه الدول على الخرطوم للتخلي عن قطر.

وذهب بعض المتابعين إلى أن هناك نقطة أخرى هي من تسببت في هذا الفتور، تتمثل في ضغط المحوار السعودي الإماراتي على البشير من اجل التخلي عن الإسلاميين بالسودان.

وظل البشير يؤكد، في أكثر من مناسبة، أنه من حركة إسلامية ولن يتخلى عن مبادئها، والحركة الإسلامية هي المرجعية الفكرية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي يترأسه البشير، والذي قاد انقلاب الإسلامين واستولى على السلطة العام 1989.

كسر العزلة عن طريق موسكو

في اتجاه آخر، يرى متابعون ومحللون أن زيارة البشير لسورية، بطائرة روسية، حسب مانقلت وسائل إعلام محلية، في هذا التوقيت يشير إلى أن الخرطوم سئمت من محاولاتها الدائمة إرضاء الولايات المتحدة دون أن تحقق نتائج ملموسة على صعيد رفعها من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وتقترب أكثر من موسكو.

لأجل ذلك استجابت الحكومة السودانية للمطلب الروسي بالتقارب مع سورية، وكسر عزلة الأسد في محيطه العربي، كخطوة أولى تتبعها تسهيلات روسية تساعد في حل الأزمة الاقتصادية من خلال دعم السودان بالوقود والقمح الروسي.

كما أن حكومة البشير لم تقطع علاقتها بدمشق، وظل سفيرها يعمل هناك طوال السنوات الماضية.

وطالب السودان أكثر من مرة بأن يتم حل الأزمة السورية داخليا وبالحوار السياسي بين أطرافها، ويحمل التدخلات الخارجية تفاقم الأزمة.

وفي  تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أكد البشير، من سوشي، تطابقه موقف بلاده مع روسيا فيما يخص الشأن السوري، وقال، خلال لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، "مواقفنا في سورية متطابقة ونحن نرى أن السلام غير ممكن من دون الأسد".

وأشار البشير، في كلمته، إلى أن "ما يحدث في سورية هو نتيجة التدخل الأميركي هناك". مضيفا أن "عدم الاستقرار في المنطقة ناتج عن التدخلات الأميركية" في المنطقة.

الشأن الداخلي

رأي آخر دفع به بعض المراقبين، بدأ واضحا في مطالبة "البشير وبشار"، بعدم التدخل في الشان الداخلي للدول.

واستدلوا بذلك على أنها النقطة الأبرز فيما خرج به اجتماع الجانبين، حيث "اتفقا على أن العمل العربي يجب أن يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية مما يقود إلى تحسين العلاقات العربية لخدمة مصلحة الشعب العربي".

وهي إشارة لدى المراقبين بأن البشير يعاني كبشار من تدخل خارجي في شؤون بلاده من دول بعينها، وكأنه أراد إرسال رسالة بالكف عن التدخل في شؤون السودان.

إيران في آخر الطريق

تقارب السودان وسوريا قد يزعج دولًا كثيرة ويرضي البعض، بحسب الخبراء، لكنه لن يذهب أبعد من ذلك، باعتبار أن "دمشق وطهران" تشكلان حلفًا صمد طويلًا في مواجهة التغيرات والتحولات في المنطقة.

ويستبعد الخبراء أن تقود زيارة البشير إلى دمشق إلى عودة العلاقات السودانية الإيرانية، لأن توجهًا كهذا مرة أخرى يجد معارضة داخلية لن يقوى عليها البشير.

فمنذ العام 2014، اتخذت الخرطوم، عدة خطوات لتحجيم علاقتها مع طهران، انتهت بقطع العلاقات الدبلوماسية رسميا في 2016.

وليس هناك أي مؤشرات حاليا حول أن التقارب السوري السوداني، ربما يقود إلى عودة علاقة بين الأخيرة وإيران.

البشير درس بجدية عرضا من نتنياهو لزيارة الخرطوم

وعلى صلة، نقلت "العربي الجديد" عن مصدر دبلوماسي سوداني بارز قوله إن البشير درس بالفعل عرضًا لزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى الخرطوم خلال الفترة المقبلة، قبل أن يتم الاستقرار على رفضها خشية خسارة الدعم الإسلامي له في الحكم.

وقال المصدر "بالفعل كانت هناك مشاورات من أجل ذلك عبر وساطة عربية وأميركية"، مضيفا أن الإعلان الإسرائيلي عن ذلك كان يحمل جزءا من الصحة، إلا أن الدوائر المحيطة بالرئيس عمر البشير نصحته برفض تلك الخطوة، حتى لا يخسر دوائر إسلامية داعمة له في الشارع الداخلي.

وقال المصدر إن "حجم الأزمة الاقتصادية أكبر مما تتحمله الدوائر السودانية، ولو استمر الوضع على ما هو عليه ربما تنفجر الأوضاع في وجه البشير بشكل يصعب معه السيطرة عليها، لذلك هو يتحرك بكل قوة، ومن دون مراعاة لخطوط حمراء بعد اقتراب المساس بالخط الأحمر الأبرز، وهو مستقبله في الحكم".

وكانت القناة الإسرائيلية الثانية قد ذكرت، في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر أن إسرائيل تعمل على تسوية العلاقات الدبلوماسية مع السودان. وكشفت القناة عن وجود "طواقم خاصة من إسرائيل تعمل على تسوية العلاقات مع السودان، والتي تعتبر دولة عدو لإسرائيل".

وكان نتنياهو قد لفت خلال اللقاء الذي جمعه برئيس تشاد، إدريس ديبي، إلى أنه ينوي القيام بزيارات إلى دول عربية أخرى لم يحددها، قبل أن يخرج مسؤولون سودانيون في الحزب الحاكم لينفوا أن تكون الخرطوم هي وجهة نتنياهو المقبلة.

وعلى صلة، استبعد مصدر دبلوماسي سوداني، في حديث مع "العربي الجديد"، أن تكون زيارة البشير لدمشق تأتي بترتيب مع الرياض للعب دور في الوساطة بين الجانبين. وقالت "هذا الأمر غير صحيح بالمرة، وقنوات الرياض الخلفية في هذا الشأن معلومة تماما للجميع"، في إشارة إلى القاهرة التي ترتبط بعلاقات جيدة مع نظام بشار الأسد، مؤكدة أن "السعودية ليست بحاجة لإضافة قناة جديدة".