عشية زيارته لواشنطن: هل ينقلب عبد المهدي على إيران؟

عشية زيارته لواشنطن: هل ينقلب عبد المهدي على إيران؟
مسيرات للحشد الشعبي في بغداد (أ ب)

تعتبر الخطوة التي اتخذتها الحكومة العراقية، هذا الأسبوع، بوضع "الميليشيات المدعومة من إيران" تحت قيادة القوات المسلحة مقامرة سياسية من قبل رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، الواقع وسط تنافس حادّ بين إيران والولايات المتحدة، المتحكمين الرئيسيين في قرارات السلطة في العراق، بتوصيف وكالة "أسوشييتد برس"، اليوم، الخميس.

ويتجاوز التنافس الإيراني – الأميركي العراق إلى الخليج كلّه، إذ كادت التوتر في المنطقة أن يصل إلى الضربات العسكريّة في حزيران/ يونيو الماضي، وسط حشد عسكري أميركي هو الأعلى في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003.

وفي مواجهة ضغوط الولايات المتحدة للحد من سطوة قوات الحشد الشعبي الذي أنشئ في العام 2014، سمح هذا القرار لرئيس الوزراء العراقي بأن يُظهر موقفًا متشددا قبل زيارة مقررة إلى واشنطن، من المتوقع أن تتم في الأسابيع المقبلة. ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن يكون عبد المهدي قادرًا على كبح جماح الميليشيات القوية المدعومة من إيران، وأن يخاطر بالظهور بمظهر زعيم ضعيف وغير فعال إن لم يفعل.

وفضلا عن دورها في القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تعد قوات الحشد الشعبي، وهي ميليشيا توصف بأنها تابعة لإيران، قوة سياسية مهمة مع وزراء في الحكومة و48 مقعدًا في مجلس النواب المكون من 329 عضوا.

وقال عبد المهدي للصحافيين، يوم الثلاثاء الماضي، إنّ الحشد الشعبي "من بين الأحزاب التي حققت النصر للعراق ضد جماعة تنظيم الدولة الإسلامية وتحرير الموصل وإعادة الأمن إلى البلاد. لقد حان الوقت لتنظيم وضعهم بطريقة قانونية... وهذا يعني عدم وجود أسلحة خارج نطاق الدولة."

ووصفت الوكالة القرار بأنه "صعب للغاية في بلد مليء بالأسلحة وبعج بالميليشيات التي يعمل الكثير منها خارج سيطرة الدولة".

عادل عبد المهدي ووزير الخارجية الأميركي (أ ب)
عادل عبد المهدي ووزير الخارجية الأميركي (أ ب)

ورغم أن قادة هذه الميليشيات رحّبوا بالقرار ووصفوه بأنه خطوة في الطريق الصحيح. لكن أحدهم قال ان لجماعته "مكاتب سرّيّة" لن تغلقها، واصفاً قرار عبد المهدي بأنه صادر عن "توجيه أميركي، وقال في حديث "للأسوشييتد برس"، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن رئيس الوزراء والأميركيين يحلمون إذا ما اعتقدوا بأن بإمكانهم تنفيذ القرار.

وظهرت قوات الحشد الشعبي بعد دعوة وجهها المرجع الديني آية الله علي السيستاني في صيف عام 2014 للتطوع بعد أن اجتاح مقاتلو داعش ما يقرب من ثلث العراق، بما في ذلك مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكانت القوات العسكرية والأمنية العراقية قد انهارت أمام هجوم مقاتلي تنظيم الدولة.

وخرجت هذه الميليشيات من الحرب بتصور أنها "قوّة مقدسة تدافع عن الشيعة بالعراق"، وساعد ذلك في تكريسها كلاعب سياسي شبه عسكري رئيسي في عراق ما بعد داعش، رغم المطالب الأميركية بوجوب حلها بعد طرد داعش من البلاد.

وتتواجد فصائل الميليشيات المسلحة بالدبابات والأسلحة الثقيلة في كل محافظة عراقية تقريبا، وهي متجذرة بعمق في كثير من الحالات في مؤسسات الدولة المتنافسة.

ويعتقد أن عددهم معا يبلغ أكثر من 140 ألف مقاتل.

وتتنامى قوة هذه الفصائل في بعض المناطق الإستراتيجية العراقيّة، وهو ما يثير قلقًا لا يقتصر على الطوائف العراقيّة الأخرى، بل تقلق، أيضًا، بعض المسؤولين في الجيش والحكومة، بحسب وكالة "أسوشييتد برس"، والذين يخشون أن تهيمن الميليشيات على العراق بالطريقة التي يهيمن بها الحرس الثوري في إيران.

وقال الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن، جو معكرون، إنّ "هدف النظام الإيراني يظل هو دمج الحشد الشعبي كتكوين مستقل داخل الهيكل العسكري للحرس الثوري الإيراني، ليصبح الحرس الثوري العراقي"، وأضاف "ومع ذلك، هناك وجهة نظر عراقية أخرى داخل المؤسسة الشيعية تدعو إلى دمج الميليشيات بالكامل في الجيش."

وفي آذار 2018، سعى رئيس الوزراء آنذاك، حيدر العبادي، إلى احتواء الميليشيات التي تدعمها إيران في العراق من خلال جعلها جزءًا من القوات المسلحة رسميا، وذلك بناء على تصويت برلماني في تشرين ثان/ نوفمبر 2016 - لكن هذه الميليشيات ظلت مستقلة إلى حد كبير، بينما ذهب مرسوم عبد المهدي، الذي صدر مساء الإثنين الماضي، إلى أبعد من مجرد وضعهم تحت قيادة الجيش، فقد أمر المليشيات بالتخلي عن أسمائها، وإغلاق مقراتها المحلية، ومكاتبها الاقتصادية، ومنحهم مهلة حتى نهاية الشهر الحالي للامتثال، وقال إن الذين لا يرغبون في القيام بذلك يمكن أن يتحولوا إلى أحزاب سياسية غير مسلحة.

لم يذكر المرسوم كيف سيتم تنفيذ الأمر، ولم يتناول عبد المهدي هذا الأمر في مؤتمره الصحافي، يوم الثلاثاء.

عبد المهدي مع خامنئي وروحاني (أ ب)
عبد المهدي مع خامنئي وروحاني (أ ب)

وكان توقيت صدور المرسوم ملحوظا، حيث جاء وسط التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران وسلسلة من الهجمات التي لم يتبناها أحد على المصالح الأميركية في البلاد والتي زادت من التوتر الإقليمي وأثارت المخاوف من أن يصبح العراق ساحة معركة.

وأدت الهجمات، التي شملت إطلاق صواريخ بالقرب من السفارة الأميركية والقواعد العسكرية الأميركية، إلى إحراج القيادة العراقية، ما زاد من صعوبة موازنة عملها الدقيق بين حليفيها.

وفي الوقت الذي يسعى فيه بوضوح لإرضاء الولايات المتحدة، كانت خطوة عبد المهدي منسقة، أيضًا، بشكل واضح مع إيران، على أن يكون مفهوما أن هذه الجماعات لن يتم تفكيكها، ولن يتم دمجها بالكامل في الجيش، ووصف المنتقدون الأمر بأنه قرار ضعيف ولن يترجم على أرض الواقع.

وقال المحلل السياسي العراقي واثق الهاشمي "هذه الفصائل لن تتجاوب مع الحكومة، لا سيما وأنها منحازة إيديولوجيًا لإيران وتتلقى أوامرها مباشرة من طهران."

وبموجب مرسوم رئيس الوزراء، تتبع قوات الحشد الشعبي قائد عسكري يتبع بدوره رئيس الوزراء بشكل مباشر، بدلًا من دمجها بالكامل في وزارتي الدفاع أو الداخلية.

وقال معكرون، تعليقًا على ذلك، إن عبد المهدي يعمل على كسب الوقت لأنه يتعرض لضغوط من كل من واشنطن وطهران.

وقد يكون وضع قوات الحشد الشعبي رسميًا تحت قيادة الجيش العراقي وسيلة لردع أي هجوم من جانب الولايات المتحدة أو غيرها، وكان مسؤولون أميركيون اقترحوا أن ترد الولايات المتحدة على أي هجوم يستهدف المصالح الأميركية في العراق.

وقال معكرون "البعض في واشنطن والعالم العربي يرحب مبتهجا بهذا المرسوم العراقي، لكن الحقيقة أنه لن يتم تنفيذه دون موافقة إيران"، وأضاف "أنه في الواقع يحافظ ويضفي الشرعية على النفوذ الإيراني على المدى الطويل."