لا مفاوضات مع "العسكري" في السودان ومظاهرات غاضبة على أحداث "الأبيض"

لا مفاوضات مع "العسكري" في السودان ومظاهرات غاضبة على أحداث "الأبيض"
(أ ب)

استهل السودانيون يومهم بالعاصمة الخرطوم وبعدد من مدن البلاد، الثلاثاء، بمظاهرات غاضبة ودعوات للمحاسبة، تنديدا بأحداث مدينة الأبيض التي أسفرت عن مقتل خمسة متظاهرين من بينهم أربعة طلاب مدارس؛ فيما أكّد مفاوضان في حركة الاحتجاج السودانية عدم إجراء جلسة المفاوضات التي كانت مقررة مع المجلس العسكري، في وقت لاحق، اليوم، بسبب تواجد الفريق التفاوضي للحركة في مدينة الأُبيض.

5 محتجين بينهم 4 طلاب، لقوا حتفهم، الإثنين، فيما أصيب 62 آخرين، في أحداث فض مسيرة طلابية شهدتها المدينة التابعة لولاية شمال كردفان، رفضا لنتائج تحقيق حول فض الاعتصام قبالة مقر الجيش بالخرطوم قبل نحو شهرين، وفق "لجنة أطباءالسودان المركزية" المعارضة.

وكان من المفترض أن تستأنف، اليوم، الثلاثاء، مفاوضات بين المجلس العسكري الحاكم وقادة حركة الاحتجاج لحل مسائل متعلقة بتشكيل حكومة مدنية في المرحلة الانتقالية، غير أن القيادي والمفاوض في حركة الاحتجاج المكونة من قوى "الحرية والتغيير"، طه عثمان، أكد أنه "لن تعقد جلسة مفاوضات الثلاثاء مع المجلس العسكري لأن الفريق التفاوضي موجود في الأُبيض حاليا".

وأكد ذلك المفاوض في الحركة ساطع الحاج، الذي قال إنّ الوفد سيعود للخرطوم مساء الثلاثاء، ليتم تحديد موعد جديد للتفاوض بين الطرفين. وأوضح الحاج، العضو في قوى الحرية والتغيير وعضو اللجنة الفنية، أنه "لن تكون هناك جلسة مفاوضات اليوم مع المجلس العسكري، وفدنا التفاوضي موجود في الأبيض وسيعود للخرطوم مساء اليوم"، وأضاف "عقب وصول الوفد سيحدد الوسيط الإفريقي موعدا جديدا لجلسة التفاوض المخصصة لمناقشة الإعلان الدستوري".

وكان قادة الجيش وقادة تحالف الحرية والتغيير، الذي يقود الاحتجاجات، قد وقعوا في 17 تموز/ يوليو بالأحرف الأولى "إعلانا سياسيا" لتشكيل مجلس عسكري مدني مشترك يؤسس لإدارة انتقالية تقود البلاد لمرحلة تستمر 39 شهرا، ما يمثل أحد المطالب الرئيسية للمحتجين.

أول تعليق من "العسكري"

الثلاثاء، شهد أيضا أول تعليق من المجلس العسكري الحاكم على الأحداث، في تصريحات لرئيسه، عبد الفتاح البرهان، نقلها التلفزيون الرسمي بالبلاد، واعتبر البرهان أن "ما حدث في الأبيض أمر مؤسف وحزين، ومقتل المواطنين السلميين غير مقبول ومرفوض"، وأضاف أن ما حدث "جريمة مرفوضة تستوجب المحاسبة الفورية والرادعة".

مظاهرات غاضبة

في الأثناء، خرجت مظاهرات طلابية في مدينة أم درمان غربي الخرطوم، مع بداية اليوم الدراسي، وفق شهود عيان، وفي شهادات منفصلة، قال شهود العيان إن المئات من طلاب المدارس بمدينة أم درمان غربي الخرطوم، تظاهروا صباح الثلاثاء، رافعين شعارات تندد بمقتل الطلاب في مدينة الأبيض. وردد المتظاهرون شعارات تطالب بالعدالة والقصاص من قتلة الطلاب. 

كما تظاهر المئات من طلاب جامعتي كرري والأحفاد، وسط مدينة أم درمان، تنديدا بأحداث مدينة الأبيض، والمطالبة بالعدالة والسلطة المدنية. 

وتشابهت الهتافات في كل التظاهرات؛ حيث ردد المتظاهرون شعارات من قبيل: "حرم (قسمًا).. حرم.. نجيب الدم حتى لو مدنية"، و"الدم قصاد (مقابل) الدم"، و "مدنية أيوا (نعم).. عسكرية لا لا"، و "قتل طالب قتل أمة". 

وفي حي "الخرطوم 3" المجاور لوسط العاصمة السودانية، حيث تنتشر المدارس الثانوية، خرج المئات من الطلاب والطالبات مرددين شعار "الشعب يريد قصاص الشهيد". 

وامتنع عدد من أولياء الأمور عن إرسال أبنائهم إلى المدارس، الثلاثاء، وخصوصا ممن لا يزالون منهم بالمرحلة الأساسية. 

