السلطات الجزائرية تقلص مساحة الحرية للحركة الاحتجاجية

السلطات الجزائرية تقلص مساحة الحرية للحركة الاحتجاجية
(أ ب)

يبدو أن السلطات الجزائرية ضاقت ذرعا بالجمود السياسي الحاصل في البلاد مع استمرار الاحتجاجات الرافضة لوجود رموز من الرئيس المتنحي عبد العزيز بوتفلقية، منذ نيسان/ أبريل الماضي، لتشدد الخناق على المتظاهرين وعلى الحركة الاحتجاجية برمتها.

وأعلنت المؤسسة الحقوقية العالمية "هيومن رايتس ووتش"، أمس الأحد، إن السلطات الجزائرية سجنت العشرات لتظاهرهم السلمي خلال الأشهر الستة التي تلت اندلاع موجة من مظاهرات الشوارع التي أفضت إلى استقالة بوتفليقة.

وأضافت أن السلطات اعتقلت أشخاصا لحملهم سلميا راية أو لافتة احتجاج، وسجنت أحد المحاربين القدامى في حرب الاستقلال لانتقاده الجيش. كما منعت اجتماعات لمجموعات سياسية وأخرى غير حكومية، وحجبت موقعا إخباريا معروفا. مع استمرار الاحتجاجات الكبيرة في الشوارع كل يوم جُمعة، تنتشر قوات الشرطة بكثافة في شوارع العاصمة الرئيسية وساحاتها وعند نقاط التفتيش لتقلل فعليا من عدد الأشخاص القادرين على الوصول إلى المسيرة، وتسيطر بإحكام على المشاركين فيها.

وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، لما فقيه، إن السلطات بدلت توجهها "المتسامح" مع المتظاهرين "لتسجن بالرايات وتعيق المتظاهرين الراغبين في الانضمام إلى المسيرات".

وأشارت المؤسسة إلى أنه بعد استقالة الرئيس بوتفليقة في الثاني من نيسان/ أبريل الماضي، وتولي الرئاسة مؤقتا رئيس مجلس الشيوخ عبد القادر بن صالح، ريثما تُعقد انتخابات جديدة، حددت السلطات يوم الرابع من تموز/ يوليو، موعدا لانتخابات رئاسية جديدة، لكن أجّلتها إلى موعد غير محدد تحت ضغط المتظاهرين في الشوارع الذين يطالبون بانتقال ديمقراطي قبل إجراء الانتخابات الرئاسية. تطالب الشعارات الشعبية المرفوعة في المظاهرات باستقالة بن صالح ورئيس الوزراء نور الدين بدوي وغيرهم.

وذكرت أنه منذ استقالة بوتفليقة، يُعتبر أن أحد أبرز من عيّنهم، رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، أحمد قايد صالح (79 عاما)، هو الرجل القوي الجديد في الجزائر. ورفض القائد العسكري في 26 آب/ أغسطس الماضي، مطالب المحتجين بهيكلية ومرحلة انتقالية، وحثّ السلطات على تنظيم انتخابات رئاسية "في أقرب وقت ممكن".

ومنذ نيسان/ أبريل، يتذرع قايد صالح بما يُطلق عليه وصف "الأطراف الأجنبية" الساعية إلى "زعزعة استقرار الجزائر"، مهاجما المتظاهرين والحركة الاحتجاجية بشكل مباشر في 19 حزيران/ يونيو الماضي، في خطاب ألقاه علنيا اتهم فيه "أقلية قليلة جدا من الناس تحمل رايات أخرى [بخلاف العلم الجزائري]" بـ"اختراق المسيرات".

ولفتت المنظمة العالمية إلى أن قوات الأمن شنّت حملة اعتقالات واسعة منذ 21 حزيران/ يونيو، في جميع أنحاء البلاد، استهدفت المتظاهرين الذي يحلمون الراية الأمازيغية التي ترمز لجماعة الأمازيغ العرقية، وغيرهم من المتظاهرين، ولا يزال نحو 40 متظاهرا رهن الاحتجاز، معظمهم في الجزائر العاصمة، يخضعون جميعا للتحقيق بتهمة "المساس بسلامة وحدة الوطن"، التي تصل عقوبتها إلى 10 سنوات في السجن، بموجب المادة 79 من قانون العقوبات.

وأشارت "هيومن رايتس ووتش" أيضا، إلى أن السلطات منعت، في 27 آب/ أغسطس، سلسلة من الاجتماعات المخطط لها بالقرب من مدينة بجاية من قبل جمعية "تجمع عمل الشبيبة" (جمعية راج)، مجموعة نشطة في الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية منذ اندلاعها، كما وأمرت في اليوم ذاته ثلاثة أحزاب معارضة بإلغاء اجتماعها المشترك المزمع عقده في الجزائر العاصمة في اليوم التالي دونما تفسير. الأحزاب الثلاثة، "جبهة القوى الاشتراكية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" و"حزب العمل"، أعضاء في "قوى البديل الديمقراطي"، تحالف سياسي أُنشئ لدعم دعوة المحتجين إلى انتقال ديمقراطي. كان الاجتماع سيُكوّن التجمع الافتتاحي للتحالف.

وفي الخامس من أيلول/ سبتمبر، اعتقلت السلطات المحلية أكثر من 20 من الناشطين الحقوقيين المؤيدين للديمقراطية كانوا يخططون لإقامة اجتماع لجمعية راج في ساحة عامة في بجاية. أطلِق سراحهم بعد ثلاث ساعات ولم يحصل الاجتماع.

ومنذ 12 حزيران/ يونيو، بات الوصول إلى "كل شيء عن الجزائر"، أحد أهم المواقع الإلكترونية الإخبارية المستقلة في البلاد، غير متاح في معظم الأوقات داخل الجزائر إلا بالنسبة إلى أولئك الذين يستخدمون اتصالا عبر شبكة خاصة افتراضية (في بي إن). وقال مدير الموقع، حميد قماش،  لـ"هيومن رايتس ووتش" خلال لقاء في الجزائر العاصمة في الخامس من آب/ أغسطس: "السلطات هي التي أمرت بهذا الحجب التعسفي. حاولنا الاتصال بالحكومة طلبا لتوضيحات، لكنها رفضت الإجابة على أسئلتنا. يشكّل الحجب تهديدا خطيرا لبقائنا كموقع إلكتروني مستقل".

قدم "كل شيء عن الجزائر" تغطية واسعة النطاق لحركة الاحتجاج في الشارع، بما في ذلك انتقاد المتظاهرين للجيش عموما وقايد صالح خصوصا.

منذ الاحتجاجات الأولى في شباط/ فبراير، سمحت قوات الأمن بالتجمعات الكبيرة في الأماكن العامة يوم الجمعة، اليوم الذي تُنظَّم فيه أكبر المظاهرات أسبوعيا. إلا أن قوات الأمن تُحكم سيطرتها على الحشود التي تتجمع في أيام أخرى.