وقال أحد أولياء الأمور: "لم أرسل أبنائي للمدرسة اليوم، وهم في مرحلة الأساسي، خوفا من التظاهرات والتوترات عقب مقتل طلاب في الأبيض". 

وفي مدينة بحري شمال الخرطوم، لا يبدو المشهد مختلفا كثيرا؛ حيث تظاهر المئات من الطلاب، وفق شهود عيان. 

وفي مدينتي النهود، بولاية شمال كردفان (ثاني أكبر مدن الولاية بعد الأبيض)، خرج مئات الطلاب والطالبات في تظاهرة حاشدة. 

وأفادت نشرة إعلامية لحزب المؤتمر السوداني المعارض (أحد أحزاب تحالف نداء السودان)، بأن مدينة النهود شهدت تظاهرة طلابية حاشدة تنديدا بـ"مجزرة الأبيض"، على حد تعبيره. 

كذلك، نظم طلاب وطالبات المدارس بمدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، موكبا حاشدًا تضامنا مع طلاب الأبيض، حيث احتشد مئات الطلاب في مدينة كسلا، أمام وزارة التربية والتعليم، تنديدًا بأحداث مدينة الأبيض، وطالبوا بالقصاص للشهداء والجرحى.

وفد قوى التغيير في الأبيض 

وكما أعلن سابقا، زار وفد التفاوض لقوى إعلان الحرية والتغيير، قائدة الحراك الاحتجاجي، صباح اليوم، جرحى أحداث الأبيض في "مستشفى الضمان" (حكومي) بالمدينة. 

والإثنين، أعلنت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بالسودان أن وفدها التفاوضي مع المجلس العسكري، سيتوجه إلى مدينة الأبيض لتقصي حقيقة الأحداث بالمدينة. 

وقال القيادي بقوى الحرية والتغيير، محمد ضياء الدين، في حينه، إن "الوفد التفاوضي سيقف على حقيقة الأحداث التي شهدتها المدينة، وأدت إلى مقتل وإصابة مجموعة من المواطنين خلال التظاهرات السلمية"، وأضاف أن "المفاوضات مع المجلس العسكري المقررة الثلاثاء، يمكن أن تتأجل إلى وقت لاحق".

حداد ودعوات للتظاهر 

منذ توارد الأنباء عن سقوط قتلى في أحداث مدينة الأبيض، دعا عدد من التجمعات المهنية إلى التظاهر وتنفيذ وقفات احتجاجية. 

وبادر تجمع المهنيين السودانيين قائد الحراك الجماهيري، الإثنين، إلى دعوة الجماهير بالخروج في مسيرات شعبية تنديدا بالعنف ضد التظاهرات السلمية في الأبيض ومقتل الطلاب. 

وأعلنت لجنة الأطباء السودانية المركزية أن اليوم، الثلاثاء، سيكون يوم حداد وطني، ووقفات احتجاجية في كل مستشفيات البلاد تنديدًا بما أسمته بـ "مجزرة الأبيض". 

كما دعت لجنة الصيادلة وتجمع المهندسين وتجمع الجيولوجيين (أجسام مهنية تتبع تجمع المهنيين) أعضاءها إلى المشاركة في المواكب الجماهيرية المنددة بالحادثة وللمطالبة بالسلطة المدنية. 

والإثنين، أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية أن 5 محتجين قتلوا خلال الأحداث، وأن إجمالي عدد الإصابات بلغ 62. 

وفي أول تصريح رسمي، قال والي ولاية شمال كردفان المكلف، اللواء الركن، الصادق الطيب عبد الله، الإثنين، إن عدد القتلى 5 بينهم 3 طلاب مدارس ثانوية، و2 من المواطنين، كما أعلن عن تشكيل لجنة تحقيق وتقصي للأحداث، متهما مندسين بالدخول وسط المسيرة الطلابية السلمية. 

وأصدر الوالي قرارا بإعلان حظر التجول، اعتبار من مساء الإثنين و"حتى إشعار آخر"، بمدن الولاية: "الأبيض، وأم روابة، والرهد أبو دكنة، وبارا". 

كما قررت لجنة أمن الولاية تعليق الدراسة بمرحلتيها الأساسية والثانوية، بجميع مدارس الولاية، "حفاظا على أرواح الطلاب والمواطنين إلى حين إشعار آخر"، وفق بيان. 

والسبت، قالت النيابة العامة إن 9 ضباط كبار يواجهون إجراءات قانونية؛ لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية في عملية فض اعتصام الخرطوم، قبل نحو شهرين. 

ونفى رئيس اللجنة، فتح الرحمن يوسف، في مؤتمر صحافي، التوصل من خلال التحريات لحالات اغتصاب أو حرق بالنار خلال عملية الفض، مبينًا أن الجثتين التي عثر عليهما في النيل مقيدة الأرجل لا علاقة لهما بحادثة الفض. 

ويشهد السودان اضطرابات متواصلة منذ أن عزلت قيادة الجيش، في 11 نيسان/ أبريل الماضي، عمر البشير من الرئاسة (1989/ 2019)، تحت وطأة احتجاجات شعبية منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية.